الحرية الفكرية وعوالق الاستبداد – بقلم : د . مجدي ابراهيم

اصدارات ونقد ….دراسات …
بقلم : د. مجدي إبراهيم – مصر ..
مادام هناك استعبادٌ للنفوس الآدمية، وما دمنا نرى أحوالنا العربية تتردى بين الحين والآخر في مهاوي الذلة والمهانة، وما منا نشعر من أعمق أعماقنا بفقدان الثقة في أنفسنا، فلا نقدر مطلقاً على المواجهة ولا على وضع الحلول التي لا نخرج بها من مآزقنا اليومية والمستقبلية؛ فمن اللازم اللازب لدينا جميعاً – شعوباً وقادة، مثقفين وذوي اختصاص، كلاً في مجال اختصاصه – أنْ نبحث في الأسباب التي أدت إلى حصول هذه الظاهرة، حتى لكأنها لم تعد ظاهرة، بل صارت حقيقة لازمة واقعة ثابتة للشعوب العربية، وللأفكار العربية، وللضمائر العربية، وللقيم العربية على غير استثناء ..!
ولا نجد سبباً واحداً – بعد البحث الدائب الموصول – يؤدي إلى هذا كله سوى “فقدان الحرية”؛ فنحن أقرب في أحوالنا إلى العجز والضَيْم مِنَّا إلى التحرر من قيود الأغلال المفروضة علينا قسراً أو قهراً.
وحيثما كان الاستبداد في أرض؛ فلن تقوم عليها الحرية أبداً؛ فالاستبداد في الأرض كالاستبداد في القلب، وكثيراً ما تجد في القلوب الضالة العمياء استبداداً يشغل حيزاً كبيراً من قناعاتها الداخلية ويحتل مساحة وافرة من منطقها الوجداني؛ فيَعْميها عن الحق ويعوقها عن التحرر اللازم للطلاقة وللوضوح ولإدراك الغاية التي من أجلها خلقت القلوب لإدراكها، لكنما الاستبداد هو الحائل المنيع يحجب عنها وضوح الرؤية فيصيبها بالغشاوة لينطمس أمامها نور الحقيقة فلا تعقل، بفضل استبدادها، شيئاً.
وكذلك الأرض التي نَبَتَتْ فيها جرثومة الاستبداد قلما تقوم عليها الحرية أو ينشط فيها قانون الأحرار.
ومتى وجدنا للحرية متنفَّساً استطعنا أن نضرب على الاستبداد والمستبدين بأيدي من حديد، عَسَانَا نزيل بتلك الضربات القاصمة بعضاً من أركانه الثابتة في أدمغة الذين يستبدون ولا يطيقون الوجود بغير تحكم الاستبداد!
وإذا نحن تكلمنا عن الاستبداد، تذكرنا من الوهلة الأولى كتاب الفاضل المرحوم عبد الرحمن الكواكبي :” طبائع الاستبداد”؛ الذي عرض فيه مع المقدمة فصولاً ضمَّنها : الاستبداد والدين، والاستبداد والعلم، والاستبداد والمجد، والاستبداد والمال، والاستبداد والأخلاق، والاستبداد والتربية، والاستبداد والترقي، والاستبداد والتخلص منه. وقد وصف “الكواكبي” في مقدمة كتابه أقرب خاصة نفسية للمستبد وأدناها بساطة إلى أفهام الناس؛ فمَنْ هو المستبد في مفهوم الكواكبي؟
إنما المستبد هو الذي :” يتحكم في شئون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المعتدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدّها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته، وأن المستبد إنْ هو إلا رجل عدو للحق، عدو للحرية، وهو قاتلهما، والحق أبو البشر والحرية أمَّهُم…” (أ . هـ، ص : 8). فمعنى الاستبداد لغة : هو اقتصار المرء على رأي نفسه فيما ينبغي الاستشارة فيه. فلئن كان مبنى علم السياسة هو أنه :” إدارة الشئون المشتركة بمقتضى الحكمة”؛ فالطبع يكون أول مباحث السياسة، وأهمها “الاستبداد” هو :” التصرف في الشئون المشتركة بمقتضى الهوى” (طبائع الاستبداد : ص4 – 5).
لست بصدد عرض الكتاب ولا إبراز جوانبه المضيئة فهو موجود متاح بين يدي القاريء العربي، ومن أراد المزيد فليرجع إليه، لكنني أتحدَّث هنا في هذه العجالة عن الاستبداد الفكري وتوابعه من فقدان الحرية. والرأي عندي أن الحياة الفكرية إذا انصلحت، انصلحت معها سائر الحيوات الثقافية والاجتماعية والسياسية، وغير هذه كلها من حيوات تستمد شعلتها المستنيرة من مادة الفكر المتوهجة، كلما أضاءت، أضاءت ما حولها من حيوات أُخَر.
وإذا هى انطفأت وتآكلت شعلتها، فلن تجد من الوضاءة ولا من النور ما يهيئ الحياة في مجملها إلى الاستنارة والتفكير.
وعليه؛ فمادة الفكر لا تترعرع ولا تنمو إلا في ظل الحرية ولا يرجى من ورائها ثمرة في ظل القهر والتسلط وضيق الأفق وتسطيح المفاهيم، ولن يكون الفكر فكراً حراً وهو في عين الوقت مقيّد بأغلال الاستبداد والاستعباد. ولستُ أشك في أن أهون صنوف الاستبداد في مجال الفكر هو الاستبداد بالرأي، ومحاولة فرضه على الآخرين، على غير قناعة منهم، ولكن على شرط المستبد الذي يفرض رأيه لا على شرطهم هم، دون أن يكون هنالك ما هو أحرى لمواجهة الفكر بفكر مثله، والرأي برأي يخالفه أو يضاده.
إن الأزمات السياسية والاجتماعية والثقافية في الوطن العربي من خليجه إلى محيطه، مَرَدَّها إلى اغتيال التفكير المستنير وفقدان لغة الحوار العقلي وخنق حرية الرأي فكراً وقولاً، لفظاً وتعبيراً، نظراً وعملاً، شكلاً ومضموناً، ثم غلق باب الاجتهاد غلقاً شديداً محكماً حتى لا يتصور أحد، ولا يمكن له أن يتصور، إنه ليس من المناسب قط أن تقام فينا حرية على أنقاض العنت والجهالة والتعصب وإعجاب كل ذي رأي برأيه، لكأنما هو وحده الموجود ولا موجود سواه. هنا نطالب، وينبغي علينا أن نطالب، وأن نلحَ في المطالبة، بمزيد من حرية الرأي والتفكير لتتسع أمامنا الرؤية وتنقشع من ثمَّ سحب الظلمات التي تترائى باستمرار في ظل الاستعباد وفرض الرأي بالبطش والقوة أو بالكيفية التي تتشابه مع البطش والقوة على تعدد الوسائل في ذلك، وتداخل العناصر المشتركة في تلك الوسائل، مما يصعب معه التنفُّس في جو مُلَغَّم ببطش النفوذ وسطوات الاستبداد.
الاستبداد الفكري دليل مباشر بل هو من أقوى الدلالة على التخلف العقلي وظلام الرؤية وانطماس البصيرة فى غير وضاءة ولا شروق؛ فلا يستبدُّ بفكره عقل مستنير، ولا يفرض رأيه على الناس رجل عرف للحرية الفكرية معنى وقيمة ودوراً ومسؤولية، وإنما الذي يفرض الرأي بقوة المنصب، أو بقوة الرياسة، أو بقوة السطوة والمنعة والنفوذ، أو بما شئت أن تضيفه أنت من طواغيت السلطة، لهو أقرب إلى الاستبداد في الفكر واستعباد الذين يفكرون ويجتهدون.
وإنه لمِمَّا يصيب الإنسان”المفكر” بالغصَّة المريرة الخانقة هو أن يكتم له رأى، أو يقصف له قلم أو يرد مدحوراً إلى ظلمات التخلف والرجعية، فيستسلم لأهواء الآخرين غير راض بما هو مفروض عليه قسراً من آراء أو أفكار تنبعث عن قلوب يعلم الله وحده خرابها، وعن عقول يعلم الله وحده جهالتها وخرافتها وقلة حيلتها فيما تفكر أو تكتب أو تقول، ذلك لأنها عقول لا تتصف بشيء قدر ما تتصف بــ” الصَعْلكة الفكرية”، ولأنها كذلك قلوب لا تحمل غير الحقد والضغينة لكل مجتهد صابر على الاجتهاد ذي أصالة.
معنى أن الإنسان مفكر؛ أنه كائن حرُّ فيما يفعل أو يقول، لا يدين للولاء في قوله أو في فعله إلا للذي خلقه، فهو وحده المسئول أمامه، وهو وحده الذي يحاسبه فيما يفعل وفيما يقول، فإن التفكير إرادة، والإرادة طاقة داخلية حرة وعاملة لها توجهاتها نحو ما ينبغي أن تناله وتصبو إليه من مطالب وأهداف، فإذا ما قَيَّدَتها في الإنسان قوى خارجية، فلن يصبح في تلك الحالة إلا حيواناً أعزلاً لا عقل له ولا تدبير؛ فإن الحيوان بمعنى مطلق النزوع إلى الحيوانية هو الذي يمتلك إرادة تقوده إلى مطالب حياتية وكفى، فهو الذي يأكل ويشرب ويتناسل بمقتضى الإرادة النزاعة دوماً إلى هذا الفعل أو ذاك، حين ينزع نزوعاً تدفعه إليه طاقة الدم واللحم لا طاقة العقل والتفكير، بمعنى أنه يريد أن يأكل، ويريد أن يشرب، ويريد أن يتناسل من غير تفكير فيما يريد، ومن غير تدبير ولا روَّية، بحكم الغريزة فقط يريد، ولا حكم لغيرها عنده فيما يتناوله من شئون الحياة، وليس في مستطاعه أن تحكمه سواها، لا لاشيء إلا لأنه حيوان وكفى.
ومعنى أن يكون الإنسان كائناً مفكراً، هو نفس المعنى الذي يكون فيه حراً فى اختيار هذا الفعل أو ذاك، له أن يفعله إنْ شاء، وله أن يدعه، وسيكون مسئولاً مباشرة أمام الله عما عَسَاه يلاقى على فعله من جزاء : إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشر. وقد تقررت المسؤولية في عقائد الدين وعرفت بهذا التقرير فهى لن تستقيم قط بغير اجتماع ركنيها الأساسيين : العقل من جهة، والحرية من جهة أخرى. ولا تعني المسؤولية في عقائد الدين خروجاً بالعقل إلى حيث الحرية المطلقة، تلك التي تفضـي به إلى اللامبالاة وعدم الاكتراث؛ لأنها لو كانت كذلك، لكانت غفلة وعبثاً، ولكانت فوضى لا نظام فيها، ولكنها تعني طاعة شاملة “للضمير الإنساني”، يتحرَّر به الفرد من العلائق والقواطع والعوائق والأغيار. لكأنما الدّين يقر المسئولية ولا ينفيها، ثم إنه لا يطلقها عبثاً في غير قيود.
ومن أجل ذلك؛ فلا تتقرر المسئولية الفردية على الكائن الحر المفكر من أعضاء الجماعة البشرية التى يعيش معها في مجتمع واحد أو في بيئة واحدة، ولكنها تتقرر عليه من قبيل “ضميره”، وإلا فلن يكون حراً على الحقيقة؛ لأن الفكر والضمير هاهنا مترابطان، لا انفصام بينهما، فإذا أنا كنت حراً في مجتمع معين، فمعنى ذلك أنني صاحب “ضمير” يعاقبني على ما يصدر عنى من آثار في مجال القول والفعل، أو في مجال التصرف والسلوك. فالرقيب الحقيقي على “الفعل” الإرادي الحر هو “الضمير” لا الجماعة البشـرية، ولا القانون، ولا العرف، ولا التقليد، ولا شيء غير أولئك جميعاً. ولكننا مكبلون من الدخل بأغلال القوانين الوضعية، وأغلال العرف والتقليد، كما هو الحال في فرائض الجماعة الحديثة التي يعيش بين آحادها الإنسان، ومادُمنا مكبلون بضمائرنا التلفانة ومقيدون بأهوائنا الفاسدة، فلن يكون الإنسان منا حراً على الإطلاق؛ لأن حريته تلك موهومة، فهو حر باللفظ واللغة والحرف لا بالمعنى والجوهر والحقيقة، حر بالكلمة لا بالفكرة، وفى الظاهر لا في الباطن، وفى الشكل لا في المضمون … وتلك الحرية بلا ريب عَرَضيَّة لا حقيقية، فارغة في الأساس من المعنى.
إنما الحرية الحقيقية هى قدرة الإنسان المفكر على إجادة التفكير والتعبير فى شئون الدنيا وشئون المصير غير عابئ بترهات المجموع وأباطيل العجزة المفلسين، وإني لأعني بإجادة التفكير والتعبير؛ ذلك التّحَرُّر من سطوات الأغلال الخارجية والداخلية على حدٍ سواء. فالسطوات الداخلية ممثلة في الضمائر الخربة والقلوب المريضة والتوجهات الخبيثة والدسائس الماكرة ومكائد الزملاء والقرناء والأنداد التي هى العائق الأحمق أمام حرية التفكير. والسطوات الخارجية ممثلة في القوانين الوضعية وأغلال العرف وقيود التقليد ونفوذ السلطة، وتسلطها على الضمائر واستبدادها بنفوذها. هذا فضلاً على أهواء الآخرين بكل ما يصدر عنهم من مطالب عائقة بالطبع عن حرية التفكير لهى هى التي تقف عقبة كأداء أمام العقل المستنير والفكر الجاد، ولا يعنى مثل هذا التحرر من السطوات بشقيها (الداخلي والخارجي) تسيُّباً واستخفافاً بما هو أصيل وتليد من القيم والأعراف والتقاليد، بل يعنى حرية الفكر، وحركته الحيوية في فهم كل قيمة نبيلة وكل معنى أصيل.
إذا نحن عرفنا للحرية الفكرية معنى، وقيمة، وريادة، فقد يسوؤنا مثل هذا العَسَف الضال يستشري في حياتنا كلها، لا نستثني منها حياة من الحيوات، بمقدار ما يسوؤنا هذا القهر وهذا التسلط مما تراه أمامك من ذوى السلطة والنفوذ، فقلَّ أن تجد شعاعاً من تلك الحرية يقفز إلى الساحة مطالباً بحقه في العقيدة والرأي واختيار اللفظ الذي يعبر عن رأيه واعتقاده، ولا تجد في الوقت نفسه ظلمات تحاول أن تكتمه كلما ظهر أو حاول الظهور، ولكن شعاع الضوء – كما كان المغفور له الدكتور زكى نجيب محمود يقول – مصيره إلى ظهور مهما طال احتباسه وراء حجب القهر والتسلط والعَسَف والتعطيل.
فمن استبداد الفكرة عندنا ألا نجعل لنقيضها وجوداً ولا نعترف بما يقابلها؛ لأننا لا نؤمن بوجود نقائض لأفكارنا ولا نقائص لآرائنا؛ ولأننا نتصور جاهلين أننا وحدنا الذين نملك حق خلق الأفكار وابتكارها، وغيرنا هم الذين يستقبلون ويجيدون فنون الاستقبال، مع أن الفكر ما سمى فكراً إلا لكونه يحتمل “الفكرة ” ونقيضها، و”الرأي” وما يضاده.
هذه بداهة التفكير العلمي الصحيح، ولكنها عندنا حتى مع العلماء وأهل الرأي تصير أزمة خارجة عن اللياقة العلمية والأدبية؛ فيما لو أنك قلت هذا أو طبقته أو دعوت إليه. ولابدَّ مما ليس منه بدُّ : أن تتلاقح الأفكار المتناقضة والمتعارضة، وأن يكون الحوار بيننا شريفاً عفيفاً ذا غاية نبيلة، منزهاً عن لوثة الأغراض القذرة والأهواء الوبيئة، كيما تتولد، من بَعْد هذا، حياة فكرية منتجة وخصبة وثرية. لقد كان الراحل ذكي نجيب محمود يقول :” الأصل في الفكر إذا جرى مجراه الطبيعي المستقيم هو أن يكون حواراً بين ” لا ونعم” وما يتوسطهما من ظلال وأطياف، فلا الرفض المطلق الأعمي يعدُّ فكراً، ولا القبول الأعمي يعدُّ فكراً؛ ففي الأول عناد الأطفال ، وفي الثاني طاعة العبيد”.
ولكننا في زمن التسلط على الأفكار والضمائر، وتقويم العقول وتقييمها بمعايير ليست تستند إلى حرية القول والرأي والتفكير، بل تستند على المغالطات والأخطاء العلمية المزرية، وعلى الكذب والتجديف، وعلى العلاقات الشخصية والمجاملات البهلوانية بين الأفراد.
أقول؛ في زمن التسلط على الأفكار تختفي الحرية وتزول، ولا تكاد تجد لها شعاعاً من ضوء، الأمر الذي تسبَّب بالقطع إلى “فقر الفكر” أدى بدوره إلى إفساد الحياة الفكرية والثقافية عندنا فساداً شنيعاً بشعاً قلَّ أن يعالج. ومن أجل ذلك نكاد نقطع قطعاً، ونحن نتحدث عن تلك الظاهرة على الإجمال دون الدخول في التفاصيل لأن تفاصيلها أكثر من أن تحصى، بأن نظامنا التعليمي هو الذي تسبَّب في حدوث الاستبداد الفكري وبلادة العقول والأذهان، لا ينمي التفكير الحر ولا يغذي ملكات الإبداع ولا يطوِّرها، يقوم على الحفظ والتلقين، واستذكار الدروس ثم صبَّها صباً فى ورقة الامتحان، بنفس الكيفية التي تصب بها الزيت في قارورة بها ماء فلا تمتزج بها ولا تختلط، ومنذ متى كان الزيت يتصل بالماء فيكوِّن خليطاً مثمراً أو نافعاً؟ هكذا بالضبط العلوم التعليمية والدراسية في المدارس والجامعات : أكداس من الحشو، ثقيلة كالزيت كثيفة لزجة؛ إذا أنت صببتها في قرائح التلاميذ والطلاب تظل في عزلة عنها غير ممزوجة بالعقول ولا بالضمائر، فلا تتشكل منها شخصية علمية متكاملة أبداً، ولا هى بمسنودة على أساس قويم يهيئها للثقافة والاستنارة والتعقل وممارسة شئون الحياة – من بعدُ – على الوعي بتلك الجوانب المضيئة.
يوم أن كنَّا تلاميذ بالمدارس الأوَليَّة، كانت هنالك حِصّة دراسية تسمى بــ” القراءة الحرة”، ولست أدرى إنْ كانت موجودة حتى اليوم أم لا؟ كان التلميذ يطالع فيها كل ما يترائى له من مقبول المعارف على قدر استعداده، وبحسب ما تحكم به لديه مواهبه وهواياته، وكان أفيد ما فيها أنها حرة عن القيود، حرة عن ورقة الامتحان، حرة عن الرغبة في النجاح أو الرهبة من الرسوب. هذه القراءة الحرة هى التي جعلت البعض منا أديباً وشاعراً وعالماً وكاتباً وفناناً ومفكراً وصاحب قضية وداعياً إلى الإصلاح الفكري والثقافي، وهى التي جذبت العقول إلى التعرف على المكتبات العامة، بجانب العملية التعليمية التي تُفرض على الأذهان فرضاً فتكدَّها، وعلى العقول فترهقها، وعلى المشاعر فتثقلها بالتوابع والشوائب والتشتت وعوائق المسيرة العلمية الناجحة والمنتجة.
لا ينبت فكر حُر داخل مؤسسة تعليمية، وأكبر المؤسسات التعليمة والعلمية هى التي وضعت العراقيل أمام حرية الفكر، فهبطت به إلى أدنى، ورفعت من شأن التقليد والمحاكاة لأناس لم يتعلموا من التفكير معاني الحرية، ولا من الثقافة المحدودة بحدود التخصصات مقدرةً على الإبداع؛ وذلك لأن “التخصص” عقبة في سبيل الإبداع. يستقي الإبداع معينه من الشمول والسعة والحرية، فلا يشعل فتيل الإبداع شيئاً قدر ما تشعله الثقافة الموسوعية الشاملة. أمَّا هؤلاء الذين تعلموا فرض الرأي وسطوة السيادة الفكرية باعتبارهم أساتذة في مجال تخصصاتهم، لا يحق لغيرهم من الناس إلا أن يكونوا أتباعاً لهم وأذيالاً، فهم بهذا الاعتساف البغيض أبعد ما يكونوا عن الحرية الفكرية وأقرب ما يكونوا إلى الاستبداد بالعلم. هؤلاء هم الذين تمتلئ بهم أكبر المؤسسات التعليمية في بلادنا يمثلون في أنفسهم طواغيت للفكر، يفرضونه فرضاً على الطلاب بغير مراجعة أو رويَّة أو حتى اختلاف في وجهات النظر، كائناً ما كان هذا الفكر.
المهم هو أن يُفْرَض على الطالب، والسلام! ولا عليهم بعد ذلك أن يكون الفكر خاطئاً أو ضعيفاً أو فقيراً أو تقليدياً أو ظلامياً أو خرافياً لا جدوى فيه أو منه. ونظراً لأننا محكوُمون في الغالب بأهوائنا الشخصية، ففي ظلِّ غياب الحرية غابت الموضوعية، وغابت تباعاً الحركة النقدية تستقيم بها التفرقة بين غثِّ وثمين، فاستحكمت فينا السطوات الفكرية تلازمها سطوات روحية، تشلُّ حركة التفكير والتعبير لدى طالب الدراسات العليا بدءاً من مرحلة الماجستير، ثم دخولاً في مرحلة الدكتوراه، ووصولاً إلى أبحاث الترقيات العلمية التي يكون نصيبها من المؤكد سلة المهملات، والطالب أسير لقهر الأساتذة الذين سبقوه بحكم الأقدميَّة.
تلك كانت ظاهرة – ومن أسف أنها لازالت! – منتشرة بوضوح في الجامعات المصرية، يُضَاف إليها ظواهر كثيرة في المجتمع كبَّلت الحريات، وفتحت الطريق أمام تجَذُّر الاستبداد وتسلط المستبدين، ناسين أو متناسين أن التعليم الصحيح والمنظم هو وحده “القيمة” التي ترفع الاستبداد وتوفر المسيرة الواثقة تجاه الحرية الفكرية.
أما بَعْد : أفنعود إلى الكواكبي مرة ثانية لنراه يضع قاعدة هامة من قواعد التخلص من الاستبداد يبْنيها على فكرة التحميس للتعليم والعناية به فوق كل عناية سواه.
فمن هذه القواعد التي وضعها الكواكبي في نهاية كتابه “طبائع الاستبداد”، قاعدة فحواها :” أن الاستبداد لا يقاوم بالشدَّة وإنما يقاوم بالحكمة والتدريج. أما الوسيلة الوحيدة الفعالة لقطع دابر الاستبداد؛ فهى عنده تكمن في ترقى الأمم في الإدراك والإحساس. وهذا لا يتأتى إلا بالتعليم والتحميس فيه … (طبائع الاستبداد : ص98).
أذكر إنني قرأتٌ عدة مرات في مراحل عمرية كتاب طه حسين “مستقبل الثقافة في مصر”، وكلما عاودتُ النظر فيه يصيبني الاكتئاب الحاد .. يشعر من يقرأه للوهلة الأولى ويقارن بينه وبين واقعنا الحالي : إنّ الفرق أظهر ما يكون بين الأمس، في الماضي المجيد، واليوم في زمن فقدان القيم : واقعنا الحالي يقول إن مصرنا الحاضرة من ناحية التعليم أسوأ بكثير مما كانت عليه أيام طه حسين، وأن جهود الرجل في إصلاح التعليم والثقافة، وجهوده بالوضع العام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، بل وكذلك جهود غيره من رواد التنوير، تكاد تكون قد ضاعت عبثاً، وأنه لا أمل – والحال على ما ترى – في الإصلاح ودرء الفساد، ما لم يتمُّ تغيير جذري في أنظمة الثقافة والتعليم.
مُعَلّم الإلزامي في السبعينات وما قبلها، أيام طه حسين (بقيمه وثقافته وأخلاقه)، وبوضعه الاجتماعي، أفضل بكثير من أستاذ الجامعة اليوم.
مستقبل الثقافة في بلادنا مرهون بتصحيح استراتجيات التعليم. ومستقبل الحريات في مصر متصل بتصحيح إستراتيجية التعليم. ومستقبل الفكر والقيم والإصلاح الاجتماعي والسياسي، كل ذلك مرتبط أشدّ الارتباط بالتعليم.
لله درَّ رائدنا المصري العظيم الدكتور “طه حسين”، حين أرسل نفسه على سجيتها في حلم رائع جميل فكتب في يوليو سنة 1973م وهو في بيير فول مورزين ما نشره في “مستقبل الثقافة في مصر”، يقول وهو يحدوه الأمل القريب في أن يشهد ويسمع ويرى :” مصر وقد بذلت ما دعاها إلى بذله من جهد في تعهد ثقافتها بالعناية الخالصة والرعاية الصادقة، ويرى مصر وقد ظفرت بما وعدها بالظفر به فانجاب عنها الجهل وأظلها العلم والمعرفة وشملت الثقافة أهلها جميعاً فأخذ بحظه منها الغنى والفقير والقوى والضعيف والنابه والخامل والناشئ ومن تقدَّمت به السن، وتغلغلت لذتها حتى بلغت أعماق النفوس وأنتشر نورها حتى أضاء القصور والدور والأكواخ، وشاعت فى مصر كلها حياة جديدة وانبعث في مصر كلها نشاط جديد، وأصبحت مصر جنة الله فى أرضه حقاً يسكنها قوم سعداء، ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالسعادة وإنما يشركون غيرهم فيها.
وأصبحت مصر كنانة الله في أرضه حقاً، يعتز بها قوم أعزاء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالعزة وإنما يفيضون على غيرهم منها.. (مستقبل الثقافة في مصر: ص 297).
ثم مضي يقول : هذا حُلمٌ رائع جميل تمضي به نفس هائمة تحب مصر وأهل مصر في هذا الأفق الغريب من آفاق الألب، ولكنه حلم يسير التحقيق قريب التعبير. فإن مصر التي انتصرت على الخطوب، وثبتت للأحداث وظفرت بحقها من أعظم قوة في الأرض في هدوء وأناة وثقة بالنفس وإيمان بالحق، خليقة أن تنتصر على نفسها، وتظهر على ما يعترض طريقها من العقاب، وترد إلى نفسها مجداً قديماً عظيماً لم تنسه ولن تنساه”. (مستقبل الثقافة في مصر: نفس الصفحة).
تُرَى ! هل تحقق حُلم “طه حسين” لبلاده، أم صادف “الأمل” الذي كان يحدوه عقبات الاستبداد؟
بادي الرأي عندي : أنه لولا وجود الاستبداد مُتَجَذِّراً وعميقاً فى التربة الفكرية المصرية، ولولا إهمال التعليم، وظهور طوائف وجماعات متطرفة تكره الثقافة التنويرية، ولولا فقد الحريات، ولولا العزوف الدائم المتعمِّد عن الاستماع إلى كلمات “طه حسين” وأمثاله من روادنا التنويريين، لولا ذلك لتحقق الحلم واقعاً فعلياً يحياه المصريون على كافة الأصعدة، وينعمون بما يحييون في شتى المجالات.

د. مجدي ابراهيم

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة