سلام بدون سلام( 2) الأخيرة – بقلم : تميم منصور

دراسات …
تميم منصور – فلسطين المحتلة …
في المقال السابق سلطنا الأضواء على مصلحة الجانب الأردني التاريخية من عملية المصالحة بين الاردن واسرائيل، هذا لا يعني بأن الجانب الاسرائيلي لم يكن في انتظار هذه اللحظة التاريخية التي تم فيها تحقيق الحلم الصهيوني بتوقيع اتفاقية سلام مع الاردن النظام والاردن الجغرافية ، نظراً لموقعه الاستراتيجي كونه أكبر دولة عربية لها حدود مشتركة مع اسرائيل، وأكثر دولة عربية يتواجد فيها فلسطينيون، فقد نجح النظام الاردني في مسح هويتهم الفلسطينية ، وتحويلهم الى مواطنين اردنيين وهذا ما خطط له الملك عبد الله مؤسس المملكة وما ارادته اسرائيل ، ان ينسى الفلسطينيون وطنهم من خلال اندماجهم مع الشعوب الأخرى .
في اتفاقية السلام مع الاردن ضمنت اسرائيل هدنة طويلة الأمد بينها وبين ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون في الاردن لأنها تعرف وتثق بسياسة القمع الاردنية ضد أي حراك فلسطيني يعارض سياسة النظام الاردني اتجاه اسرائيل وغيرها .
ان اسرائيل تعتبر السلام مع الاردن خطوة مصيرية انتظرتها منذ قيامها، فقد اغلقت هذه الاتفاقية افواه مئات من اليهود المتطرفين دينياً، والذين لا زالوا يعتبرون شرق الاردن جزء من الوطن القومي اليهود، وهؤلاء لا زالوا يحلمون بتطبيق وعد بلفور المشؤوم الذي كان يشمل فلسطين وشرق الاردن، في نفس الوقت فإن هذا الاتفاق بالنسبة لاسرائيل يعتبر جزء هام من حل القضية الفلسطينية، خاصة بالنسبة لكل الذين يعتبرون شرق الاردن الوطن البديل للفلسطينيين .
هذا يؤكد بأن برود ممارسات السلام وسخونتها لا يهم الاسرائيليين ، لأنهم حققوا كل ما انتظروه من اتفاقية السلام هذه، والاردن بالنسبة لاسرائيل أصبح بعد الاتفاقية امتداد جغرافي اقليمي ، وامتداد استراتيجي أي أنه أصبح خط دفاع أول عن حدود اسرائيل، وقد اعترفت السلطات الاسرائيلية انه خلال ال 25 سنة التي مضت على توقيع الاتفاق، ا فإن أجهزة الأمن الاردنية تقف بقوة وبيقظة أمام أي خلية فدائية يمكن ان تهاجم مواقع اسرائيلية عن طريق الاردن ، كما ان السلطات الاردنية تشارك اسرائيل في تفكيك خلايا معادية لاسرائيل داخل الاردن وربما خارجة .
لقد اكدت ذلك الصحف الاسرائيلية ، خاصة صحيفة ” هآرتس ” في عددها الصادر يوم 3 / 10/ 2019 وأضافت ان عدم احياء ذكرى اتفاقية السلام بما يليق به ، لا يعني انه يوجد قطيعة بين السلطات الحاكمة في الدولتين ، لأن أكثر ما يهم اسرائيل في علاقاتها مع الاردن هو الجانب الأمني ، وأكدت هذه الصحيفة بأنه يوجد تعاون امني كامل بين كافة القوى الأمنية في الدولتين فالاجتماعات واللقاءات لا تتوقف والتنسيق الأمني المشترك قطع أشواطاً، إلى درجة أن الاردن شارك في مناورات عسكرية مع الولايات المتحدة بمشاركة اسرائيل ودولاً أخرى .
هل اسرائيل بحاجة الى سلام أكثر من هذا ، هذا النوع من السلام الذي تريده.
عندما وقع السادات اتفاقية السلام مع اسرائيل في نهاية السبعينات من القرن الماضي اعتبرت اسرائيل وكل من يدعمها عالمياً أن هذه الاتفاقية بمثابة شهادة ميلاد جديدة لاسرائيل، تضاف الى شهادة الميلاد التي اقرتها الأمم المتحدة ، لأن اتفاقية السلام مع مصر اقوى وأهم دولة عربية لها معاني كثيرة بالنسبة لاسرائيل، وانهاء حالة الحرب بين مصر واسرائيل ، شجع الأخيرة على الانفراد لكل دولة عربية على حدة ، مع ذلك بقيت اسرائيل تؤمن بأن شهادة الميلاد الجديدة التي خرجت من القاهرة ينقصها توقيع المزيد من الدول العربية ، ومن الشعب الفلسطيني صاحب القضية ، وقد نالت اسرائيل هذا التوقيع ، وحققت حلمها ونالته من قبل منظمة التحرير في اوسلو ونالته أيضاً من الاردن في وادي عربة عام 1994 ، ولولا ظهور المقاومة في لبنان لحظيت اسرائيل بتوقيع السلطات اللبنانية ، لكن وجود المقاومة أغلق كل الأبواب التي فتحها عملاء اسرائيل في لبنان ، مثل بوابة فاطمة وغيرها .
وما عداء اسرائيل لسوريا لأن الأخيرة رفضت حتى الآن التوقيع على شهادة الميلاد التي صدرت من القاهرة ، أما العراق وهو احدى الدول العربية القوية فقد وقع على هذه الشهادة بطريقة غير مباشرة ، وقع عليها بعدد الاحتلال الامريكي لهذا البلد فالاحتلال صنع قيادة متخاذلة متواطئة سلخت العراق عن القضايا القومية العربية وابعدته عن فلسطين وقضيتها ، أنه غارق في صراعاته الطائفية والأثنية .
يمكن القول بأن اسرائيل حصلت على ما تريد من اتفاقها مع الاردن ، وسوف تحصل على أكثر من ذلك ، لقد حولت هذا البلد الى جسر للتطبيع مع اقطار عربية أخرى ، خاصة في الخليج ، لقد حولته الى جسر لتجارة الترانزيت التي تقوم بها مع العديد من الدول العربية عن طريق الاردن والضفة الغربية ، يتم تهريب بضائع اسرائيلية مختلفة الى العراق وايران ودول الخليج، اسرائيل حولت الاردن بفضل اتفاقية السلام الى قاعدة انطلاق للتجسس على الدول العربية وغير العربية المحيطة بالاردن ، تحت غطاء البحوث العلمية والتوراتية تتواجد اجهزة التجسس الاسرائيلية في كل مكان في الاردن ، هذا ما اعترفت به الصحف الاسرائيلية .
السلطات الاردنية فتحت ابوابها على مصراعيها تلبية لمطالب اسرائيل ، لكن منها يتم بصورة مكشوفة وعلنية ، ومنها يتم بصورة سرية ومكتومة .
عن طريق أحد هذه الأبواب سمح للعشرات من اليهود الربانيم خلال السنة الماضية الاقامة في الاردن لعدة أشهر لمرافقة عدد من المزارعين الاردنيين الذين كلفوا ببيع محصولهم لهؤلاء الربانيم تمشياً مع ما تأمر به التوراة بعدم تناول محصول السنة السابعة حسب التقويم العبري . هل يوجد تطبيع اعمق من هذا التطبيع

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة