الأسير المجهول ومِقص الرقيب..( سر حسن اللبدي ) ” بقلم : بكر السباتين

فلسطين …..
أغرب من الخيال بقلم : : بكر السباتين – الاردن …
ترى ما السر الذي يقف وراء مباغتة الصحفيين القادمين من أنحاء العالم لبيت ذلك الإنسان البسيط، غازي اللبدي في عمان!
كانت الأسئلة تطرق الرؤوس فيما صاحب الدار يستنطق والده المنسي الذي يأبى الخروج من الهامس ليبذر حكايته في قلب مركز الصراع مع العدو الصهيوني! ولكن دون جدوى، فما هي الحكاية! أين يكمن اللغز العجيب! وماذا فعل مقص الرقيب الصهيوني بتفاصيل حكاية الأسير الشيخ حسن اللبدي، حين نفاه قسرياً من الوطن دون ذاكرة، فضاعت بعض مجاهيل وأسرار منطقة الانتداب البريطاني الذي هيأ لقيام الكيان الإسرائيلي عام ثمانية وأربعين على أنقاض فلسطين التي هُجِّرَ شعبُها إلى المنافي، وغرقت ذاكرة أقدم أسير في العالم إلى طلاسم وتعاويذ للأساطير المبهمة.
أكثر من اثنين وأربعين عاماً لم تسمع أذنيه صوتاً ولم ترى شارعاً أو بيتاً أو أهلاً.
لم يعرف الشيخ حسن أي شيء عن اغتصاب فلسطين من قبل الصهاينة وأحداث النكبة. في عام 1948 انقطعت أخباره رغم كل محاولات العائلة للتعرف على مصيره وتقديم عدة طلبات للصليب الأحمر الدولي دون جواب حيث كانت سلطات الاحتلال تنكر وجوده لديها. وتبين فيما بعد أنه تم نقله الى ملجأ للعجزة في منطقة (دير برديس) قرب الخضيرة بين مدينتي حيفا ويافا المحتلتين. وتم نقله إلى مشفى للأمراض العقلية في قرية دير ياسين قبل اقتراف الصهاينة جريمتهم البشعة بحقها. تخيلوا معي هذا المشهد لأسير مسلوب الحجا والكرامة، وأيادي رجال الأمن تتقاذفه كجرو ممعوط الشعر، دون أن يستطيع معرفة إحداثيات كيانه ووجوده في عهد غشى فيه الاستعمار على الربيع فحوله إلى يباس ثم أضرم به النيران، حيث كان يتم نقل هذا الأسير المغبون بدون أية وثائق شخصية أو ملف طبي.. وبقي كذلك إلى أن وافقت سلطات الاحتلال على تسليمه لذويه وعلى مسؤوليتهم في شهر كانون الثاني 1983، وعلى أن يغادر الى الخارج، أي تجول إلى لاجئ وبدون أيه وثائق شخصية.. حدث ذلك بعد أن أيقنت سلطات الإجرام بأن الرجل أصبح عليلاً منهك القوى.. مسلوب الذاكرة والحجا.. أخرجوه من العتمة إلى ظلام الواقع حيث لم يتعرف على أحد من المحتفيين به فبدا بينهم كالأبله الذي ينتظر الفناء. وكان هذا الكائن البشري الغريب المهمل عند خروجه فاقداً للذاكرة حتى أنه نسي قريته كفر اللبد ولم يتمكن من التعرف على المسجد الأقصى، حتى أنه أنكر وجود ابنه الوحيد غازي المقيم لاجئاً في عمان حيث نقل للعيش في كنفه.
لم ينسى أقارب الضحية ورفاق طفولته الشيخ حسن اللبدي نوارة القرية، حيث نمت قصة اعتقاله في ذاكرتهم ثم انقطعوا عن نهايتها والكل منشغل بالبحث عنه فلا جدوى.. وتوافد الكثير من مراسلي الصحف والتلفزيونات إلى المنزل لإجراء مقابلات معه دون أن ينبس ببنت شفة.. حتى أنه لم يتفاعل مع ابنه وأحفاده لمدة ثلاثة أشهر، كأنه أخرج من عزلة السجن إلى عزلة الواقع المرير حتى وافته المنية دون أن تنطق عيونه سوى بدموع انسابت بعدما انفتح اللاوعي عنده على صناديق الذاكرة المغلقة. هذا ليس خيالاً وإنما حالة تضيء ما طوته الأيام من عذابات الشعب الفلسطيني في ظل الانتداب البريطاني الذي منح العصابات الصهيونية وعد بلفور المشؤوم. فمن هو هذا الأسير الذي قضى في زنزانة منفردة اثنين وأربعين عاماً كأنه دفن حياً فاعتبر عند أهله كذلك! فهل هذا الكائن الحي تسبب بثقب الأوزون حتى يحدث له ذلك! هل هو من تسبب بنشوب الحرب العالمية الثانية فاسترعى تأديبه! أم هو من ذبح الشعب الفلسطيني في الدوايمة ودير ياسين ويافا وحيفا واللد والرملة وغيرها من القرى المنسية على يد العصابات الصهيونية! فما هو السر من وراء اعتقاله! القصة أغرب من الخيال لكنها أصدق أنباءً من الكتب التي زورت التاريخ ومكنت العدو الصهيوني من احتلال فلسطين.
ولد الشيخ حسن عام 1907في قرية كفر اللبد، محافظة طولكرم. وشاءت الأقدار أن يتزوج، فيكون له ابن وابنة، حيث توفيت طفلته بعد سنة من اعتقاله ثم أعقب ذلك وفاة زوجته، فيما بقي ابنه غازي وحيداً مع صورة والده الذي اختطفته متاهات المجهول إلى منافي الوجع والصقيع.. فأحدثت لديه غصة حتى وهو ينتقل للعيش يتيماً في كنف عائلة عمه عبد الله في عمان.
تخرج الشيخ حسن من كلية العلوم بنابلس وعمل مدرساً للعلوم واللغات وإماماً متنقلاً بين العديد من قرى وبلدات فلسطين وشرقي الأردن، حيث عمل إماماً لمسجد أبو ديس قريباً من المسجد الأقصى، ثم انضم الى الثوار وكان من المرابطين في المسجد الأقصى عندما اقتحم ضابطان وعدد من الجنود الإنجليز الحرم الشريف بحثاً عن الثوار فلم يتحمل الشيخ منظر استباحة الحرم الشريف، واستعد لمواجهة غطرسة المحتل.. فهل يصمت إزاء تلويث حرمة ثالث الحرمين الشريفين من قبل ثلة من المجرمين! “بلى والله”.. يتذكر الشيخ روحه المحلقة في سماء المسجد المكتظ بالمصلين وهو يحثهم على الجهاد.. كان يذكرهم بصلاح الدين الأيوبي حيث كان يقف على منبره الخشبي خطيباً بصوت كأنه الرعد الذي يسبق المطر:
” صاحب هذا المنبر هو من حرر القدس من دنس الغزاة، وقد أنيطت بكم ذات المهمة يا عباد الله” وها هو قد صار في مواجهة العدو المحتل.. حين أصر أحد الضباط الإنجليز على الدخول من الباب الذي كان يحميه الشيخ حسن مع بقية المرابطين فاستل خنجراً وطعن الضابط الانجليزي في مقتل.. أثناء ذلك كان يصرخ بهستيريا كأنه قادم من حمم الغضب التي يزمجر بها جبل النار في نابلس، فاعتقله الجنود الانجليز بصعوبة، وحكم عليه بالإعدام وأودع سجن عكا.. وبسبب حركة الإحتجاج الواسعة ضد الحكم الإنجليزي الجائر، وكونه رجل دين تدخل لأجله مفتي القدس والمرجعيات الدينية، تم استبدال حكم الاعدام بالسجن المؤبد.. وكأنه قضاءُ من سُجِنَ حياً في قبره. وأي سجن هذا الذي سجن فيه الشيخ حسن اثنين وأربعين عاماً قضى أغلبها في زنزانة منفردة خارج حدود الزمن والتاريخ لا يسمع ولا يكلم غير سجانيه، في غياهب النسيان لا يسمع أخباراً ولا يعرف شيئاً عمّا يجري خارج زنزانته المنفردة الرطبة العتيقة في سجن مرت عليه السنون وحولته إلى متحف للزائرين.. تحول إلى رقم منسيٍّ في زمن الرياء، كأنه يعيش بيننا في قصة فنتازية أقرب إلى الأساطير.
وطبعاً كانت الخاتمة في بيت ابنه غازي حيث استلمه بذاكرة مسلوبة فلم يقوى على العيش طويلاً لتغادر روحه إلى باريها وهي بين يدي ابنه الوحيد.. حيث بكاه أهله وخلانه بعد أن أحيى في قلوبهم وعقولهم تفاصيل ما غاب عن نكبة فلسطين.
وتجدر الإشارة إلى أنه لم يتم تناول هذه الفترة العصيبة من حياة الأسرى الفلسطينيين والعرب على مستوى التاريخ، ولم يتم تدوين الكثير من المآسي التي حصلت للأسرى في تلك المرحلة.
وعلى ضوء هذه القصة العجيبة لا بد من فتح ملف الجرائم التي ارتكبت من قبل قوات الاحتلال البريطاني لفلسطين حيث تناست وظيفتها كدولة انتداب الى دولة مستعمرة ولا زالت هناك عشرات آلاف القصص بما فيها المفقودين والمعدمين والمهجرين من بيوتهم واستجلاب أناس غريبين عن الأرض ليحلوا محل سكانها الأصليين في أبشع حالة استعمار استيطاني في التاريخ’ فالإنجليز هم أصحاب وعد بلفور ومارسوا الاستعمار في أسوأ أشكاله وسهلوا تهجير أهل فلسطين لا بل شاركوا الحركة الصهيونية به وسلموا فلسطين للصهاينة. وفي سياق متصل تفتح هذه القصة ملف المعتقلين المجهولين القابعين في زنازين انفرادية في سجون الاحتلال الإسرائيلي لتقدم هذه القصة كشاهد لمقاضاة الكيان الصهيوني بسبب خرقه القوانين الدولية والإنسانية ومعاهدة جنيف الرابعة بالاحتجاز والعزل والتعذيب والاضطهاد لآلاف الفلسطينيين. وارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وجرائم تطهير عرقي ضد المدنيين الفلسطينيين قبل وبعد حرب التطهير العرقي عام 1948 ‘ بما فيها جريمة الحرب التي ارتكبت بحق الشيخ حسن.
هذه القصة يجب أن يعرفها كل فلسطيني.. إنها قصة تختصر معاناة الفلسطينيين.. وهي جزء هام من تاريخ القضية الفلسطينية لا يجب إهماله، لا بل تختصر الظلم التاريخي الذي تعرض له الفلسطينيون من قبل دولة الانتداب البريطاني (الاحتلال) ومن الحركة الصهيونية وعصاباتها المجرمة.
وتكريماً للفقيد الكبير فقد تم تأسيس مؤسسة الشيخ حسن اللبدي للثقافة والعلوم في فلسطين المحتلة مهمتها تسليط الضوء على مرحلة مهمة من تاريخ الشعب الفلسطيني تحمل اسمه.. عساها توثق لهذه الحالات المنسية، لفتح ملفات الاسرى الفلسطينيين والعرب خلال الاحتلال البريطاني لفلسطين (الانتداب) وحرب التطهير العرقية الصهيونية عام 1948.. وما تلا كل ذلك من مذابح في مدن وقرى فلسطين إبان احتلالها من قبل العصابات الصهيونية ليقام على أنقاض فلسطين كيان الاحتلال الإسرائيل الذي تحتفي بوجوده الغربان في زمن الخصيان من أقطاب صفقة القرن التي ولدت ميتة..
وتعتبر المؤسسة خطوة هامة على طريق جمع أرشيف هذا المناضل الكبير وكافة الوثائق المتعلقة به وظروف احتجازه بطريقة وحشية، وتعمل المؤسسة على توثيق تجربة ضائعة من تاريخ الأسرى في سجون الاحتلال البريطاني ومعسكرات الاحتلال الصهيوني، اذ أن هناك الآلاف من المفقودين، والكثير من الشهادات على جرائم ارتكبت بحق الاسرى من إعدامات واعتقالهم في مراكز اعتقال تشبه مراكز اعتقال النازية.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة