“المارد الأندلسي يتمطّى والفلامنجو ينعش الذاكرة في إسبانيا الاتحادية” بقلم : بكر السباتين

دراسات ….
بقلم : بكر السباتين – فلسطين \ الاردن …
لا يمكن تهميش التاريخ طويلاً حتى لو عربدت في تفاصيله العقول المجيرة لرواية المنتصر دون اعتبار لدور المهزوم الحضاري ذات يوم في إيقاظ مصابيح النهار، من هنا سيرجم المهزوم بعد السقوط بالتهم التي يتذرع بها الطاغي، لاجتثاثه من الجذور، وستوظف من أجل تحقيق هذه الغاية البرامج التربوية المسيسة، ترسيخاً لرؤية حامل الصولجان حتى في مجال البحث العلمي الموضوعي ولولا القليل من مراكز الأبحاث الحيادية لماتت الرواية التاريخية بتفاصيلها التي تظل تتردد فقط في القلوب المكلومة؛ لتذوب في الموروث الشعبي كمفردات ذات دلالات يمكن التقاطها ذات يوم.. حتى تتحرك الرمال وتتكشف الحقيقة في وضح النهار في عالم منفتح على الفضاء دون قيود ووعي يتغذى دون حدود.
وينبغي في سياق هذه المقدمة أن نتتبع مقولة أن تهميش التاريخ لا ينسجم مع الواقع الذي يقر بعكس ذلك تماماً من خلال ما جرى في إسبانيا الاتحادية أو ما تعرف بشبه الجزيرة الإيبيرية منذ سقوط الأندلس على يد القشتاليين عام 1492، وصولاً إلى يومنا هذا، حيث تقف إسبانيا الإتحادية مضطربة أمام تحدٍّ مستقبلي ورثته من ماضيها السقيم البعيد القريب، ما وضعها في أزمة هوية كبرى، جعلتها عاجزة عن التفاعل المجدي مع القوميات الطرفيّة مثل الأندلوثية والكَتَلونية والباسكيّة وأضعفت من موقف مركز الإتحاد. وهذا ما جرى لإقليم أندلوثيا الذي جرد من هويته الدينية والتراثية بعد سقوط الأندلس قبل 527 عاماً، وإبادة أهلها لتسود الإقليم فوبيا استرجاع الماضي الأندلسي الأليم.. وأغلقت الذاكرة صناديقها على أسوأ ملفات الإبادة البشرية التي شهدها التاريخ.. ولكن المخرجات انتظرت طويلاً في دهاليز الرعب قبل أن تتسلل إلى الحاضر فتنعش الوعي في عقول ورثة الحضارة الأندلسية، المورسكيين المغبونين، وهم يعيشون في قطيعة مع تراثهم الإنساني العظيم.
ففي إقليم أندلوثيا (الأندلس)، خرجت الأنفاس ملتهبة من خلال زعماء أنيط بهم إحياء الوعي الأندلسي بالكارثة التي حلت بأجدادهم، والتي تم تغييبها من التاريخ الإسباني واعتبارها مجرد حدث عابر دون الإشارة إلى مخرجات الكارثة على سكان الإقليم وانتزاع هويتهم التراثية في إطار الإبادة التي تعرضوا لها بعد سقوط الأندلس.. ورغم ذلك عاد ذلك الموروث ليتنفس من جديد في وعي أبنائه.. حتى في الموروث الموسيقى وعلى ضفاف العزلة القهرية التي فرضت عليهم، نمت رقصة الفلامنجو.. والتقط شاعر إسبانيا العظيم، لوركا الدرر من تجربة التراث الأندلسي ليؤسس فرقة “مسرح العرب الجوال” الذي اعتمد فيه على التراث الفني والأدبي الأندلسي القديم.
إذن كيف استعاد إقليم أندلوثيا (الأندلس) وعيه بكل أبعاده السياسية والتراثية متحرراً من فوبيا الهوية الأندلسية التي أصابت أهل الإقليم بلعنة العزلة والقطيعة مع الماضي التليد؟ ولنتطرق إلى مفجر هذا الوعي الذي تحرر من تلك الفوبيا ليضع النقاط على الحروف.. واستطاع أن يحرك الوعي في عقول الأندلوثيين الإسبانيين لكي يستعيدوا هويتهم كباقي الأقاليم في إسبانيا الاتحادية. إنه “بلاس انفانتي بريث” فمن هو هذا الزعيم الذي لقب بأب الأمة الأندلسية، الذي أنعش الذاكرة التاريخية بتفاصيلها؟
وقبل الحديث عن هذا الزعيم الفذ، لا بد من التذكير بأن إقليم أندلوثيا (الأندلس) يعتبر الأخطر في قائمة التحديات التي تواجه إسبانيا الاتحادية، من حيث الذاكرة التاريخية التي تدين جرائم القشتاليين ضد المسلمين في الأندلس التاريخية الذين أبيدوا عن بكرة أبيهم في إطار خيارات ثلاثة تجلت في الإبعاد أو الانقلاب إلى الدين المسيحي وإلا فالإعدام قتلاً بالسيف أو بالحرق (في هذا الوقت اكتشف فيه الإسبانيون الأمريكيتين ومارسوا ذات الجبروت ضد الهنود الحمر كما تؤكد الوثائق التاريخية)
فالعودة إلى الذاكرة (بتصرف: مقال لي /صوت العروبة) أيقظت “بلاس انفانتي بريث” الذي اعتبره سنة 1983 م برلمانُ إقليم الأندلس بالإجماع أب الأمة الأندلسية و رائد النضال للحصول على قانون للحكم الذاتي بالأندلس وبالتالي الحصول على حق رفع العلم الأندلسي الإسلامي القديم إلى جوار العلم الإسباني الحديث؛ ما يعني أن مربع الحكم الذاتي كان هو الأساس لدفع قضية الإقليم باتجاه نيل الاستقلال عن إسبانيا الاتحادية، فمقومات ذلك كما كان يراها “إنفانتي” تتمثل بوحدة التاريخ المتمثل بتاريخ العرب في إسبانيا الأمر الذي دعاه للمطالبة باستعادة اللغة العربية إلى جانب الإسبانية لاعتمادها في الحياة العامة وتعليمها في المدارس والجامعات.. لا بل وأكد على حرية أهل الإقليم في استعادة زي أجدادهم العربي الأصيل الذي كان سائداً في عهد الأندلس في إطار الخصائص الاجتماعية الخاصة للإقليم ما يجعلها لا تنسجم نسبياً مع النمط السائد في عموم المقاطعات الإسبانية الأخرى وخاصة أنه كان قد أعلن إسلامه أسوة بأجداده من بني أمية! ولتحقيق مطالب الإقليم السياسية أسس “إنفانتي” حزباً يطالب بإعادة إقليم الأندلس للوجود وتحققت مطالب هذا السياسي القوي في إطار ما يسمى اليوم إقليم (أندلوسيا) ويضم سبعة مدن إسبانية جنوبية رئيسية، هي غرناطة وهي عاصمة الإقليم، قرطبة، إشبيليا، ملقه، ألمريا، ألبا، وكادث.
والإقليم اليوم مستقل في القانون وإدارة الشؤون الداخلية؛ إلا في مجال الدفاع والخارجية.
إلا أن “إنفانتي” لاقته المنية بعد مطالباته باعتماد العربية لغةً رسمية للبلاد إضافة للزي العربي الأندلسي؛ حيث تم قتله في ظروف غامضة بينما لم يستطع القاتل طي صفحته التي تبلورت في إرثه السياسي الذي ما يزال حاضراً في التداعيات الانفصالية للأقاليم التي تشكل إسبانيا الاتحادية في عموم شبه الجزيرة الأيبيرية.
وفي سياق متصل، فإن عودة الوعي أخرجت التراث الأندلسي ليتجلى في الثقافة الإسبانية كملهم، لا بل فقد أعطى الثقافة الإسبانية خصوصية ميزتها عن سمات عصر النهضة الأوروبي المستوحى من التجربة الفلورنسية في إيطاليا (التراث القوطي والباروكي) حتى في الفن المعماري والزخارف التجريدية المستوحاة من آثار العرب في الأندلس مثل قصر الحمراء..
– الشاعر الإسباني لوركا وإحياء التراث الأندلسي
وقد أبدع شاعر إسبانيا العظيم لوركا في استلهام الموروث الفني والأدبي الأندلسي في الثقافة الإسبانية المعاصرة، من خلال تبني مشروعه الثقافي القائم على استلهام التراث الأندلسي في إطار الوعي بقيمته الحضارية كجزء من التاريخ الثقافي لإسبانيا لا يمكن تهميشه، لكنه أيضاً راسخاً في قلب المكان الذي شهد مأساة الأندلس وجُرِّدَ من هويته التراثية. فماذا فعل هذا الشاعر العظيم؟
قام لوركا في عام 1922 بالتعاون مع فنانين اخرين بتأسيس مهرجان الأغنية العميقة بمدينة غرناطة تحت اشرافه واشراف (ما نويا دى فايا) فكان أول مهرجان يوظف الغناء الاندلسي الموروث عن زرياب، كي يثبت أن الغناء العميق ليس مجرد ارث قديم بل هو شيء يفيض بالحيوية والجمال والتميز.
ويتميز الغناء العميق بتقسيمات فرعية لنغمات تقل مدتها الزمنية عن نغمات الموسيقى الغربية ولذلك لا تؤدى على آلات الموسيقى المنهجية المعروفة مثل البيانو والكمان وغيرهما، ومن أكثر الآلات المناسبة لهذا اللون الأندلسي هو الجيتار بكل ما يتمتع به من قدرة تعبيرية.
لذلك كرس لوركا بعد ذلك جهوده للغناء الشعبي الإسباني وبعث الحياة في الغنائيات التراثية ليؤديها اعضاء فرقته الجوالة التي قدمت عروضها ضمن “مسرح العرب الجوال” كما الف (لابرابا) وهى نوع من الغنائيات الشعبية ذات الإيقاعات العربية الاصيلة . وفي غمرة هذه التجارب كانت التجربية المنسية للموركسيين الذي هربوا من بطش القشتاليين إلى الجبال العالية الوعرة والوديان المعزولة قد أيقظوا تجربتهم الفنية لتعبر عن هويتهم في حيز الثقافة الأندلسية وضمن الثقافة الإسبانية الاتحادية، من خلال الفلامنجو.
– الفلامنجو وعودة الوعي
قسم الباحثون الفلامنكو كما جاء في الموسوعة الحرة (بتصرف) إلى ما يلي:
“أغاني غجرية الأصل، أغاني أندلسية الأصل، أغاني خفيفة”.
ولنقترب أكثر من الهوية الأندلسية في إطار ثقافة الاتحاد الإسباني من خلال رقصة وموسيقى الفلامنجو.. وها نحن أمام وصلة موسيقية راقصة لفن الفلامنجو الأندلسي.. إذْ ينبغي على مؤدى الرقصة أن يرتجل الكلمات التي تعبر عن الاغتراب والقهر والتمرد على الأسر حتى لو كانت الكلمات في الحب أو الحماسة بحناجر ملتهبة متفجرة، ويكون ذلك من خلال التعبيرات الحركية المنسجمة مع إيقاع القطعة الموسيقية المصاحبة للرقصة، وذلك من خلال حركة القدمين وطقطقة الأصابع، حيث يصحب كل ذلك حركات قوية للذراعين لكنها انسيابية رشيقة. ويمكن أن يؤدى رقصات الفلامنكو شخص بمفردة أو زوج أو فرقة كبيرة العدد، والراقصون المهرة ينفعلون بروح حماسية وينقلون حماسهم وانفعالهم للمشاهدين.. وتسهم الأزياء المتنوعة الألوان والضجيج العالي في إضافة الكثير من الإثارة على تكنيك الأداء الحركي. وكان يصاحب راقصي الفلامنكو في الأصل التصفيقُ والغناءُ والضربُ الخفيفِ بالأقدام؛ إلا أنه أضيف إليها بعد ذلك الجيتار. إن هذا العنف الجسدي والحركة المتشنجة على إيقاع الموسيقى والصوت الذي يخرج من الأعماق ليتفجر في الفضاء المفتوح، إنما يعبر عن طاقة مكبوتة لروح أسيرة أو منفية.. روح قلقة توارثها غجر إسبانيا من بقايا المسلمين المورسكيين الذين نأوا بأرواحهم عن بطش القشتاليين بعيداً في قمم الجبال النائية والوديان المتوارية عن الأنظار، وكان فن الفلامنجو هو صوتهم الذي نما في الهامش، وظل الغجر مطيته إلى قلوب الإسبانيين دون أن يدركوا بأنهم يُدْخِلون صوت الضحية إلى حياضهم، ذلك الوجع المسكون في إيقاعات فن الفلامنجو والذي يحكي عن مأساة ما بعد سقوط الأندلس التي حلت بالهاربين من الفلاحين والمتمسكين بدينهم الإسلامي من المورسكيين الأندلسيين الذين ابتلعتهم الوديان وتواروا في هامش الأحداث بعيداً عن مركز الفعل الحضاري المعاصر في قلب شبه الجزيرة الليبيرية القشتالية (الإتحاد الإسباني).. إلى أن استيقظت تلك الأوجاع في قلوب ورثة الحضارة الأندلسية من الأجيال الحديثة، الحضارة التي بقيت معالمها شامخة في قرطبة وغرناطة.
وعن الأثر الأندلسي على “الفلامنكو” كتب الإسباني، أنطونيو مانويل راموس، وهو ملحن وأستاذ بجامعة قرطبة، قائلاً:
إن “العديد من المورسكيين واليهود المتحولين بقوا في شبه الجزيرة الأيبيرية. طائفة كبيرة هاجرت إلى المنحدرات الداخلية للعيش في الأكواخ والكهوف المنعزلة عن المناطق الحضرية، كانوا متجولين أو مجتمعين في مناطق جبلية يصعب الوصول إليها.” ويكمل رامس قائلاً:
“لقد كانوا الفلامنكو.. لأن كلمة فلامنكو، في النحو، مقتبسة من الكلمتين العربيتين: (فلاح-منكوب)، أي مطرود، مهمش، مُجرُّد من أرضه ولسانه ودينه. لكنه ليس مجرداً من ذاكرته. لقد كظم الفلامنكو (الفلاحون المنكوبون) ألم الضياع لينشدوا في انفراد موسيقاهم الشعبية بحنجرة مملوءة بالدم. هكذا وُلدت (الكانتي خوندو) أي (الأغنية العميقة). إنه التعبير الغامض والمجهول عن ألمهم الشخصي. يرفع المنشدون السبابة ويذكرون اسم الله (أولي Olé) تعظيماً لاسم الجلالة. بينما يرتلون وسط التصفيق بداية (الشهادتين) (لا إله إلا الله). ثم يغمضون أعينهم وهم ينشدون:
جزر الوادي الكبير
التي رحل منها الموروس
الذين أبوا الرحيل
وما أروع المرور من طريانة
ومشاهدة البرج الذهبي..
بلا أجراس.
لا يفهمون ما يقولون،
لكنهم يحسون به”.
وكثيرة هي الأغاني التي تغنى صمن أناشيد الفلانجو دون أن يدرك المؤدون معناها وقد أوضح أنطونيو مانويل راموس في مقالته بأن المياومين الفلاحين دأبوا على ترديد صلاة مورسكية دون أن يعلموا أنه وِرْدٌ مثيرٌ ارتدى قناع لعبة فلامنجو، يغير وجهه عند كل تغيير صوتي، مثل تبادل السلام.
وأخيراً تجدر الإشارة إلى أن الضغط يولد الانفجار.. وتغريب القشتاليين عبر تاريخ إسبانيا للهوية الأندلسية في إطار الاتحاد الإسباني سيؤدي إلى تلك النتيجة، فالشخصية الأندلسية لها امتدادات تاريخية لا يمكن تحجيمها فقد تجاوزت قدرات الاتحاد الإسباني على لجمها وإعادة المارد إلى قمقم الهامش والنسيان.. وها هم راقصو الفلامنجو يطرقون الحاضر بذاكرة الوجع الأندلسي القديم.. ويرفع الجيل الجديد في إقليم أندلوثيا علم الأندلس الأخضر فوق المباني الرسمية ويرتدون أزياء المعتمد ابن عباد وابن زيدون وولادة وابن رشد، ويتعلمون فن الموسيقى والإتكيت من زرياب، وينحنون احتراماً لرموز الحضارة الأندلسية التي انتشرت تماثيلهم في المواقع الاستراتيجية داخل الإقليم.
25 نوفمبر 2019

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة