تعرف على الفرق الاسلامية من خلال ادبياتها :خطبة الجمعة التي القاها السيد مرزا مسرور احمد .. شيخ الاحمدية

كتابات ومواد دينية …
الخطبة كانت : في مسجد مبارك في إسلام آباد تلفورد
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّين. آمين.
كنتُ أذكر عبادة بن الصامت  في الخطبة الماضية ولم يكن ذكره اكتمل، والآن أذكر مزيدا من الواقعات والروايات عنه. ورد في التاريخ أنه لما حاربت بنو قينقاع المسلمين بدعوة حليفهم عبد الله بن أبيّ كان عبد الله بن الصامت  أيضا حليفهم مثل عبد الله بن أبيّ ولكنه بسبب هذه الحرب تبرأ من حلفهم إلى الله ورسوله ففيه نزلت الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (المائدة: 52) لأوضح هنا أنه لا يعني ألا تقوموا بما ينفع اليهود والنصارى بتاتا وألا ترتبطوا بهم بأي رابطة بل المراد أن اليهود والنصارى الذين هم في حالة الحرب معكم لا تتخذوهم أولياء. وإلا فقد قال الله تعالى بوضوح في موضع آخر أنه لا ينهاكم أن تبرّوا وتقسطوا إلى الذين لم يقاتلوكم ولم يُخرجوكم من دياركم سواء كانوا كفارا أو يهودا أو نصارى، فقال الله تعالى: لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الممتحنة 9) فحين قال في الآية الأولى بألا تتخذوا غير المسلمين أولياء أراد بذلك ألا تتخذوهم أولياء بسبب الضعف أو الخوف أو الجبن بل يجب أن يكون توكلكم على الله تعالى، وإذا طوّرتم حالتكم الإيمانية سيكون الله تعالى معكم. ولكننا نرى اليوم للأسف أن الحكام المسلمين إنما يجلسون في حضن غير المسلمين هؤلاء ويهابونهم أيضا، والنتيجة أن المسلمين يستعينون بغير المسلمين ضد إخوتهم المسلمين ما يؤدي إلى استئصال الإسلام. على أية حال، ندعو الله تعالى أن يهب الحكامَ المسلمين عقلا.
كنتُ أتحدث عن معركة بني قينقاع أنهم حين شنّوا الحرب حوصروا ولاقوا الهزيمة. لقد جمع كتاب “سيرة خاتم النبيين” أحداثَ هذه المعركة من كتب التاريخ المتعددة وذكر أن بني قينقاع نُفوا من المدينة بعد الهزيمة، وتفصيله أنه حين انتهت معركة بدر ووهب الله تعالى المسلمين بفضله نصرا عظيما- مع عدم تيسُّر العدة والعتاد لهم- على جيش كبير لقريش، وقُتل صناديد مكة الكبار، بدأ يهود المدينة –الذين كانوا يحسدون المسلمين سرًّا- يتحدّون المسلمين علنا وبدؤوا يصرّحون في مجالسهم أن هزيمة جيش قريش ليس بشيء كبير فلو حاربنا محمدًا () لعرف أننا نحن الناس، حتى قالوا مثل هذا الكلام في وجه النبي  في مجلس. ورد في رواية أن رسول الله  حين قدِم المدينة بعد معركة بدر جمع اليهود ونصحهم ودعاهم إلى الإسلام بعد أن قدّم لهم دعواه، فردّ على خطابه الآمن المليء بالإخلاص رؤساءُ اليهود قائلين: “يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لن تلقى مثلنا.” ولم يكتف اليهود بهذا التهديد العام بل يبدو أنهم خططوا لقتل النبي  لأنه ورد في رواية أنه في تلك الأيام كان الصحابي المخلص طلحة بن البراء على وشك الموت فأوصى: إذا متُ ليلا فادفنوني ولا تدعوا لي رسول الله  فإني أخوف ما أخاف عليه اليهود أن يصاب في شيء؛ أي إذا أتى النبي  للجنازة في وقت الليل فقد يهجم عليه اليهود.
باختصار، بدأ اليهود بالشر العلني بعد معركة بدر، ولأن بني قينقاع كانوا أقوى اليهود في المدينة لذا كانوا أول من نقضوا العهد. كتب المؤرخون: كان بنو قينقاع أول يهود في المدينة نقضوا ما بينهم وبين النبي  وتمردوا كثيرا بعد معركة بدر وأظهروا بغضهم وحسدهم علنا ونقضوا عهدهم، ولكن المسلمين بحسب توجيهات سيدهم صبروا على الرغم من كل هذا ولم يعتدوا، بل ورد في الحديث: كان النبي  بعد العهد مع اليهود يهتم بهم بوجه خاص، فحدث اختلاف بين مسلم ويهودي فبيّن اليهودي فضل موسى  على سائر الأنبياء مما أغضب المسلم وعامل ذلك اليهوديَّ بقسوة وقال إن النبي  أفضل الرسل. حين علم النبي  بذلك أبدى سخطه وعاتب ذلك الصحابي وقال له لماذا تفضّلون بعض الرسل على بعضهم، ثم ذكر فضلا جزئيا لموسى  وواسى ذلك اليهودي، ولكن على الرغم من هذه المعاملة الكريمة واللين ازداد اليهود شرًّا وسبَّبوا نشوب الحرب ولم يعد عداؤهم مخفيا في صدورهم بل خرج وظهر للعيان، وذلك حين جاءت امرأة مسلمة إلى محل يهودي لشراء بعض الأغراض، فأزعجها بطريقة بشعة جدا بعضُ اليهود الأشرار الذين كانوا جالسين في المحل وأما صاحب المحل فشبك درعها إلى ظهرها بشوكة ما أو بشيء آخر، وهي لا تشعر، فلما قامت بدت عورتها، فضحك منها صاحب المحل وأصحابه. فصاحت المرأة حياء واستنجدت، وبالصدفة كان هناك رجل من المسلمين قريب منها فجاء بسرعة وبدأ الشجار هناك فقتل اليهودي، فرفعوا اليهود سيوفهم على ذلك المسلم من كل طرف فقتلوا المسلم الغيور ووقع شهيدا. حين علم المسلمون بهذا الحدث ثارت غيرتهم، وفي المقابل اجتمع اليهود الذين أرادوا القتال بحجة هذا الحادث ونشأت حالة من القتال. ولما بلغ ذلك النبيَّ  جمع رؤساء بني قينقاع وقال لهم هذا الطريق ليس مناسبا ويجب أن تمتنعوا عن الفتنة واتقوا الله، ولكنهم بدلا من أن يُبدوا أسفا ويشعروا بالندم ويستعفوا ردّوا عليه متكبرين ومتمردين وكرّروا تهديدهم قائلين: لا يغرنك النصر في بدر، إنك لو قاتلتنا لعرفت المقاتلين. فاضطر النبي  أن يجمع نفرا من الصحابة ويخرج إلى قلاع بني قينقاع، وكانت هذه فرصة أخيرة لليهود ليخجلوا من أفعالهم، فحين ذهب إليهم النبي  ومعه الصحابة كان على اليهود أن يقلقوا لظلمهم ويتقدموا إلى الصلح إلا أنهم استعدوا للحرب، فدُقت طبول الحرب وخرجت قوات الإسلام واليهود مقابل بعضها البعض. كانت أحد طرق الحرب في ذلك الزمن أن الناس كانوا يجلسون متحصنين في قلاعهم وكان الفريق المخالف يحاصرهم، وكان المهاجم يحاصر القلعة، وكانت الهجمات تُشن على بعضهم بين حين وآخر حتى يَيأس المحاصِرون ويرفعوا الحصار وينهوا الحرب ويعودوا وكان يُعدّ ذلك نصرًا للمحاصَرين في القلعة. أو أن يفتح المحاصَرون في الحصن أبوابه بعد عجزهم عن المقاومة ويستسلموا للفاتحين، وبنو قينقاع أيضا اتخذوا هذا الأسلوب نفسه وتحصَّنوا، فحاصرهم النبي  لمدة 15 يوما، فلما خارت قوة بني قينقاع وكبرُهم فتحوا أبواب الحصن بشرط أن يأخذ المسلمون أموالهم ولا يكون لهم حقٌّ على أرواحهم وأهلهم، فقبل النبي  هذا الشرط. وفي هذه الحالة كان يجب قتلُ كل هؤلاء من حيث الشريعة الموسوية، لأن التوراة تقول إن أمثال هؤلاء يجب أن يُقتلوا، وبحسب المعاهدة والميثاق كان يجب أن يصدر الحكم فيهم بحسب الشريعة الموسوية حصرا. لكنه لما كان تصرفهم ذلك جريمة أولى لهؤلاء القوم لم يكن النبي  الرحيم الكريم يميل إلى تنفيذ آخر علاج عند الخطوة الأولى. ومن باب آخر لم يكن سكن القبيلة الناقضة للعهد والمعادية في المدينة أقلَّ من تأبُّط المرء الثعبان. وخاصة حيث كان حزب المنافقين من الأوس والخزرج موجودين في المدينة سلفا. ومن خارج المدينة أيضا كانت هناك معارضة العرب كلهم تنغّص حياة المسلمين. وفي هذه الأوضاع كان ينبغي أن يقرر النبي  أن يجلي بني قينقاع من المدينة، وكانت هذه العقوبة مقابل جريمتهم وفي ضوء الأوضاع السائدة في البلد خفيفة جدا، وكانت في الحقيقة حماية للمسلمين والدفاع عنهم، وكان الهدف منها حماية المسلمين في المدينة، وإلا فالانتقال من مكان إلى مكان عند أقوام البدو العرب لم يكن أمرا صعبا إذ كانوا ينتقلون من مكان إلى مكان بشكل طبيعي، وخاصة إن لم يكن للقبيلة عقار في صورة الأرض والبساتين، كما لم يكن لبني قينقاع ذلك، وفي الوقت نفسه أتيح للقبيلة كلها الانتقال بأمن وسلام إلى مكان آخر للعيش. فذهبت قبيلة بني قينقاع بكل اطمئنان إلى الشام. وفوَّض النبي  مهمة الإشراف على ترحيلهم إلى أحد صحابته وهو عبادة بن الصامت الذي أذكره اليوم وكان من حلفائهم، فذهب مع بني قينقاع لعدد من المنازل ثم عاد. أما الغنائم التي حصل عليها المسلمون فكانت آلات الحرب أو الآلات المتعلقة بمهنتهم وليس أكثر من ذلك.
وعن ذلك ورد في السيرة الحلبية: .. أمَر  أن يجلوا من المدينة؛ أي وُكّل بإجلائهم عبادة بن الصامت  وأمهلهم ثلاثة أيام فجلوا منها بعد ثلاث، أي بعد أن سألوا عبادة بن الصامت أن يمهلهم فوق الثلاث، فقال: لا ولا ساعة واحدة، وتولى إخراجهم، وذهبوا إلى أَذْرِعات وهي بلدة بالشام (درعا).
لحضرة عبادة بن الصامت روايات أخرى كثيرة للحديث، منها: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُشْغَلُ فَإِذَا قَدِمَ رَجُلٌ مُهَاجِرٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ  دَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنَّا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ فَدَفَعَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ  رَجُلًا وَكَانَ مَعِي فِي الْبَيْتِ أُعَشِّيهِ عَشَاءَ أَهْلِ الْبَيْتِ، فَكُنْتُ أُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَانْصَرَفَ انْصِرَافَةً إِلَى أَهْلِهِ، فَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ حَقًّا فَأَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا لَمْ أَرَ أَجْوَدَ مِنْهَا عُودًا وَلَا أَحْسَنَ مِنْهَا عِطْفًا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  فَقُلْتُ مَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيهَا؟ قَالَ جَمْرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْكَ تَقَلَّدْتَهَا أَوْ تَعَلَّقْتَهَا. (مسند أحمد)
أي هذه الهدية التي قدمها لك لأنك علمته القرآن فكأنها جمرة من النار تقلدتَها بين كتفيك.
وهناك رواية أخرى: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَةَ فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا فَقُلْتُ لَيْسَتْ بِمَالٍ (أي ليس ذهبا أو فضة أو عملة نقدية، إنما هو قوس) وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (إذا سنح لي الجهاد، إذ يجب أن تستخدم في سبيل الله) فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ  عَنْهَا فَقَالَ إِنْ سَرَّكَ أَنْ تُطَوَّقَ بِهَا طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا.
لقد استدل شرّاح الحديث من هاتين الروايتين المتماثلتين من مصدرين مختلفين، كأن تلك القوس كانت أجرًا على تعليم القرآن، فكرهه النبي . فالذين يتخذون تعليم القرآن الكريم وسيلة للدخل لهم أيضا توجيه في هذه الرواية.
عَنْ رَاشِدِ بْنِ حُبَيْشٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  دَخَلَ عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ يَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  أَتَعْلَمُونَ مَنْ الشَّهِيدُ مِنْ أُمَّتِي؟ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ عُبَادَةُ سَانِدُونِي فَأَسْنَدُوهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (لقد سألت من هو الشهيد؟ فهو) الصَّابِرُ الْمُحْتَسِبُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ، الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ شَهَادَةٌ، وَالطَّاعُونُ شَهَادَةٌ، (أي حين يتفشى وباء الطاعون فمات به أي مؤمن صادق فهو شهيد) وَالْغَرَقُ شَهَادَةٌ وَالْبَطْنُ شَهَادَةٌ وَالنُّفَسَاءُ يَجُرُّهَا وَلَدُهَا بِسُرَرِهِ إِلَى الْجَنَّةِ. أي المرأة التي تموت عند الولادة بسبب سيل الدم الكثير أو في فترة النفاس التي تمتد لأربعين يوما إذا ماتت بسبب الضعف، فسوف يتسبب ولدُها في دخولها الجنة.
وقد ورد في صحيح البخاري رواية مماثلة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
هنا أود أن أوضح أن الطاعون كان آية لسيدنا المسيح الموعود  إذ كان قد أخبر من الله  أن الطاعون لن يصيب المؤمنين به إيمانا صحيحا.
إذًا، الوضع هنا يختلف جذريا، أما إذا كان هناك وباء منتشر بوجه عام ويموت المؤمن الحقيقي مصابا به فهو شهيد بحسب قول النبي .
عن إسماعيل بن عبيد الأنصاري عن عبادة بن الصّامت قال يا أبا هريرة لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله  بايعناه على السمع والطاعة في المنشط والمكره وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم وعلى أن ننصره إذا قُدِم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأهلنا ولنا الجنة. ومن وفى وفى الله له الجنة مما بايع عليه رسول الله ، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه.
كتب معاوية إلى عثمان بن عفان أن عبادة بن الصامت قد أفسد علي الشام وأهله، فإما أن تكف إليك عبادة وإما أخلي بينه وبين الشام. فكتب إليه أن رَحِّلْ عبادةَ حتى ترجعه إلى داره من المدينة فبعث بعبادة حتى قدم المدينة فدخل على عثمان في الدار وليس في الدار غير رجل من السابقين أو من التابعين، ووجد عثمانَ وهو قاعد في جانب الدار. فالتفت إليه فقال يا عبادة بن الصامت ما لنا ولك؟ فقام عبادة بين ظهراني الناس فقال سمعت رسول الله  أبا القاسم محمدا يقول إنه سيلي أموركم بعدي رجال يعرِّفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى، فلا تضلوا بربكم.
أقول: يمكن أن يكون هناك خلاف في بعض الأمور، كذلك كان هناك خلاف بين معاوية وعبادة بن الصامت في بعض الأمور. ذكرتُ في الخطبة الماضية أن هذا حدث مرة في عهد سيدنا عمر . وذلك لأن عبادة بن الصامت كان من أوائل الصحابة وكان قد سمع المسائل من النبي  مباشرة فكان يعمل بها بكل شدة ويطلب العمل بها من الآخرين أيضا. وكان يقول بأن ما يقوله هو الصحيح. وحين حدث الخلاف في عهد عمر  بينه وبين عبادة بن الصامت قال عمر  لمعاوية ألا ينازعه في المسائل بل يتركه وشأنه. وعندما جاء عبادة إلى المدينة أعاده. ولما حدث ذلك في عهد عثمان  دعاه عثمان إلى المدينة نظرا إلى مقتضى الظروف.
باختصار، كان عبادة بن الصامت يحتل مكانة سامية، وكان مؤهلا لشرح بعض الأمور لأنه كان قد سمعها من النبي  مباشرة وفهمها منه، وبناء على ذلك كان له رأي مختلف في بعض الأمور وكان يبيّن رأيه فيها. فمثلا هناك أمور تتعلق بالتجارة والمقايضة. ولكن هذا موضوع واسع جدا لا يمكن بيانه هنا، فكان لعبادة بن الصامت موقف يختلف عن موقف معاوية رضي الله عنهما إذا كان عبادة يملك أدلة فيشرح موقفه بناء عليها، ومن جانب آخر شرح معاوية موقفه بحسب رأيه. ولكن هذا لا يعني أن كل شخص يمكن يعلن اختلافه ما لم يكن هناك نص واضح من القرآن الكريم أو الحديث أو مما بيّنه المسيح الموعود  في هذا الزمن. الأمر الأساس والضروري والجدير بالتذكر هو ألا يتجاوز المرء حدود الله تعالى. فهذا هو المبدأ الذي يجب على كل أحمدي أن يجعله نصب عينيه ويبقى في دائرة الطاعة دائما.
عن عطاء قال سألت الوليد بن عبادة بن الصامت: كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ قال، دعاني فقال: أَيْ بُنيَّ اتّق الله واعلم أنك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده والقدر خيره وشره، إن متَّ على غير هذا دخلت النار.
عن أنس بن مالك أن النبي  كان يأتي بيتَ أمِّ حرام بنت ملحان زوجة عبادة بن الصامت فتطعمه. فدخل عليها فأطعمته وجلست تفلي رأسه، فنام ثم استيقظ وهو يضحك. فقالت ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: “عُرض علي أناس من أمتي يركبون ظهر البحر الأخضر كالملوك على الأسرة”، قالت: فقلت: يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم. ثم نام فاستيقظ وهو يضحك فقلت: يا رسول الله ما يضحكك؟ فقال: “عرض علي ناس من أمتي- غزاة في سبيل الله- يركبون ظهر البحر كالملوك على الأسرة”. (وقد شك الراوي عن كلمة قالها النبي ) قالت: فادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم نام ثانية ففعل مثلها، فقالت مثل قولها، وجاوبها مثل جوابه الأول. قالت: فادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت من الأولين. قال: فخرجتْ غازيةً مع معاوية بن أبي سفيان، فلما جازتِ البحر ركبت دابة فصرعتْها فقتْلت. كان النبي  يزور أمّ حرام لأنها كانت محرمة له .
وقد ورد أن أمّ حرام كانت ابنة ملحان بن خالد ومن بني النجار، وخالة أنس، وأمُّه أخت أمّ سليم. وإن أمّ حرام وأمّ سليم كانت خالتا النبي  من الرضاعة أو من النسب.
قال الإمام النووي: اتفق العلماء على أنها – يعني أم حرام – كانت محرمة له  واختلفوا في كيفية ذلك. ولكن الجميع متفقون على كونها محرمة له ، فقالوا إنها كانت محرمة إما من الرضاعة أو من النسب.
عندما أسلمت أمّ حرام بايعت على يد النبي . وفي عهد سيدنا عثمان – ذي النورين – خرجت غازية مع زوجها عبادة بن الصامت الذي كان صحابيا جليلا من الأنصار والذي يجري الحديث حوله، ونالت مرتبة الشهادة في أرض الروم. وكانت شهادتها وفق رؤيا رآها النبي .
وقد ورد في عمدة القاري، شرح صحيح البخاري وإرشاد الساري، أن أمّ حرام ماتت في عام 27 أو 28 من الهجرة. وعند البعض ماتت في عهد معاوية. ولكن القول الأول أَولى وقد ذكره أصحاب السِّيَر وقالوا إن هذه الحرب البحرية التي اشتركت فيها أمّ حرام كانت في عهد عثمان . والمراد من زمن معاوية ليس عهد حكومته بل المراد هو الوقت الذي قام فيه معاوية بحرب بحرية ضد الروم، واشتركت فيها أمّ حرام مع زوجها عبادة بن الصامت. وعند العودة من هذه الحرب ماتت أمّ حرام وذلك في عهد عثمان .
عن أُمَيَّةَ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ قُلْنَا أَصْلَحَكَ اللَّهُ حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ. (أي إلا إذا أجبرتم على الكفر الواضح فهذا أمر آخر، وهو حتى إذا أعطيتم الصلاحية)
عن الصنابحي، قال: دخلت على عبادة بن الصامت وهو في الموت، فلما رأيت ما به بكيت، فقال: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ فوالله لئن شفعت لأشفعن لك، ولئن سئلت لأشهدن لك، ولئن استطعت لأنفعنك، والله ما كتمتك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثا واحدا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، (وأذكره لك اليوم حيث أتعرض للموت) سمعته يقول: من لقي الله يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حرم الله عليه النار. أي هو مسلم.
رفع الله درجات الصحابة الذين أوصلوا إلينا الأمور التي كانت ضرورية لحياتنا العملية إضافة إلى زيادة علمنا الروحاني.
الآن أريد أن أذكر بعض المرحومين، وسأصلي عليهم صلاة الغائب أيضا.
أولهم هو المرحوم سعيد أحمد سوقية من سوريا الذي توفي بتاريخ 18/4/2019م. إنا لله وإنا إليه راجعون. وقد وصلنا خبر وفاته متأخرا لذا تأخرنا في الصلاة عليه. كان المرحوم أحمديا مخلصا من جماعة دمشق، ومن الأحمديين القدامى. وقد أنهى قراءة القرآن الكريم حين كان عمره 5 سنين. وكان خبيرا في أحكام التجويد والقراءة. وقد تعلّم منه كثير من الأحمديين تجويد القرآن الكريم. كان السيد منير الحصني يثق به كثيرا.
وقد درس المرحوم المحاماة ولكن لم تعجبه هذه المهنة، وانخرط في سلك التدريس. وكان يُعَدّ من أبرز الأساتذة على مستوى البلد. وقد درّس في مناطق مختلفة في البلاد وترقّى إلى مرتبة مدير المدرسة. كان المرحوم مولعا بتبليغ الدعوة وكان يبلغ الجميع.
لقد أعاد المكتب العربي بالجماعة نشر كتب المسيح الموعود  بالعربية ونشر بعضا من كتبه مترجمة من الأردية إلى العربية. فقرأ المرحوم كلها وكان يقول: كنت قد انضممت إلى الجماعة الأحمدية منذ وقت طويل ولكن منذ عدة أعوام علمتُ الآن ما قاله المسيح الموعود . وقد اطلعت على حقيقة الجماعة الآن لأول مرة، وأطّلع الآن على المعلومات مجددا عن الأحمدية. لقد ذكر كل واحد من معارفه خصاله الحميدة مثل حسنُ أخلاقه وحسن معاملته وسخائه وإبائه وغيرته ومساعدته الآخرين دون مقابل. ومعارفه كلهم كانوا مثأثرين جدا بسبب هذه الخصال الحميدة. كان المرحوم يحب الانهماك في عمله. كان بشوش الوجه دائما، وأبا عطوفا وزوجا مخلصا. كانت حلقة أصدقائه واسعة جدا، كان ملتزما بالصلاة والعبادات الأخرى. كلما جاءه مبلغ من المال دفع التبرع فورا، وفي بعض الأحيان كان يتبرع بالمبلغ كله. وقد ترك المرحوم وراءه ثلاثة أولاد وثلاث بنات. ابنه الأكبر السيد محمد والأصغر السيد جلال الدين أحمديان. ندعو الله تعالى أن يغفر له يرحمه ويرفع درجاته ويقبل أدعيته في حق أولاده ويوفق بقية أولاده لمعرفة الحق والصدق.
الجنازة الثانية هي للسيد الطيب العبيدي من تونس، وقد توفي بتاريخ 26/6/2019م عن عمر يناهز سبعين عاما. إنا لله وإنا إليه راجعون. كان أحمديا وحيدا في منطقته، وكان مخلصا جدا يحب الجماعة وخليفة الوقت كثيرا، قضى عمره كله تقريبا في المساجد. كان يعشق القرآن الكريم ويكثر من ذكر الله تعالى. عندما تعرف على الجماعة وصل إلى مركز الجماعة في بلده دون تأخير وقدّم البيعة. كان يعشق كلام المسيح الموعود . كان يأتي إلى المركز لصلاة الجمعة بالقطار قاطعا مسافة 5 ساعات تقريبا. كان إنسانا شجاعا. ويعرّف على الجماعة كلَّ مَن يقابله. وكان عليه ضغط كبير من قبل عائلته والمجتمع بشكل عام ولكن ظل ثابتا وصامدا على إيمانه. وقد بدأ بأداء التبرع بسخاء منذ أول يوم لبيعته. وعندما علم عن نظام الوصية قام بالوصية فورا. كان ينصح الشباب كثيرًا بالإنفاق في سبيل الله ويقول لهم: لقد بوركت أموالي كثيرا بسبب الإنفاق في سبيل الله. لقد وُفِّق المرحوم لحج بيت الله الحرام أيضا. كان يعشق الجماعة والخلافة. ندعو الله تعالى أن يرحمه ويغفر له، ويقبل جميع أدعيته وأمانيه النبيلة بحق أولاده وأقاربه.
الجنازة الثالثة للسيدة أمة الشكور المحترمة التي كانت كبرى بنات الخليفة الثالث رحمه الله وتوفيت في 3/9/2019 عن عمر يناهز 79 سنة، إنا لله وإنا إليه راجعون. كانت المرحومة كما أخبرتكم ابنة سيدنا الخليفة الثالث رحمه الله ومن ثم كانت حفيدة حضرة المصلح الموعود  ومن قِبل الأم كانت حفيدة السيدة نواب مباركة بيغم المحترم وحضرة نواب محمد علي خان المحترم. لقد وُلدت في إبريل عام 1940 بقاديان وتلقَّت الدراسة الابتدائية فيها ثم نالت شهادة البكالوريوس في التربية من لاهور. تزوجت السيد شاهد خان المحترم ابنَ حضرة نواب عبد الله خان المحترم فوَلدتْ له ابنين وثلاث بنات. أحد ابنيها السيد عامر أحمد خان المحترم يعمل في التحريك الجديد بصفته واقف الحياة، كما يدرس حفيداها في الجامعة الأحمدية.
ثم تزوجت الدكتور مرزا لئيق أحمد المحترم ولم تنجب منه. ليست لها خدمات بارزه للجماعة إلا أنها عموما وُفقت لخدمة الجماعة في شتى مكاتب الجماعة أو مختلف أقسام لجنة إماء الله، وكل من كتبتْ عنها كتبت أنها عملت معها بكل تعاون وتواضع. كانت مولعة بالكتابة والقراءة، فقد ألَّفت كتيبا عن سيرة أم المؤمنين وآخر عن حضرة نواب مباركة بيغم المحترمة بعنوان “قصة مباركة بلسان مباركة” وأَعدتْ مسودة كتاب ثالث أيضا عن سيرة السيدة بو زينب رضي الله عنها زوجة مرزا شريف أحمد  ولم يُنشر بعد. فهذه الكتيبات الثلاثة لها مفيدة لِلَجنة إماء الله. كتبتْ حفيدتها السيدة ملاحت: كانت جدتي تقول دوما إن حضرة الخليفة الثالث كان قد قال ابتسِموا دوما فهي صدقة. لذا قد رأيتُها حتى في المرض تنظر إلينا مبتسمة، وكانت تبتسم حتى في الألم.
مع أن مرضها كان مؤلما وتبين أخيرا أنها كانت مصابة بالسرطان. إلا أنها تحملت المرض بكل صبر وهمة. كما كان حضرة الخليفة الثالث نفسه يقول إنه تحمل كل مصيبة بصبر.
غفر الله لها ورحِمها ووفَّق أولادها وأجيالها القادمة أيضا للحفاظ على علاقة الوفاء مع الخلافة والجماعة.
تذكرتُ أمرا وهو أن اليوم يبدأ اجتماع “خدام الأحمدية” لهذا سوف نجمع العصر مع الجمعة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة