غزة في حاجة إلى إحياء هذه النخوة – بقلم : د. عبد الوهاب القرش

فلسطين …..
بقلم : د. عبد الوهاب القرش – مصر …
النخوة والإباء، والعاطفة الجامحة، والحمية المشتعلة، والغيرة الدافقة، وأمثالها من الصفات المتقاربة التي كانت من ميراث العرب، كالصفات الأخرى الكثيرة، مثل الشجاعة والمروءة والفخر والرجولة، وقري الضيف وما إليها؛ وكانت كلما ذكرت تبادر الذهن عفوا العرب كأنه كانت لا توجد إلا فيهم.. ولعل هذا – والله أعلم حيث يضع رسـالته – هو الذي أهّل العـرب لأن تظهر بينهم النبوة، وليكونوا هم حَمَلتها، والناشرين لأنوارها، والحاملين لهمومها وأعبائها .. كانوا يملكون جملة أخلاق رجولية باهرة ميّزتهم عن غيرهم.
إن حياة العرب – كما جاء في كتب السيرة النبوية – زاخرة بمواقف النخوة والإباء والحمية ، ولم يعرف التاريخ أشد احتفاظا بالخصائص والعادات والتقاليد من العرب، ومن المواقف المستطرفة المعروفة في هذا الباب عندما اهتز ضمير هشام بن عمرو ابن ربيعة العامري من مشركي قريش مَلَك رجولة نادرة، تقصر عن دَركها الدعاوي والتشدقات، عندما أنكر مقاطعته لبني هاشم وحصارهم في الشعب وكان من قبل قد تورط في التعاقد عليه منفعلا بعاطفة الجماعة وغريزة القطيع. وقد دأب طول مدة الحصار، على أن يصلهم. فكان يأتي ليلاً بالبعير قد أوقره طعامًا أو ثيابًا، حتى إذا بلغ به مدخل الشعب خلع خطامه من رأسه وضربه على جنبه، فيدخل البعير الشعب على من فيه، بما يحمل.
فلما طال عليهم جهد الحصار، أجمع هشام بن عمرو وزهير بن أمية ومعه أربعة من قريش هم والمطعم بن عدي وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود، فشقوا صحيفة هذه المقاطعة وأعلنوا نقضها، فلما أصبحوا وغدت قريش إلى أنديتها، غدا (زهير) عليه حلة، فطاف بالبيت العتيق سبعا ثم أقبل على الناس فقال:” يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباع لهم ولا يبتاع منهم ؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة”.
صاح أبو جهل بن هشام، وكان في ناحية من البيت الحرام:” كذبت، والله لا تشق “.
فرد عليه زمعة بن الأسود:” أنت والله أكذب، ما رضينا كتابها حيث كتبت !” وثنى أبوالبختري:”صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقره “.
وأيدهما مطعم بن عدى:” صدقتما، وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها “.
وتكلم هشام بن عمرو، فقال نحو ما قالوا.
وبهت أبو جهل، والأصوات تأتيه من كل ناحية بالتكذيب والرفض، فنقل بصره حائرٍا بين هؤلاء الرجال الخمسة، ثم لم يجد في أخذة المباغتة بموقفهم سوى أن يقول:” هذا أمر قضي فيه بليل، تشوور فيه بغير هذا المكان “.
لم يلقوا إليه بالاً، وقام المطعم على مرأى من الجمع، وأبو طالب هناك قد انتحى ناحية من المسجد – فانتزع الصحيفة من مكانها في جوف الكعبة ليشقها، فإذا بالأرضة قد أكلتها وأتلفتها، لم تدع منها إلا كلمة: (باسمك اللهم) !.
وحينئذٍ خرج بنو هاشم وبنو المطلب من هذا السجن الضيق المميت إلى معترك الحياة، ضاربين في الإخلاص لمحمد – صلى الله عليه وسلم- أروع الأمثال، محتملين من التضحية ما ينوء بالأبطال.
قارنوا هذه النخوة – الذي كان يفعله أهل الجاهلية مع شدة العداوة للمسلمين – بحال الأنظمة العربية المستبدة، التي يقود زمامها الطغاة الفاسدون الحاكمون!..
قارنوا نخوة الجاهلية بالحصار ” الشرعي الدولي” ضد غزة حتى يموت أطفالها جوعاً وجفافاً، وافتقاداً لجرعة ” أنتي بيوتك “..
قارنوا نحوة الجاهلية بنخوة رجال الجيوش البواسل أصحـاب المروءة ” الفظيعة ” الذين يذبحون النساء والأطفال في بلاد المسلمين، ويروعّون الأبرياء هنا وهناك دون أن تحرك ساكنًا لاستخلاص المقدسات ، ولإنقاذ المظلومين والمضطهدين والضحايا والمحاصرين في غزة!..
قارنوا نخوة الجاهلية بنخوة سماسرة الكلام ، وتجار الفكر ، وأصحاب المصالح من رؤساء الأحزاب السياسية الفاسدة ، دون أن يوجهوا خطابًا واحدًا صريحًا لاستنهاض حكوماتهم في فك الحصار عن غزة!..
قارنوا نخوة الجاهلية بنخوة خدَّام الأنظمة، وأحذية الحكام، الذين أطاعوا سادتهم وكبراءهم؛ فأضلوهم السبيل، وقادوهم إلى دركات الجحيم!!..
قارنوا نخوة الجاهلية بنخوة طلاب الكراسي، وعبَّاد الوظائف، والوصوليين، والمتسلِّقين عبر الوسائط، والرشاوى، والكذب، والخداع، والتملُّق، وشهادات الزور.
قارنو نحوة الجاهلية بنخوة قباقيب الغرب الذين ينافحون عن حامض الفكر، ونفايات الثقافة، والتقاليد الشاذة، ويحتفلون بنابليون، وكرومر، وغيرهم من جبابرة الإستعمار. وترى كل هؤلاء –مع الأسف- يدينون المقاومة، ويسلقونها بألسنتهم المسمومة ، و لم يرفع واحد منهم عقيرته، وهو يسمع صرخات أطفال ونساء غزة تدوِّي!!..
قارنوا نخوة الجاهلية بنخوة أصحاب التدين المغشوش الذين يقاتلون من أجل الحفاظ على صلاة التراويح، ويحرصون على أداء العمرة عشرات المرات، ويبخلون على دعم غزة بهذه الأموال..
قارنوا نخوة الجاهلية بنخوة أصحاب المليارات المودعة في البنوك الغربية ولم وتخرج زكاتها لمستشفيات غزة التي تعاني مستشفيات من غياب الدواء، ونقص الأجهزة والمعدات الطبية، وأكفان الموتى!!..
قارنوا نخوة الجاهلية بنخوة بنخوة كتَّاب الأنظمة، واليد اليمنى من الطغيان، وحلفاء الاستبداد، وشراح التقارير الأمنية ومروِجيها، والأبواق الإعلامية، ومقدمي البرامج، ومعديها، وضيوفها، وزبائنها، ومستمعيها، ومصدقيها..
قارنوا نخوة الجاهلية بنخوة الذين يعتبرون النذالة ” تمشية حال ” واضطهـاد الضعفاء قوة وجسارة..
قارنوا نخوة الجاهلية بنخوة وأخلاق تجار الأغذية الفاسدة، والأدوية الفاسدة، والأخلاق الفاسدة، رغم استظلالنا – بحمد الله على كل حال- بمظلة الشرعـية الدولية، والأمم المنتفخة ، والنظـام العالمي الجديد ، و منظمات حقوق الإنسان والحيوان..
يا أمة العرب غزة قطعة منكم ..يا أمة العرب غزة في أمس الحاجة إلى إحياء هذه النخوة لا مجال للتردد في كسر الحصار بأي طريق يتيسَّر لتوصيل الاحتياجات اللازمة إلى أهلكم في غزة ؛ يا أمة العرب انفضوا أيديكم من حبل غسيلكم وتمسكوا بحبل الله المتين واعلموا بأنه:
متى تَجْمَعِ القَلبَ الذكيَّ وصارِماً… وأَنفاً حَميّاً تَجْتَنبكَ المظالمُ
أخـيـراً؛ عذراً يا شرفاء غزة! نفسي وأهلي فداكم..يا أهل غزة يا من تعتصمون بحبل الله جميعًا؛ اصمدوا والله يؤيدكم .. يا أهل غزة استعيذوا بالله من الأدعياء والمنافقين؛ المزورين لتاريخكم ، المزيفين لواقعكم ، المراهنين على حصاركم ، و الممتصين لدماءكم ، و الراقصين على جماجم أطفالكم ونساءكم وشيوخكم وعترة شبابكم ، استعيذوا بالله من كل المتاجرين بالأوهام والشعارات!.. يا أهل غزة اصبروا وصابروا ورابطوا فأنتم على حقٌّ وجميعُ الناسِ أباطيل! أنتم روح القرآن وإنجيل الإنجيل! أنتم فاتحة القرآن، وأنتم خاتمة الأحزان!!..وحسبنا وحسبكم الله ونعم الوكيل..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة