هل كنت سأكتب تلك الرواية الموجعة لو لم أكن منتميا للمقاومة، معايشا للتجربة في الأغوار، وفي محنة أيلول 1990 – بقلم المبدع : رشاد ابو شاور

فن وثقافة ..
بقلم :رشاد أبوشاور
هل أُضيف جديدا إذا ما قلت بأن سيرة حياتي، وحياة أُسرتي، لا تنفصم أبدا عن مسيرة الشعب العربي الفلسطيني الذي أنا أحد أفراده، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، واحتلال بريطانيا لفلسطين، ورعايتها لمشروع التسلل الصهيوني..وحتى يومنا هذا، وإلى زمن قادم تتحرر فيه فلسطين؟
ولأنني ولدت في قرية فلسطينية،هي قرية ذكرين، أو زكرين بحسب المؤرخ الكبير مصطفى مراد الدبّاغ في موسوعته( بلادنا فلسطين)، في منتصف حزيران 1942، يعني قبل النكبة الفلسطينية عام 1948، فإن كل ما حدث منذ ذلك التاريخ قد اثّر في حياتي بشكل مباشر.
ماذا في ذاكرتي عن تلك السنوات؟
أم ممدة على سجادة، ممزقة الجسد، وأنا أقرفص محملقا في كل ما حولي دون أن أعي شيئا، ونساء متحلقات واقفات حول الأم الممدة على ظهرها.مشهد صامت ثابت في ذاكرتي، لا يمكن أن يتلاشى من الذاكرة.
قبر محدب ينبثق على الأرض يُدس فيه جسد الأم الذي عاد ميتا من مستشفى في القدس بعد ثلاثة أيّام، وأنا أقرفص في مدخل القبر، وشخص ما يزيح رماد وعظام موتى سابقين هم أهل أمي ليمدد جسدها المكفّن لصق بقاياهم.
بعد وقت، فيما بعد، عرفت أنه شهر ونصف، يمضي رجال ببنت صغيرة ملفوفة في قماش أبيض، يحملها رجل من أقاربي في حضنه إلى حاكورة لأبي ليدفنوها هناك..وهكذا لحقت أختي معزوزة بأمي زينب وبدأت رحلة وحدتي في هذه الحياة الشقية.
في ذاكرتي بيوت قريتنا وكرومها ومدرستها، ووالدي يغطي رأسه بخوذة معدنية – من أين حصل عليها؟! – نسيت أن أسأله: من أين حصلت عليها يا أبي؟ وقد سمعته مرة يصرخ بينما دوي الرصاص في كروم قريتنا: أعطوني طاسة الحرب. وبعد وقت لا أدري كم امتد، وضع رجال الدسكرة، وهي لنقل موتى القرية، من الخشب على أربع قوائم عالية، مفتوحة من أمام وخلف وفوق..ورجل ممد على ظهره والدم على ملابسه ووجهه باتجاه السماء، ولا أحد حوله سواي. حدث هذا لأنني كنت العب قرب كرم الجد مرشد، عم أبي وزوج خالته، وهو محارب قديم في الجيش العثماني.
لم أكن أعرف ما هي الحرب، ومع من، لكنني سمعت صيحات: اليهود..اليهود، وناس يتراكضون في عدة جهات، ورأيت رجلا يرفع بندقيته فوق رأسه صارخا: عليهم…
ثم كان ظلام، ورجال ونساء وبهائم يتراكضون تحت الأشجار وعلى مسارب الطرق، يتجهون إلى ما لا أعرف..ولكنني ركضت مع الراكضين، وهبط ليل، وارتمينا تحت سماء داكنة فيها نجوم بعيدة تلمع..وطائرة تزن بلا توقف وضوؤها يخفق كأنها تبحث عنا وتريد قتلنا.
التصق الأطفال بأمهاتهم وأنا تكومت وحدي واضعا رأسي بين ركبتي جائعا خائفا عطشانا مذهولا..وأبي ليس معي.
الرجال بقوا في القرية للدفاع عنها، وأبي أحد اثنين يقودان المسلحين.
ما زال صوت عمي حسن الذي أعجز عن وصف ما فيه من حزن ولوعة وألم يسكن ذاكرتي، وهو يدير رأسه باتجاه قريتنا: مع السلامة يا ذكرين..اللقاء يوم اللقاء!
وتحت أشجار الزيتون قرب الحرم الإبراهيمي في الخليل، في العراء، ونحن نحمل الصحون الفخارية وننتظر شوربة البركة التي توزع قرب الحرم، عرفت أننا لم نعد في ذكرين، وأن اليهود طردونا من قريتنا، وقتلوا بعض الرجال والنساء، وأن طائرة يهودية ألقت قيزانا على المسجد الذي بناه أهل قريتنا من حجارة بيضاء ناصعة، وصلوا فيه جمعة واحدة..و…
الكلمات مدلولها ضعيف أمام هول التجربة، والوصف يعجز عن نقل وتجسيد تجربة لم يعشها السامعون والقارئون!
انتقل بنا أهلنا إلى مغاور وكهوف وبيوت في الكروم يهجرها أهالي الخليل في الشتاء، وهي بيوت صيفية لا شبابيك ولا أبواب تغلقها، فهي تبقى مفتوحة ليدخل الهواء منها بردا وسلاما في أيام وليالي الصيف.
جاءت سيارات وحملتنا مع جرودنا إلى مخيم الدهيشة قرب بيت لحم، وهناك وزعوا علينا البقج، ونصبوا لنا الخيام، و..دعوا الأطفال للالتحاق بالمدارس التي هي خيام متجاورة بأربعة أعمدة في الزوايا وعمود عال يرفعها من منتصفها.
وقف شخص أمامنا في الخيمة وقال لنا: روحوا يا شاطرين أحضروا حجارة لتجلسوا عليها..فتراكضنا في الوحل وعبرنا الإسفلت إلى الطرف الآخر وحملنا حجارة وقعدنا عليها، وبدأ تعليمنا.
الأساتذة أفهمونا أن قرانا ومدننا احتلها اليهود، وأن علينا أن نستعيدها، وأن العلم سبيلنا إلى ذلك.
لم أفهم أنا والأولاد سوى أن من يُسمون باليهود طردونا من بيوتنا ورمونا في العراء وتحت الخيام…
أذكر: قدماي تغرقان في الوحل تحت الخيمة والماء الطيني يتدفق من فوقهما وأنا أرتجف كبقية الأولاد.
عندما كبرت فهمت لماذا أشعر أحياننا أنني شجرة، فمنذ ذلك الوقت امتزج في بدني التراب االموحل والماء الطيني…
هذه بداية السيرة الذاتية والتجربة الشخصية والعامة، فحياتي تداخلت مع أهلي، مع خصوصية تميزها، وجميعنا ذقنا التشرد والبرد والجوع والشعور بالقهر والمهانة.
مذّاك بدأت الأسئلة، ولا بد لي هنا من أن أحيي ذكرى أولئك الأساتذة الذين لقنونا حب فلسطين، وطرح أسئلة تعرّفنا بأسباب نكبتنا، ولقنونا الشعور بالمسئولية تجاه شعبنا ووطننا…
وأنا في الصف السادس الإبتدائي، في مدرسة مخيم النويعمة، وفد من القدس إلى مدرستنا أستاذ شاب اسمه عدلي عرفات.
اذكره شاحب اللون، ضاحك الوجه، حيوي الحضور. علم الصف الأول إعدادي اللغة العربية. جمع من الأولاد قروشا قليلة وأحضر لهم كتبا من القدس، كلها للمنفلوطي، أحدها اسمه (ماجدولين) استعرته من ابن عمي، وقرأته باكيا حزينا لأنه كتاب حزين فيه يتم وحب وفراق…
بدايتي مع الكتابة بدأت من هناك، من تلك الرواية، وفي مدينة دمشق التي أقمت فيها مع أبي بين أعوام 57-65،ولتوفر الكتب، والأجواء الثقافية، تكرّس خياري: سأكون كاتبا روائيا وقّاصا.
أول رواية نشرتها صدرت عن دار العودة –بيروت عام 1973، وهي رواية صغيرة الحجم، مكتوبة كحكاية، وأحداثها تجري في قريتنا( ذكرين)، وهي تفضح الظلم والتخلّف وعقلية الإقطاع…
رواية التجربة الشخصية والسيرة الذاتية كانت رواية( البكاء على صدر الحبيب) وصدرت عام1974، وهي رواية نقد المقاومة ومسيرتها، كتبتها عن الفساد والانحراف في مسيرة المقاومة، ولقد أثارت ضجة هائلة وكتب عنها الكثير، واضطررت لمغادرة بيروت والعودة للإقامة في مخيم اليرموك…
هل كنت سأكتب تلك الرواية الموجعة لو لم أكن منتميا للمقاومة، معايشا للتجربة في الأغوار، وفي محنة أيلول 1990 – بقلم المبدع : رشاد ابو شاور
فن وثقافة …
بقلم : رشاد ابو شاور – الاردن …
عدت مع أبي من دمشق إلى أريحا عام 1965. بت أهجس بكتابة رواية عن أريحا، وناسها، وتاريخها المذهل، وجغرافيتها، وشمسها، ولذا تجولت في أرجائها، في محيطها، ووديانها – عملت في مكافحة البعوض مدة شهر ونصف..في الأزوار، وهي الوديان الأعمق في أعمق نقطة في الكرة الأرضية ، في عز الصيف الحارق- فتعرفت أكثر على جوانب من جغرافية أريحا..وازددت تعلقا بها.
وقعت هزيمة حزيران وتشردنا بعيدا عن أريحا، وكتبت الكثير من القصص القصيرة التي تعبّر عن تجربة الفدائي، والمقاومة، ومعايشتي في الأغوار للبدايات، ولمعارك كبيرة…
لم تغب أريحا عن عقلي وروحي. كنت أجلس وأتأملها من شرقي النهر، وهي هناك في مرمى نظري، وجبل التجربة الشامخ يرتفع حتى تلامس قمته السماء، وعلى سفحه بيوت وحقول نخيل أريحا وبيارات الحمضيات وينابيع المياه، والمخيمات القريبة منه: عقبة جبر، عين السلطان، النويعمة…
لو كتبت ( العشّاق) وأنا في أريحا لما حملت ذلك العنوان، وأن اكتبها بعد عشرة أعوام بعيدا عن أريحا، وفي مخيّم اليرموك، عن نكبة حزيران، والزمن الفدائي، فقد اختلف الأمر.
كنت أفكر طيلة تلك السنوات، واطرح الأسئلة على نفسي: كيف أكتب روايتي هذه؟ واهتديت لكتابة مدخل بمثابة نشيد يليق بتاريخ وجغرافية وعظمة أريحا، ومن بعد انتقلت إلى الزمن الذي نعيش فيه…
هل أنا حاضر في الرواية؟ نعم، روحي وبعض مكوناتي الشخصية، وأصدقائي..وجيلي بكل معاناته، وتحولاته، ومقاومته.
أكنت أكتب ( آه يا بيروت) و( الرب لم يسترح في اليوم السابع) لو لم أنخرط في معركة بيروت عام82؟
تحت قصف الطائرات، وسقوط الصواريخ، ودوي القذائف من البحر والبر على أحياء بيروت الغربية، وأنا أعمل في الإذاعة الفلسطينية، وجريدة المعركة التي أسسناها أثناء المعركة، كنت أدوّن كل شئ، وعندما خرجت من بيروت وعدت إلى مخيم اليرموك عكفت ستة أشهر لإعادة كتابة ما كنت دونته أثناء المعركة.
عندما تقرر الخروج من بيروت اخترت أن أكون في رحلة السفينة( سولفريني) المبحرة إلى تونس يوم 22 آب 1982رغم تحذيري من خطورة تلك الرحلة التي ستستمر سبعة أيام في البحر.
أربع سنوات تقريبا وأنا اشتغل على رواية ( الرب…) حتى أنجزتها…
التجربة، كما ترون هي التي منحتني هذه الأعمال التي أعتز بها، والتي استقبلت من النقاد والقرّاء استقبالا جيدا وصدرت في عدّة طبعات…
سنوات طويلة مرّت حتى مجئ اليوم الذي قررت فيه أنه آن الأوان لكتابة رواية النكبة، وفيها تتداخل حياة أسرتي، وحياتي الشخصية، بحياة الشعب الذي أنتمي له، والذي عانيت معه وتشردت وتعذبت…
روايتان، حتى اليوم، أنجزتهما: ( وداعا يا زكرين) و( الحب وليالي البوم) ..والرواية الثالثة ( عبور الحدود) قادمة في وقت غير بعيد.
كنت محتاجا إلى هذا الوقت الطويل لأجيب على أسئلة فنيّة،وتاريخية، واجتماعية، ولتعزيز رؤيتي لمسببات النكبة وخلفياتها…
ما تعلمته في مسيرتي الأدبية:
أنك قد لا تختار التجربة، لأنها تختارك بدون إرادتك ورغبتك، وهي تشملك مع غيرك، ومع ذلك فأنت قادر على استثمارها وتوظيفها في كتابتك.
هناك تجارب أنت تختارها، تنخرط فيها بدون تكليف من أحد، لأنك ترى أنها ذات قيمة ومعنى وأهمية شخصية وإنسانية ووطنية.
كثير من الكتاب غادروا بلادهم وانحازوا لثورات شعوب مظلومة، وانخرطوا في صراعات غير مطلوب منهم الانخراط فيها، وخرجوا بأعمال روائية كبيرة: همنغوي، ومالرو، ونجاتي صدقي الفلسطيني، وغيرهم ممن شاركوا في الحرب الإسبانية، وانحازوا ضد الدكتاتور فرانكو.
العجيب أن بعض الكتاب والشعراء والمفكرين العرب يهربون من حروب تقع في بلادهم، على بلادهم، ويعتبرون هذا موقفا، وهذه الانتهازية، وهذا الجبن، وهذا الهرب يخسّرهم المصداقية، والتجربة، وإمكانية إنجاز أعمال أدبية تبقي ذكراهم في وجدان شعبهم.
إنني أنظر خلفي متأملاً مسيرة عمري الذي يوشك على الختام، وأسأل نفسي: أكنت أكتب كل هذه الروايات لو لم أعش التجارب حتى الثمالة بوعي، وباختيار مهنة الكتابة، وبتحويل آلام ومتاعب وعذابات الرحيل القسري إلى كتابة لترسيخها في الذاكرة الفلسطينية، والعربية، وتأملها بما فيها من قيم إنسانية، وخصوصية نادرة؟!.
أن نحوّل التجارب المُرّة الرهيبة على فن..هذا هو التحدي، وهذا هو العطاء، وهذا هو الإبداع

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة