حديثُ البحرِ – بقلم : راوية وادي – فنانة فلسطينية تقيم في كندا ..

فن وثقافة …..
راوية وادي – فلسطينية وفنانة تقيم في كندا ..
انسابتْ الفِكَرُ كالطوفانِ، وعلا صوتها فوقَ أصواتِ الموجِ المنسابِ برتابةٍ على الشاطيء، و لكنَ الموجةً عاتيةً كانت تنتهي حيث جذع شجرٍة كبيرٍ خاوٍ استلقى منهكاً على الرملِ الأصفرِ، و قدْ بدأ يغرقُ رويداً رويدا. أحستْ بأنفاسِ الجذعِ التي بدأت تثقلْ و هي تُحدثها و تقولُ: نعمْ كنتُ ذاتَ يومٍ شجرةً وارفةَ الظلاِل ،خضراءَ الورقِ، كثيرةَ الثمرِ، و ذكيةَ العطرِ، تعلقَ قلبي بغيمةٍ سكنتْ سمائي، أظلتني بالنهارِ، و آنستْ حلكةَ ليلي، رأيتُ فيها أقواسَ القزحِ في النهاراتِ الماطرةِ، و راقبتُ فيها ظلالَ الطيورِ المهاجرةِ في الخريفِ، و صوَر إنعكاساتِ المروجِ الخضرِ في الربيعِ، و حجبتْ عني قسوةَ و ظلمَ شمسِ الصيفِ.
لمْ أدرِ كمْ فصلٍ مضى…. و لكنْ الغيمةَ بدأت تتلاشى، و بدأتْ أوراقي تتساقطْ ، و ليسْ الوقتُ خريفاً، و الشقوقُ تزدادُ على أغصاني و جذعي .. و لأولِ مرةٍ .. أنظُر حولي .. أولُ مرةٍ أنظرُ الى الأرضِ، لأدركَ أني في صحراءٍ ليس بها سواىَّ .. و غيرَ رمالٍ صفرٍ … ليس حولي منْ أحدٍ. رفعتُ رأسي لأسألَ غيمتي كلَ التساؤلاتِ التي كادتْ تكونُ أثقلَ و أكثرَ من رملِ الصحراء .. لأدركَ أنه لا غيمَ في السماءِ … و أنْ غيمتي ….. وهمٌ و محضُ سرابٍ من خيالي . أفقتُ على صحراءٍ أنكرتني ، و صفعتني بريحها و غضبِ رمالها و اقتلعتني من الجذورِ .. قذفتني حيثُ لم يصلْ خيالي يوماً.
و ها أنا هنا على شطِ بحرٍ عاتٍ، و أحلمُ أنْ أستريح ..و أتساءلُ: أ.. البحُرأرحم أم الصحراءَ، أم كلاهما قدري .. و كلاهما سواء؟ أهو الدمعُ الذي حرقَ و جنتيها … أمْ رذاذُ ملحِ البحرِ الذي رشقتهُ تلكَ الموجةِ العاتيةِ التي سحبتْ الجذعَ إلى البحرِ الكبيرِ الصاخبِ؟
رفعتْ رأسها للسماءِ تأملُ أن تراها …. أو أن تترآها … و لكنَ السماءَ خلتْ من أيِّ غيمة، و تسائلتْ: ترى كمْ فصلٍ في حياةِ المرءِ منا ؟- و إذْ بموجةٍ غاضبةٍ تهزها … و تكادْ تسحبها عنوةً الى عمق اليم بعيداً عن الشاطيءِ، ولكن فروعها الصلبة التي غاصتْ في الرملِ المغمورِ بالماءِ أنقذتها- و صوتٌ قادمٌ ليست تدري أهو البحر أم الريح يجيبها : قدرُالمرءِ أنْ يعيشَ أربعةَ فصولٍ فقط ….. المتوقعَ والمعلومَ والمأمولَ والمجهول.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة