مع كتاب محمد دلبح “ستون عاماً من الخداع”- بقلم : منير شفيق

اصدارات ونقد …..
بقلم : منير شفيق – الاردن …
لنبدأ وننتهي مع عنوان الكتاب: «ستون عاماً من الخداع»- حركة فتح من مشروع الزعيم إلى مشروع التصفية (للكاتب محمد دلبح، دار الفارابي، 2019). وذلك لأنه عنوان معبّر عن مضمون الكتاب، وقد قرأته من أول صفحة إلى آخر صفحة.
السؤال الأول، أو الاعتراض الأول: هل يمكن أن تكون الستون عاماً من تاريخ «فتح» التي قادت الثورة الفلسطينية المعاصرة ستين عاماً من الخداع؟ فأي خداع هذا الذي يدوم، ويمكن أن يدوم ستين عاماً؟ ويكون المخدوعون عشرات الآلاف من القادة والكوادر والمقاتلين، بل يكون الشعب الفلسطيني بأغلبه، ومرحلة تاريخية بأكملها مخدوعين. ويستمر الخداع ستين عاماً، وهنالك من يلعب بهم كما يشاء؟
هذا يعني أن الثورة الفلسطينية التي انطلقت من 01/01/1965 وقد أطلقتها «فتح» بقيادة ياسر عرفات كانت خداعاً، أو يعني، أن «الثورة الفلسطينية» أو «المقاومة الفلسطينية» في مرحلتها الثانية بعد نكسة حزيران/يونيو 1967 (الهزيمة العسكرية واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وسيناء)، وقد تولت «فتح» فيها قيادة «م.ت.ف» وقيادة المقاومة التي انطلقت ضد الاحتلال، كانت خداعاً ولم تكن ردّاً فلسطينياً على النكسة الكارثية، وبدعم حار من جمال عبد الناصر، ومن سورية والجزائر والعراق وكل الدول العربية، وبتأييد شعبي عربي وإسلامي منقطع النظير. فكيف يمكن لكلّ ذلك أن يُسمى «ستون عاماً من الخداع» أو يكون فاتحة للخداع؟
بالتأكيد لا. وذلك، بالرغم من سياسات التسوية التي تزعّمها ياسر عرفات وقادة فتح ومُهرت كلّها بقرارات من المجلس الوطني الفلسطيني، لأن هذه السياسات، بالرغم من كلّ ما يمكن أن توصف به من أخطاء جسيمة، أو خطايا لا تُغتفر، لم تكن وحدها في الساحة، وحتى أصحابها كان لهم في الآن نفسه وجه آخر.
كيف؟
لأن من الخطأ، بل من الظلم، بل من اللاتوازن عند تقويم تلك الستين عاماً أن توصف بالخداع. لأنها كانت في الوقت نفسه، وبقيادة من ذهبوا إلى سياسات التسوية، ستين عاماً من القتال والمقاومة ضد العدو الصهيوني. وعرفت خلال الستين عاماً معارك كبرى وعمليات بطولية وانتفاضات وقدمت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى، والكمّ الهائل من التضحيات. وبقيت راية الثورة والمقاومة مرفوعة ومستمرة، كما راية ثوابت القضية الفلسطينية مدوية. وهذا كلّه من تاريخ فتح والشعبية والديمقراطية والقيادة العامة، وجبهة النضال والقوات الشعبية وجيش التحرير، وكل فصائل م.ت.ف، ومن تاريخ ياسر عرفات الذي كان في قلب المعارك والحروب التي خاضتها المقاومة. وكان في أيّ منها معرضاً للاستشهاد.
والدليل الآخر أن هذا الوجه لمرحلة الستين عاماً من الثورة والمقاومة استمر متواصلاً حتى بعد اتّفاق أوسلو. وذلك من خلال انطلاق المقاومة الإسلامية ابتداءً من سرايا الجهاد الإسلامي في الثمانينيات، وعبوراً إلى الانتفاضة الأولى والثانية، كما رسوخ القيادة الجديدة للمقاومة المسلحة، حماس والجهاد، وصولاً إلى قاعدة المقاومة العسكرية الجبارة على أرض فلسطين في قطاع غزة. فتواصل المقاومة في المرحلة الإسلامية – الوطنية – الشبابية المتجددة، لا يجوز أن يُرى إلّا امتداداً شرعياً للمقاومة التي انطلقت بعد 1968 على يد فصائل م.ت.ف بقيادة فتح. ولولا ذلك لاختلفت الأوضاع كلياً.
*أي خداع هذا الذي يدوم، ويمكن أن يدوم ستين عاماً؟*
ولهذا فإنه لظلم كبير، ما بعده ظلم، حين توصف تلك المرحلة بالخداع بسبب وجه واحد من وجوهها. وهذا يرجع إلى المنطق الأرسطي التبسيطي الذي لا يرى وجود النقيضين في الظاهرة الواحدة، أو يوجدان معاً، ويتعايشان سوياً، ولو تغلب أحدهما على الآخر في لحظة المعينة. فقيادة عرفات وفتح حملت في الآن نفسه سمتيْ المقاومة والمساومة. وقد تبادلت السمتان خلال الستين عاماً الغلبة، وتقلب الوجه الرئيسي بينهما. فقيادة فتح قاتلت وساومت. وسقط أغلب قادتها قتلى وشهداء، كما لم يحدث مع أي فصيل آخر، وتجاوزت أيضاً أغلب الخطوط الحمر في التنازلات المخزية التي وصلت إلى اتفاق أوسلو، واتفاقات التنسيق الأمني. وذلك بعد تدرج وتعرج ومد وجزر وحصار وضربات ونفي على مدى عشرين عاماً، قبل ذلك اليوم المشؤوم 13 أيلول 1993. وهذا التنازل المروّع لم يصله أي فصيل آخر.
والغريب أن ياسر عرفات بعد أوسلو، وقد ظُن كل الظن أنه تخلى نهائياً عن المقاومة المسلحة والانتفاضة، وجد نفسه بعد أن اكتشف بعد طول أوهام أن في «المولد طبخة بحص وليس حمصاً» فعاد ليدعم الانتفاضة الثانية، وكتائب الأقصى، لينتهي قتيلاً شهيداً وهو يأمل بالمساومة من جديد.
أما الجزء الثاني من العنوان: «حركة فتح من مشروع الزعيم إلى مشروع التصفية». فمشروع «فتح» لم يكن مشروع الزعيم. لأن ياسر عرفات لم يصل إلى «مرتبة» الناطق الرسمي إلّا بعد الانطلاقة في 1965، ولم يصل إلى رتبة أمين عام، أو قائد عام، أو رئيس في فتح طوال سنوات وسنوات. فأول لقب جاءه كان من رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. فمشروع «فتح» ليس مشروع الزعيم، وإنما كان حين انطلق واشتدّ عوده، مشروع الشعب الفلسطيني، ومشروع حركة التحرر العربي. فقد احتضنته جزائر الثورة، وسورية البعث، ومصر عبد الناصر، ثم الجامعة العربية، ودعمته القوى الشعبية العربية، بأحزابها وحركاتها الوطنية واليسارية والقومية والإسلامية، وأفتى بدعمه العلماء المسلمين ورجال دين من المسيحيين. فلم تكن مشروع فرد يبحث عن زعامة. أما إذا قادها عرفات لاحقاً، زعيماً بلا منازع، فلا يعني أن مشروع المقاومة صار مشروعاً خاصاً به وله. ولا يعني أن من انخرطوا في فتح كانوا يعملون عنده، أو من أجل مشروعه. وإلّا كيف صارت فتح شعبية وجماهيرية. وكيف دامت عقوداً. وقدمت التضحيات الجسام. فهل كان ذلك استجابة لشهوة زعيم وتبعية لمشروعه؟
ثم إن انتقال «فتح» في المقابل إلى تبنّي سياسات البحث عن تسوية، وصولاً إلى أوسلو يجب ألّا يُقرأ أيضاً بأنه مشروع زعيم. لأن بروز تيار مساوِم داخل شعب تحت الاحتلال، وفي ظل موازين قوى معادية، وظروف عربية كما هو الحال في الوضع العربي، ثم ما ساد من وضع عالمي، يذهب إلى مساومة العدو، وتقديم التنازلات طمعاً في الحصول على دويلة، ولو هزيلة، يجب أن يُعتبر مسألة طبيعية وشبه حتمية، وإن كانت من الناحية السياسية والمبدئية، خاطئة وخطيئة ومذمومة ومرفوضة وغير مقبولة، وفي الظرف الفلسطيني فاشلة و«طبخة بحص». ولكنها ليست ظاهرة فرد، وليست ظاهرة غير قابلة للتفسير، كما أنها في الظرف الفلسطيني غير جديرة بتفهمها أو تبريرها. وكانت نهايتها فاجعة ومأساوية. لأن المنفى أو العودة بالثورة إلى نقطة الصفر، كما حدث مع الحاج أمين الحسيني، أفضل من الذهاب إلى التسوية وتقديم التنازلات، حيث هناك ما هو أسوأ عملياً وواقعاً، ناهيك عن التفريط بالأبعاد المبدئية والأخلاقية والثورية التي تم الدوْس عليها.
ما تقدم هو ما يجب أن يتنبه إليه كل من يقرأ الكتاب. ولكنه يظل يستحق القراءة لما احتواه من جهة في الكشف عن معلومات حول ما جرى من اتصالات بعد 1973، لا سيما مع المخابرات الأميركية، أو لقاءات في ما بعد مع جهات صهيونية. ثم كان موفقاً في متابعته الدقيقة لتدرج التنازلات، ولا سيما من خلال المجالس الوطنية ومؤتمرات فتح. ولكن مع ضرورة التدقيق في كثير أو قليل من المعلومات التي أوردها. فنحن أمام جهد امتد لسنوات وغطى 470 صفحة من الحجم الكبير. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ولا للأهمية، إشارته إلى تحقيق معي من قِبَل الشهيد أبو حسن سلامة. فهذا لم يحدث مطلقاً. فالتدقيق في مدى صحة المعلومات يجب أن يكون ديدن قارئ أي مذكرات أو كتابات شديدة الانحياز أو أحادية النظرة مع أو ضد.
* كاتب ومفكر فلسطيني

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة