القوى الغربية والانقلابات القططية – بقلم : د . عبد الوهاب القرش

دراسات ….
بقلم : د . عبد الوهاب القرش – مصر …
معلوم أن القط الجائع تدفعه غريزته إلى أن يدخل المطبخ يلتمس فيه طعامًا لكي يسد به جوعه . فإذا وجد القط أن الطعام يوجد في قصعة مغطاه بإحكام ، واستعصت على مخالبة أن تفتحها..يقوم القط بغريزتي الافتراس والجوع بدفع القصعة بقوته إلى حافة المنضدة ثم يصعد على أعلى طرف القصعة ، ويقوم بالضغط عليه بكل وزنه وقوته فتنقلب القصعة ، وتسقط على الأرض ، ويتناثر ما فيها من طعام ، ثم يبدأ القط الجائع بالتهام ما يشاء من لحم وطعام.
هذا ما فعلته القوى الغربية عندما تكالبوا على قصعة الخلافة الخلافة العثمانية وعملوا أول الأمر على دفعها إلى حافة السقوط والانهيار ومن ثم انكبوا على التهامها وتقسيمها فيما بينهم ، عرفت هذه الاتفاقية بـ” سايكس بيكو 1916م”(بريطانيا وفرنسا بمصادقة روسيا) ، ولتنفيذ ذلك المخطط الاستعماري قامت القوى الغربية بعدة إجراءات أهمها: إحياء النعرات القومية كالطورانية في تركيا، والفرعونية في مصر، والبابلية في العراق، والأشورية والفينيقية فِي الشام، والبربرية فِي شمال أفريقيا ..تشجيع ودعم جمعيات التنصير والاستشراق ليكيدوا للإسلام عن طريق إصلاح التعليم والطب وتقديم المعونات.. تشجيع الأحزاب الماسونية العلمانية مثل جمعية التحاد والترقي ونشرها في جميع أقاليم الخلافة.. الترويج لفكرة أن الخلافة العثمانية ما هي إلا احتلالاً تركيًا للبلدان العربية حتى ثار العرب على الخلافة “الثورة العربية”..
بعد كل هذه الضغوط تمكن الغرب من إسقاط الخلافة العثمانية وتناثرت أشلاءها.. وتكالبوا على قصعتها ، في البداية التهمت فرنسا سوريا ولبنان ومنطقة الموصل..أما بريطانيا فقد التهمت جنوب بلاد الشام والعراق والأردن، ووضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني.. ولما كان نصيب كل منهما يصعب إبتلاعه دفعة واحدة قاموا بتقسيم نصيبهم إلى قطع صغيرة حتى يسهل ابتلاعها وهضمها ، فقسم الشام إلى أربعة دول: سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، وقسمت ممتلكات الخلافة في إفريقيا إلى تسع دول هي :مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا والسودان والصومال وجيبوتي، وقسمت شبه الجزيرة العربية إلى: العراق والكويت والسعودية والأمارات وقطر وسلطنة عمان واليمن.وجميعها كان تحت الاستعمار الفرنسي والبريطاني احتلالاً أو انتدابًا وهو ضرب آخر من الاستعمار..
وبعد أن عزم الاستعمار الغربي على الخروج من مستعمراته لأنه فضل أن يستعمرها اقتصاديًا فقط ، وترك حكمها لحاكم من أقل طوائف الشعب عددًا ليسهل السيطرة عليه.. ففي سوريا جاءت القوى الاستعمارية بحاكم من العلويين وهم أقل طوائف الشعب السوري – المغلوب على أمره – عددًا ، وبالتالي يشعر الحاكم العلوي على الدوام بأن حكمه جاء عنوة ولم يكن بتأييد من شعبه لذلك لم يلتحم معهم، فيجد نفسه ضعيفًا أما شعبه، فيضطر إلى الاستعانة بالقوى الغربية بين الحين والآخر..وهذا ما نراه الآن بأم أعيننا في سوريا ..أما العراق فقد تبعثر تمامًا بين مناطق كردية وأخري شيعية و سنية..ناهيك عن لبنان فقد تبعثر هو الأخر – من قبل – فقد احتلت إسرائيل جنوبه” منطقة أمنية ” ثم قسم الباقي إلى مناطق نفوذ بين الشيعة “حزب الله” والمسيحيين والسنة والدروز.
معلوم أن القط لا يبالي إذا كان قلبه للقصعة يفسد طعام أهل الدار، لأن كل ما يهمه هو قطعة اللحم القابعة في قاع القصعة.. وكذلك القوى الغربية الاستعمارية لا تبالي بحال أهل البلد ، فقد قامت بريطانيا والقوى الغربية بتحطيم اقتصاد معظم الدول العربية – وبخاصة الدول ذات الشعوب الأكثر عددًا – بزرع قوى غربية ممثلة في إسرائيل في قلب الوطن العربي وأصبحت جزء من حدودها ، وعلى طول الوقت تشعر الحكومات المتعاقبة بخطورة الفزاعة الإسرائيلية ومن ثم قامت تلك الدول بتوجه النصيب الأكبر من ميزانيتها إلى المجهود الحربي على حساب مؤسساتها الأخرى ، فتدهور التعليم والصحة والزراعة والصناعة وهلم جرا.
إن القوى الغربية الاستعمارية تدرك تمامًا بأن قوة العرب تكمن في إسلامهم وعروبتهم ووحدتهم فلما كانت الخلافة قائمة بشكل عملي صعب على القوى الغربية المساس بأي طرف من أطرافها لأن الشعوب الإسلامية في أرجاء المعمورة تلتف حول خليفتها لأنه جزءًا من الدين وهو أهم ما في الأمر.. أما بعد أن قضي على الخلافة نهائيًا و تمزقت قطعًا ، وصاح فوق كل غصن ديك ، فأصبح من السهل على القوى الغربية الضغط على هذا الديك أو ذاك ، فإن لم يستجب لمطالبهم كسروا الغصن وحطموا به رأسه ..وحسبنا الله ونعم الوكيل.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة