النيل العاشق ومعشوقته مصر وعاصمتها – بقلم : دكتور ياسين العيوطي – اجرى اللقاء : احمد محارم

دراسات ….
بقلم: دكتور ياسين العيوطي : استاذ القانون – نيويورك
اجرى اللقاء : احمد محارم – نيويورك
تقع القاهرة على ضفاف النيل. يسكنها 9 في المائة من كل العرب (12 مليون نسمة). بُنيت بأمر القائد الفاطمي جوهر الفاطمي الذي عرف فيما بعد بـ ”جوهر الصقلي“. وكان العرب يملكون جزيرة صقلية. تم بناؤها في شهر يوليه سنة 969 ميلادية، بالقرب من معسكر الفسطاط. ومنذ أن دخلها العرب في القرن السابع الميلادي بقيادة عمر بن العاص، أصبحت مصر جوهرة الفتوح الإسلامية.
ذُكرت مصر في القرآن الكريم خمس مرات، أولها في سورة البقرة ”اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ“(61). وفي لوحة عريضة يراها كل من يهبط مطار القاهرة الدولي، يرى ”ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ“ (سورة يوسف آية 99).
منذ تاريخ الفراعنة، كانت مصر واحة أمان، حتى بعد نشوب الثورة على الأديان باسم الجماعات الإرهابية، مختلطة بالثورة على الوسطية باسم المتطرفين المستمدين وحيهم من جماعة ”الإخوان المسلمون“. وللقاهرة أسماء عدة منها ”القاهرة المعزية“ نسبة إلى المعز لدين الله الفاطمي، حسبما ذكرنا آنفا. بل إن في ظهر مقر مشيخة الأزهر بحي الدرَّاسة اسم ”القاهرة الفاطمية“ حيث يعيش أتباع المذهب الشيعي (الاثنا عشري) وهو مذهب يعتبر خامس المذاهب التي يُدرِّسها الأزهر. والأربعة الأولى منها: الشافعي والمالكي والحنبلي والحنفي. وفكرة المذاهب ترجع إلى قبول الإسلام لكل الأديان والمذاهب.
وكان طبيعيا أن يحرر ميثاق جامعة الدول العربية بالإسكندرية عام 1944، ثم يستقر المقر الدائم للجامعة بالقاهرة، ويتولى منصب الأمين العام مواطن مصري، باستثناء فترة قصيرة، يمكن أن أسميها نوبة الغضب العربي الصبياني على مصر نتيجة لتوقيع مصر معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1979. قادت تلك النوبة منظمة التحرير الفلسطينية. وكعادة تلك المنظمة كانت نوبة عبثية تعتمد على الرموز الفارغة لا على العمل التحريري الفعال.
عودا إلى القاهرة وجامعاتها: عدا جامعة الأزهر، وكلياتها العديدة، توجد جامعة القاهرة التي كانت تسمى جامعة إبراهيم باشا (نسبة إلى القائد إبراهيم ابن محمد علي الكبير وفاتح الشام). وقد سميت فيما بعد بجامعة فؤاد الأول، قبل تسميتها جامعة القاهرة. ومن أهم مباني تلك الجامعة العريقة مبنى كلية الآداب ومبنى كلية الحقوق وكذلك مبنى القبة الجامعية. وكلها مبان أهدتها أميرات الأسرة المالكة إلى الجامعة.
ومع الإشارة إلى تلك المباني التاريخية، نضيف إلى ذلك المباني الأثرية ومنها جامع أحمد بن طولون، وقلعة محمد علي، وجامع السلطان حسن، وباب زويلة، وجامع المؤيد، وجامع قلاوون، وباب النصر، وأخيرا وليس آخرا الكاتدرائية المرقسية بالعباسية. وكذلك يجدر بالذكر المتحف المصري والمتحف العربي (الإسلامي) والمتحف القبطي.
وقد عُنيت الكتب التي تتحدث عن مصر كحضارة وثقافة عريقتين بالتنويه بمعالم أخرى بالقاهرة، وأولها أهرامات الجيزة، وحدائق الأزبكية، والكنيسة المعلقة بالقاهرة القديمة (مصر القديمة)، وميدان الخازندار وميدان العتبة الخضرة الذي يربط بين القاهرة الحديثة والقاهرة القديمة. وفي أواخر القرن التاسع عشر، اهتمت الحكومة المصرية بإنشاء دار الكتب (الكتبخانة) في ميدان باب الخلق في عام 1904.
كان مقر الحكم في مصر لفترة طويلة في قلعة صلاح الدين، قبل نقله في عام 1874 إلى قصر عابدين. وهو قصر يتميز بالقاعة البيزنطية وقاعة العرش، وصالون قناة السويس. ويتجلى الفن العربي في تزيين قاعة العرش ذات النقوش الدقيقة والألوان المختلفة. ومن أجل حراسة قصر عابدين، أقام الخديوي توفيق ثكنات عابدين التي كانت تُسمى بـ ”القشلاق التوفيقي“.
ومنذ عام 1957، أصبح القصر مقرا لمحافظة القاهرة.
وبالحديث عن الفنادق الهامة في مصر، لا بد من تقديم فندق شبرد على غيره، إذ أقيم عام 1851 في منطقة حدائق الأزبكية. وكانت تلك الحدائق مقرا لقوات نابليون الذي غزا مصر عام 1798 لقطع خطوط مواصلات بريطانيا إلى الهند. ومن أهم التماثيل التي أقيمت بأيد مصرية تمثال نهضة مصر، من صنع الفنان محمود مختار الذي كان يتعلم فن النحت في باريس عام 1919 أيام الثورة الوطنية ضد بريطانيا بقيادة الزعيم سعد زغلول. وكان التمثال الأصلي نصف حجم التمثال الحالي.
منذ أقدم العصور إلى أحدثها، خلد مصر أبناؤها: من بناة الأهرام إلى بناة مجد مصر الحديثة. من خوفو، الجد الأعظم، إلى مختار الحفيد المتميز. وكلاهما شرب من مياه النيل. هذا النيل الذي راع منظره شاعر أندلسي جاء شرقا وشاهده فانبثقت هذه الأبيات من فمه ويده كما تنبثق موجات النيل الهادئة لكي تبعث الأرض المصرية من جديد. حيث قال:
ما أعجب النيل، ما أحلى شمائله
في ضفتيه من الأشجار أرواح
من جنة الخلد، فيـــاض على تـــــرع
تهب فيها هبــــوب الريح أرواح
ليست زيادتـــــه مـــاءً كمـــــا زعمــــــــوا
وإنمــــــــــــــــا هـــــــــــــــــــي أرزاق وأرواح
ومنذ قرون، سبق ذلك الأندلسي الملهم، أبو التاريخ، هيرودوتس اليوناني، حينما سجل للأزل وصفه الخالد: ”مصر هبة النيل“. وما أروعها من هبة، إذ هي هبة ذات عطاء دافق، تدفق نيلها الذي يخترق القاهرة اختراق سهم العاشق كيوبيد قلب معشوقته ذات الدلال الدائم.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة