صلي على النبي يا جورج – بقلم : رولا صبيح

اصدارات ونقد …
بقلم : رولا صبيح – كاتبة واديبة فلسطينية تقيم في نيويورك
رواية وقفت طويلاً أمام عنوانها، أجلت قرأتها لمرات عديدة، كنت حينها أحاول أن أخمن محتوى الرواية من عنوانها اللافت، اعتقدت أن الأديب وليد رباح سيحدثنا باستفاضة عن الاندماج بين مسلمي ومسيحي فلسطين، وعن التقارب بينهم لدرجة أن الفوارق بين الدينين لا تكون واضحة إلا في أقامة الشعائر، ومع كل الشحن الديني والطائفي التي تعاني منه منطقة الشرق الأوسط، بقيت فلسطين غير ملوثة بهذا الداء الذي فتك بكثير من مجتمعاتنا العربية، هذا الداء الذي جعل من بلادنا مريضة هشة لتقوم تحريكها الدول الغربية بأصبع واحد.
ولكن الأستاذ وليد أخذنا في روايته إلى أعماق فلسطين، لنعيش معه فترة الأحتلال الأنجليزي، ولقد كان جورج أحد المناضلين حين ذاك، جورج أو “يونان” هو الاسم الحقيقي لجورج، هرب إلى شيخ الجامع ليخفيه عن أعين الأنجليز، واختار الشيخ والد الأستاذ وليد ليأمنه على حياة جورج، وقفت طويلاً عند الصداقة التي نشأت بين والد وليد وبين جورج، تلك الصداقة التي بقي مكانها راسخاً في قلب جورج لأن وافته المنية، بل أنه كان يذرف الدموع بحرارة كلما تذكر صديقه.
وأنا يا أيضاً يا صديقنا جورج دموعي لم تتوقف وأنا أقرأ قصتك، بل أنت جسدت لي تاريخ أهرب منه لأنه يؤلمني، تاريخ هجرتنا من فلسطين، تخيلتك جدي وعمي وأبي، تخيلت القرية قريتي التي لا أعرفها، وأقربائك أقربائي الذين تفرقوا في كل بقاع الأرض، تذكرت غزة التي يفتك بأهلها كل يوم لانهم قرروا الصمود، حتى وأن تأمر عليهم العالم بكل قوته.
وشعرت أن جورج هو أنا والأستاذ وليد وكل فلسطيني وعربي وصل إلى امريكا وانغمس في الحياة اليومية، ليصبح الوطن حلم يزورنا في الليل، نعيش مع ذكرياته لساعات نستجدي النوم أن يأتي لنا مسرعاً لنهرب من الذكريات التي فيها الكثير من المرارة، ونكذب على أنفسنا في الصباح، بأطلاق وعود زائفة بأننا سنعود قريباً إلى ذاك الوطن البعيد، يأتي الغد وبعد الغد وتمر الأيام ونشيخ ونموت ولا نعود.
وهكذا نعيش نحن نتألم والوطن يأن تحت وطأة احتلال تسانده دول العالم ليفكوا كل ارتباط لنا به، لتصبح بعد ذلك أحلامنا بالوطن ألوانها باهتة، تصل تلك الأحلام إلى الأجيال القادمة في المهجر صفحة بيضاء لا يوجد فيها سطور ولا ألوان، بل أنهم لا يعرفون من الوطن إلا الاسم والعلم واللهجة. سامحك الله يا أستاذ وليد بصفحاتك التي لا تتجاوز المئتين صفحة، فتحت بداخلي جروح عمرها أكبر من عمري وعمرك.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة