الدرما السورية : باب واسع لاصلاح ما أفسده الفن العربي – بقلم : وليد رباح

دراسات .. فن وثقافة
بقلم : وليد رباح – الولايات المتحده الامريكية …
تعودنا منذ نعومة اظفارنا على نمط معين من الفن الرخيص حينا والنمطي احيانا .. فما أن ترى شريطا سينمائيا خاصة من الابيض والاسود .. وحتى انطلاق عهد السينما الجماهرية في عهد القفزة الفنية في الستينات .. حتى تعرف سابقا ما الذي سيحدث للبطل والبطله .. وتيسير الاحداث وفق ما يتوقعه المشاهد.. اثنان يحبان بعضهما .. ثم يقف الاب في طريق الزواج .. أو تقف الفوارق الطبقية بين العائلتين .. وتجري احداث الشريط حتى ينتصر الحب في النهاية فيتزوجان .. وتعلو صيحات المشاهدين فرحا بما رأوا .. وعادة ما كان الشريط ينتهي بقبلة .. ثم كلمة النهاية .
ولا يستطيع احد ان ينكر ما قدمه الفن السينمائي المصري من ناحية فنية بحتة .. وقدرة الممثلين القدامى على تقمص شخصياتهم في وقت لم تكن فيه التقنية قد تطورت الى الحد الذي نراه اليوم .. فقد كان الجهد الذي يبذله الفنيون وخاصة الممثلين والممثلات جهدا مضاعفا فيه من التعقيدات الشئ الكثير .. ورغم ان هذا الامر قد تغير في تقنيات نحو الاحسن .. الا ان هبوطا حادا اصاب الشريط العربي أهمه اختيار الموضوعات الادبية وتحويلها الى حوار مما ساعد على بروز سينما المقاولات التي راجت في السبعينات من القرن الماضي .. واصبح الشريط العربي لا يعكس طموحات الجماهير العربية المشاهدة بقدر ما عكس الربح المادي الذي يأتي من شباك التذاكر .. واصبح اختيار وجه معروف مشهور هو الاساس دون النظر الى المادة التي يطرحها الشريط ..
ورغم ان تحسنا طفيفا قد طرأ على الشريط العربي بعد تلك الموجة .. الا انه ظل يراوح مكانه ولم تقدم لنا السينما العربية الا جملة افلام تعد على اصابع اليد الواحدة .. كان لها التأثير المباشر على المشاهد وكانت عنوانا لامكانية تقدم هذه الصناعة مستقبلا ..
وفي غضون ذلك كان الشريط السوري في مرحلة مخاض.. يقدم تجارب نجحت في مجال الفكاهة الدرامية او الدراما الفكاهية ولكنه لم يقدم أعمالا عظيمة في مجالات الدرما الأخرى كما هو اليوم .. ولكن التطور جاء في المضمون والشكل عندما نزح بعض المخرجين المخضرمين من بلدانهم الى سوريا فأضافوا للمخرج السوري سعة من الخبرة التقنية إضافة إلى خبرته. جعلته يعتمد المنافسة في تقديم الشريط وفق أسس تعتمد على الذوق الجماهري دون النظر إلى شباك التذاكر . . ولقد ساعد على ذلك دخول التلفزيون إلى حلبة الصراع مما سجل تراجعا في الشريط السينمائي ودفقا من الأعمال الرائعة في مجال الأشرطة التلفزيونية .. فقدم أعمالا عظيمة وخاصة في مجال الأشرطة التاريخية لا تعتمد على اللهجة المحكية بقدرما تعتمد على اللغة الفصحى التي افتقدناها في الأعمال المصرية القديمة والحديثة معا ..
ولا ينكر احدا مطلقا .. ان الشريط المصري قد قدم اللغة المحكية المصرية الى شعوب الوطن العربي كاملا .. فاستساغها العربي واصبحت مفرداتها دارجة على السنة الجماهير العربية مما جعل اللهجة المحكية المصرية السهلة احدى ايجابيات الاعمال الفنية المصرية .. ولكن الاغفال التام للغة العربية الرصينة ( الا من بعض الاعمال ) قد كان نقطة ضعف اوصلت الشريط المصري الى طريق فيه الكثير من التفرعات دون الاستدلال على الطريق الصحيح .. وخاصة وان اللغة العربية هي احدى الوسائل التي يمكن ان تساعد مساعدة قيمه على فهم فحوى المضمون من محيط العربي الى خليجهم بعد انتشار التعليم والثقافة والمد اللغوي الذي افتقدناه طويلا ..
ولقد قدم السوريون ايضا اعمالا كثيرة و باللهجة المحكية السورية .. ورغم ان هذه الاعمال قد لاقت طريقها الى محطات التلفزيون والفضائيات العربية . . الا انها لم تستطع ان تغرس في وجدان الجمهور العربي تلك اللهجة مثلما فعل الشريط المصري .. ليس لصعوبة فيها .. ولك لأن الهبة الفنية السورية جديدة نسبة الى التاريخ الفني المصري ..
واستقر رأي الفنيين والكتاب السوريين اخيرا .. على أن المزج بين المحكي الكلاسيكي هو احد الوسائل التي يمكن ان تربط الوطن العربي بالشريط السوري .. خاصة اذا لم تم التوافق ما بين اللغة و اللهجة .. واعطاءها المجال للتبسيط الذي يمكن الذي يمكن ان يفهمه حتى الانسان الذي لا يقرأ او يكتب .. فقدمت لنا الدراما السورية جملة من الاعمال العظيمة التي دخلت الى وجدان الانسان العربي والى حياته اليومية ..
ولقد رأت هذه الهبة الفنية .. ان النقد الموضوعي هو احد الوسائل التي يمكن ان يدخل من خلالها الفنيون الى ذلك العقل وهذا الوجدان .. خاصة ان الوطن العربي يعاني من نفس المشاكل التي تعاني منها سوريا . . سواء في المجال الوظيفي او الاقتصادي او الروتين او مجالات الحياة المختلفة .. فاستقبل الانسان العربي تلك الاعمال بفرحة غامرة .. جعلته يقبل عليها مع الاخذ بعين الاعتبار ان الدرما السورية قد اعتمد الفخامة في الديكور و الملابس واجادتها بصورة جعلت الجمهور يعيش الحقبة التاريخة بكل ما فيها من روعة وجلال .
ولا نظن ان الدراما السورية لاقت طريقها مفروشا بالورود .. خاصة بعد ان انشئت في سوريا جملة من الاستديوهات الفنية الضخمة التي رأت الجهات المنشئة انها نورد العملة الصعبة بشكل ممتاز لدعم الاقتصاد السوري ..
وبغض النظر عن نوايا المنشئين لهذه الاستديوهات سواء كان الهدف اقتصاديا ام دعائيا . فان تلك المكملات الفنية قد جعلت الفني السوري يتعامل مع الحدث على انه الاساس . . فابدع الممثلون السوريون في ادوارهم . . وابدع المخرجون في تقديم العمل بصورة تظهر للعيان على انها حقيقة مجرده .. سواء كان المضمون سلبيا او ايجابيا .. ولقد ترك الفنيون السوريون بما قدموه للمشاهد العربي ان يحكم على الحدث من خلال رؤيته الخاصة .. ولم يقدمو له الحلول على طبق من ذهب .. بل قادوه الى التفكير بماهية تلك الاعمال خاصة التاريخية منها .. على ان يجد الحل بنفسه دون توجيه او ايحاء يفرض عليه حلولا جاهزة ..
ورغم انني لست ناقدا فنيا . . والتمس الكلمة من خلال مشاهدتي عبر الفضائيات العربية .. فاني اقدر تقديرا عاليا ما قام به الفنيون السوريون من تقديم اعمال عظيمة تورد في موارد الاعمال الفنية العالمية .. ولا ادري لماذا لم يقم الفنيون السوريون بتقديم هذه الاعمال باللغات العالمية حتى تنفذ الى وجدان المشاهد العالمي الذي يتقبل ما يفرض عليه من اعمال فنية يقوم العاملون بها بتضمينها افكارا سياسية او اقتصادية معينه تجعله يكون فكرة ربما كانت خاطئة . . خاصة وان الانسان الغربي ليس لديه الوقت الكافي للتفكير بما يمكن ان يكون .. بل يتقبل ما هو كائن .. وابلغ دليل على ذلك ما تقوم بع ستوديوهات هوليود من تقديم مواد دعائية في صورة الدرما تسقط هذا وترفع ذاك وفق الافكار السياسية التي يحملها الفنيون او المسؤولون عن التمويل في تلك الاعمال .
لقد قادنا اولئك الى غوص في التاريخ العربي عبر اعمال رائعة .. ورغم اننا نعيش في بلاد الغربة . . وجذورنا تقتضينا ان نظل مرتبطين بالكتاب والكلمة والاعمال الفنية العربية .. ورغم انقطاعنا عن هذه الجذور فترة ليست قصيرة قبل ظهور الفضائيات .. فاننا اليوم نفخر باننا قد عدنا لتلقي ما يأتينا عبر هذه الفضائيات من اعمال تربطنا مباشرة بالعقل العربي الذي لا نريد تغييره رغم ما يلقى الينا من مواد تجعل الجيل الثاني ما لا يلتفت كثيرا الى ما يأتينا من الوطن .. الا ان تلك الاعمال لا تعدم الوسيلة التي يمكن ان تقرب المسافة بين الاجيال عبر تقديم الاعمال الفنية العربية السورية بلغات عالمية يمكن ان تدخل الى عقل المشاهد وتدعوه للنظر فيها بعين التمحيص خاصة وانها لا تقل فنيا بحال من الاحوال من الاعمال الكبيرة التي نتلقاها في بلاد الغربة . وابلغ دليل على ان اطفالي الذين ولدوا في الغربة .. وكانوا يعزفون عن مشاهدة الاعمال الدرامية العربية لجعلهم باللغة .. قد اصبحوا اليوم ومن خلال الفخامة الفنية القادمة الينا من الوطن .. يسألون ويستقصون ويستفسرون ..واصبحوا يجلسون الى التلفزيون مساء لكي يشاهدوا مسلسلا مثل مسلسل الحجاج مثلا .. وبدلا من اطلاق اسماء مثل جريندايزر او رامبو او غيره على اسماء بعضهم .. اخذوا يطلقون اسماء مثل الباشق و الظافر و الباسل ..واخذوا يدخلون الى تاريخ العربي من خلال تلك الاعمال الفنية العظيمة .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة