سياسات ترامب وإنفصام أمريكا – بقلم : د. محمد مسلم الحسيني

دراسات ….
د. محمد مسلم الحسيني – بروكسل …
ينفصم العقد حينما يتقطع وينحل وتنفصم شخصيّة الإنسان حينما يتشوش عقله ويفقد توازنه وتواصله بواقعه حيث يدخل حالة الوهم، وتنفصم المجتمعات حينما تنقسم على نفسها وتسقط في ضالة الإستقطاب والتمحور على أطراف الخير أوالشر والصح أوالخطأ. يحصل الإنفصام بشكل عام تحت تأثير حوافز ومسببات داخليه وخارجيه تتباين في شدتها وميكانيكية تأثيراتها. أهم أسباب إنفصام المجتمع وتحلله وتمحوره وإضطرابه هو إنحراف قادته وأولياء الأمر فيه.
منذ تولى الرئيس الأمريكي ” دونالد ترامب” زمام الحكم والمسؤوليه في الساحة السياسيه الأمريكيّه، بل ومنذ حملته الإنتخابيه التي سبقت ذلك، أظهر هذا الرجل، ومن خلال خطاباته المثيره للجدل وشعارات المغالاة والتعصب التي أطلقها، طبيعة سياساته وإراداته وأفكاره التي بنيت على أسس العنجهيه السياسيه والعنصريه والأنانيه المرضيّه وجنون العظمه وقلب الحقائق ونقض المواثيق والأعراف. هذه السيره ورغم إستقطابها للكثير من الشرائح الأمريكيّه غير أنها حفزت حالة الرفض والإستنكار والتذمر عند الغالبيه. المبالغه في جوهر التصرف الذي إنتهجه “ترامب” شجع على خلق حاله من الإستقطاب والتمحور في آراء الأمريكيين مما خلق هوّه تتسع يوما بعد يوم بين أنصار الحزبين الرئيسيين في أمريكا وهما الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري. هذا التمحور إتسم ببث حالة عدم الثقه بين الحزبين ونشر بذور الكراهيه والحقد!
خلال دراسه بحثيّه قام بها حديثا المركز غير الحزبي للإستطلاع الإنتخابي الأمريكي المسمّى بمركز ” بيو” للدراسات والأبحاث، أظهرت نتائجه المستقاة من آراء (9895) ناخب أمريكي بأن أكثر من نصف الجمهوريين يعتقدون بأن الديمقراطيين عديمو الأخلاق وأقل من نصف الديمقراطيين بقليل يعتقدون بأن الجمهوريين عديمو الأخلاق! بينما يعتقد أكثر من 60 بالمئه من الجمهوريين بأن الديمقراطيين غير وطنيين، في حين يرى ثلاثة أرباع الديمقراطيين بأن الجمهوريين متعصبون ومنغلقون على أنفسهم. كما بينت هذه الدراسه بأن غالبية الأمريكيين يشعرون بأن الفوارق بين الحزبين صارت واسعه وكبيره الى الحد الذي جعل أكثر من 80 بالمئه من الأمريكيين يشعرون بأن الأمر أصبح مدعاة للقلق وأن الخلافات صارت شعارت تفرقه ناريه قد تخرج عن نطاق السيطره بين الحزبين! هذا القلق لا يدعو لتخفيف التوتر بين الطرفين بل أن كل طرف ينظر بعين الغضب والإشمئزاز لسلبيات الطرف الآخر وإن كان الديمقراطيون أقل تعصبّا في هذه النظره من الجمهوريين.
قبل مجيء “ترامب” للحكم لم يكن التمحور بهذه الصوره ولم يكن الإشمئزاز والتذمر بين الحزبين قد وصل الى حالة الكره العميق والإتهام بخرق الوطنيه، إنما يلتزم كل حزب بآرائه ورؤاه دون أن يطعن برؤى وسيرة الحزب الآخرأويتهمه بالضلالة والخيانه. الديمقراطيون إعتمدوا على ركيزة التنوع العرقي وعدم الإكتراث بالتقاليد الدينيه والأعراف الجنسيه التقليديه وإنتهجوا سياسة التساهل مع المهاجرين وحازوا على إستقطاب الناخبين من سكان المناطق الحضريه والساحليه في أمريكا. بينما كان توجه الجمهوريين على عكس ذلك، فهم من العرق الريفي الأبيض المحافظ الذي يخشى هجرة الأجانب ويخاف النخب الحضريه. وهكذا ورغم إختلافات الرؤى بين الحزبين فأن ثلثي الأمريكيين لا يرون وجود لفوارق حقيقيه واسعه بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري في العقود السابقه على عكس حال هذا اليوم.
أهم الأسباب التي حركت روح الإنفصام في المجتمع الأمريكي هي سياسات ترامب المتطرفه والغريبه في شؤون عديده وأهمها: النهج الدكتاتوري المتمثل بسياسات التمسك بالسلطه وخرق الدستور والقوانين والأعراف ومحاولة سحق الرأي الآخر. أشارت أفعال “ترامب” ومنذ تسلمه الحكم، الى تحوّل خطير في السياسه الأمريكيه المعتمده وذلك حينما عادى وتجاهل أسس الدوله العميقه المتمثله بالسلطه القضائيه ومراكز الأمن كالـ ( أف بي آي) و (سي آي أيه) وقادة الجيش والإعلام وغيرها. تخليه عن الحلفاء والأصدقاء الكلاسيكيين من الأوربيين وغيرهم وتقربه ممن كانوا يعتبرون أعداءا تأريخيين لأمريكا أمثال روسيا ورئيسها “فلاديمير بوتين” وكوريا الشماليه ورئيسها “كم جونغ أون”. سياساته في البحث عن مصادر التسقيط لغرمائه السياسيين الأساسيين وخصوصا تلك التي بحث ويبحث عنها في دول خارجيّه كروسيا وأوكرانيا والتي تعتبر سابقه ليس لها مثيل من قبل!. ميوله العنصريه وتصريحاته بين الحين والحين بهذا الشأن وأفعاله اللاإنسانيه ضد المهاجرين. محاولاته المحمومه في إلغاء قوانين شرعت من قبل في الرعايه الصحيّه وسبل معالجة متطلبات المناخ. سياساته المخالفه لتطلعات العالم في التجاره الحره من جهة وإخلاله بالمعاهدات العالميه والمواثيق الدوليه من جهة أخرى. كل هذه الأمور وغيرها لم تغضب الشريحه الكبرى من المجتمع الأمريكي وحده فحسب إنما أغضبت الحلفاء والأصدقاء في الخارج قبل الأعداء والمنافسين. رغم كل هذه السياسات غير المألوفه والأخطاء الستراتيجيه والفضائح التي إرتكبها ويرتكبها دونالد ترامب، بقيت قاعدته الصلبه في المجتمع الأمريكي والمتمثله بالبيض المحافظين والمسيحيين الأنجيليين متماسكه ومخلصه له! وهذا ما حفز حالة الإستقطاب والتمحور والإنفصام في كيان الهرم الأمريكي.
في بدايات أيام حكم “ترامب” حذر السناتور الجمهوري الأمريكي الراحل “جون ماكين” من خلال وصيّته التي كتبها للأمريكيين قبل وفاته، قال فيها بأنّ : ” على الأمريكيين ألآ يتخندقوا خلف الأسوار ولا يستسلموا للقبليه السياسيّه”، حيث كان القصد مفهوما من وصيّته التي يعني فيها مخاطر الإنزلاق صوب الإنقسام بسبب السياسات المتطرفه التي إنتهجها “ترامب” منذ بداية عهده. وهكذا فقد حصل ما كان يخشاه، حيث إتجه الجمهوريون صوب اليمين المتطرف وأغمضوا أعينهم وسدوّا آذانهم عن مقالب “ترامب” وخطاياه وبقوا يناصروه ظالما ومظلوما. هذا الموقف العنيد من الجمهوريين دفع بعض الديمقراطيين، وكردة فعل معاكسه، صوب أقصى اليسار!. هذا الإستقطاب والتمحور الواضح بين الحزبين بدأ يقوّض مبدأ ومنهج الحزبين المتبع عبر مسيرة التأريخ الأمريكي وقوّض أسس وحدة الشعب المألوفه وخلق إنشقاقا مجتمعيّا يتزايد حجمه مع الزمن!
أهم علامات الإنفصام في المجتمع الأمريكي المتماسك هو إنقسام الرأي بصلاحيّة “دونالد ترامب” في حكم البلاد، حيث لم يستطع بعد فوزه بزمام الحكم أن يوحد شعبه خلفه فبقى رئيسا لمناصريه دون الآخرين! فوزه في إنتخابات عام 2016م كان مفاجأة للجميع حيث أن السواد الأعظم من إستقراءات الرأي كانت تشير الى فوز غريمته بالإنتخابات “هيليري كلنتون”! . حينما تبينت تفاصيل التدخل الروسي في روح الإنتخابات، بدت خيبة الأمل عند الديمقراطيين واضحة جليّه حيث يرون بأن السلطه قد سحبت من تحت أقدامهم وأن الرئيس “ترامب” يعد رئيسا غير شرعيّا!. الملاحقات القضائيه التي أجراها المحقق الخاص “روبرت مولر” وما تمخض عنها، إضافة الى قضايا التحقيق الأخرى التي لاحقت وتلاحق “ترامب” في شؤون مخالفات دستوريه وقانونيه وسياسيه وأخلاقيه مستمره وخصوصا فضيحته الأخيره مع أوكرانيا في البحث عن خطايا لغريمه الديمقراطي الأبرز في إنتخابات عام 2020م ” جون بايدن”، خلقت جوا متشنجا بين أنصار هذا الرئيس ومناهضيه وصلت حد التصادم. الدفاع المستميت لأنصار “ترامب” عنه والرفض القاطع لمناهضيه له بسبب تخطيه للحدود الحمراء في السياسه الأمريكيّه وتقاليدها، خلق جوا متشنجا بين الطرفين حد التحدي مما يوحي بأخطار لا يعرف مداها !
التطرف في أفكار المجتمع يصنعه في الغالب أو على الأقل يحفزه قادة ذلك المجتمع وأولياء أمره، وذلك بالضرب على أوتار حساسه تمس المشاعر والأحاسيس سواء كانت عنصريه الطابع أو عرقيه أو دينيه أو طائفيه أو إقتصاديه أوغيرها. إنقسام المجتمعات وتفككها ظاهره ليست جديده في التأريخ حيث لعب الساسه في داخل المجتمع كما لعبت جهات خارجيه سواء كانت قوى أو حركات أو دول أدوارا هامه في صنع حالة التفكك والإنقسام في المجتمعات. لعبت أمريكا دورا كبيرا في تمزيق الشعوب وتفكيكها من خلال تغذية وتحفيز وإثارة النعرات والتباينات الإجتماعيه والسياسيه في كثير من دول العالم خدمة لمصالحها وإراداتها السياسيّه والإقتصاديّه. أمريكا هي من تعاني اليوم من هاجس الإنقسام والإنفصام بسبب قائد متعصب متطرف ساعدته تدخلات أطراف خارجيه للوصول الى سدة الحكم، فهل يدور التأريخ حول نفسه! أم أن السحر قد ينقلب على الساحر؟ وهل مدنيّة أمريكا وعظمتها في طريق الإنهيار أم أن حكماء السيّاسه الأمريكيّه سيتصدون ويصححون المسار في نهاية المطاف!؟ هذا ما سنشهده في قابل الأيام ……!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة