صراع القمة بين اليوان الصيني والدولار الأمريكي! وأسئلة أخرى – بقلم : بكر السباتين

دراسات ….
بقلم : بكر السباتين – الاردن …
في الصراعات الكبيرة يهزم عادة الطرف الذي يفقد خياراته.. ورغم ذلك لن يخرج من أتون المواجهات بل يتحول إلى حليف برتبة بيدق على رقعة الصراع مع الخصوم الأقوياء للطرف المنتصر.. هذا ما خطر لي وأنا أحاول فهم الصراع الصيني الأمريكي منذ مجيء ترامب.. لذلك فقوة الصين في مواجهتها مع الولايات المتحدة الأمريكية تكمن في خياراتها الاستراتيجية، مثل استهداف الدولار باليوان، وتحالفها مع خصوم أمريكا الأقوياء مثل روسيا، ثم الدخول إلى الاقتصاد الإيراني المحظور وكسر المحرمات الأمريكية إزاءه، لتوفير مصادر الطاقة وفتح بوابة آسيوية للصين عبر طهران إلى أوروبا.
إذن الصراع الصيني الأمريكي في جانبه الاقتصادي يقوم على اختبار كل دولة لعملتها في صعيد عالمي، وخاصة أن موقف اليوان يجد تشجيعاً أوروبياً لمواجهة طموحات ترامب الإقصائية في أوروبا الغربية وخاصة ألمانيا.. خلافاً لما كان عليه الحال قبل مجيء المقامر الأشقر ترامب الذي غير كل قواعد الصراع وخاصة في المجال الاقتصادي والدخول في مواجهات فعلية على الأرض بين العملاقين الباندا الصيني والعم الأمريكي سام.
وفي سياق متصل ما زال العالم يعيش تداعيات وعود ترامب الانتخابية القائمة على إعادة أمريكا إلى موقع القطب الواحد التي كنا في الشرق الأوس أكثر من دفع فاتورتها ثم جاء العملاق الصيني الذي ما زال في موقف القوي إزاءها، إذْ لم يُفوِّت الرئيس الأمريكي مناسبة إلا وانتقد الصين، وسياساتها الاقتصادية والتجارية، فبعد تثبيت سعر صرف اليوان أمام الدولار الأمريكي في يناير 2017، فإن الصين بذلك عملت على تثبيت قوة العملة الصينية وسيطرتها مقابل الدولار؛ إذ إن بكين التي تتحكم في اليوان، لا تسمح له بالهبوط أو الارتفاع، بأكثر من 2% يوميًّا، وذلك لمنع تقلبات العملة، والاحتفاظ بالسيطرة عليها؛ لذلك وفي أبريل من العام نفسه ذكر ترامب بأنه يجب تسمية الصين بدولة «تتلاعب بالعملة» ومن هنا بدأت المواجهة تتخذ طابعاً بنويوياً عميقاً. وليس خافياً على أحد في أن تخفيض سعر العملة، أو حتى تثبيت سعر الصرف، شكَّل تخُوفًا رئيسيًّا للرئيس ترامب، ومن قبله الرئيس أوباما؛ إذ إن الصين بذلك تدعم منتجاتها المختلفة في الأسواق العالمية، من أجل غزوها حتى باتت الصناعات الأمريكية الاستهلاكية في موقف حرج، إذ بات عليها أن تنتج هذه السلع في مصانع أمريكية تعمل في الصين حتى تقلل من تكلفتها من أجل دخول الأسواق العالمية بأسعار تنافسية وقد تجد مخرجات هذا الواقع في غضون جولة ما في الأسواق الشرق أوسطية ومنها الأردنية على سبيل المثال، فالدمغة الصينية باتت هي المسيطرة؛ وما زاد الطين بلة هو التنافس المحموم في مجال السلع التكنلوجية وكسر كل المحاذير الأمريكية من قبل المنتج الصيني الذي أبدى قدرة فائقة على التنافس الشديد.. وهذا يعني بأن زيادة صادرات الصين باعتبار أن منتجاتها ذات أسعار أرخص من مثيلتها الأمريكية، يؤثر بشدة في الصادرات الأمريكية، ويقلل العائد من صادرات الولايات المتحدة، وهو ما سبب تخوُفًا للرئيس ترامب، وذلك نظرًا إلى أنه يزيد من قيمة العجز التجاري بين البلدين. من هنا اعتبر ترامب إصداره رسوم جمركية عقابية على بعض الواردات الصينية إجراءً وقائياً.
إن الأزمة الاقتصادية بين الصين وأمريكا آخذة في التفاقم بالعمق، وتتخذ طابعاً تصعيدياً بين اليوان الصيني والدولار الأمريكي.. وفي سياق ذلك تحاول الصين تعرية الدولار الأمريكي أمام مستخدميه في العالم من خلال لُجوء بنك الشعب الصيني بشراء ما قيمته 100 مليار دولار من الذهب في إطار الحرب التجاريّة مع أمريكا، والتحالف مع روسيا من أجل إقامة نظام مالي جديد يُنهي هيمنة الدولار الأمريكي. ويرى خبراء صينيون بأنه في غضون خمس سنوات سيتصدر اليوان قائمة العملات العالمية باقتدار ومن الطبيعي أن يُفهَم هذا التوجه الصيني على أنه استمرار في تنفيذ الاستراتيجية الصينية الرامية إلى توفير غطاء من المعادن الثمينة لعملتها اليوان حتى تحافظ على ثقة دول العالم، ويعزز مساعيها لإضعاف الدولار الأمريكي، وإنهاء سيطرته على النظام المصرفي العالمي، حيث يصِل حجم الاحتياطي الصيني من الذهب حواليّ 1885 طنًّا مما يضعها في المرتبة السابعة، مقابل المخزون الأمريكي الذي يصِل إلى 8133 طنًّا ما يضع بلاد العم سام في المرتبة الأولى,, ولكن الفرق بين المخزونين أن المخزون الأمريكي لا يغطي ما تطبعه أمريكا من الدولار، وهو ما تصمم الصين على تجاوزه.. ولنأخذ بعين الاعتبار أنّ الذهب يُشكّل دائمًا الملاذ الآمن في ظل تصاعد التوترات العسكرية على أكثر من جبهة في العالم، وخاصّة بين الولايات المتحدة وإيران في مضيق هرمز حيث تستورد الصين معظم احتياجاتها من النفط التي تقدر بحوالي خمسة ملايين برميل يوميًّا.. لذلك أعلنت الصين عن عزمها استثمار ما قيمته 280 مليار دولار في قِطاع الطاقة (الغاز والنفط) الإيراني، وتحويل إيران إلى شريك تجاري رئيسيّ.
ولم يأت القرار الصيني من باب الارتجال والرجم بالغيب لأن الرؤية الصينية بعيدة المدى ومحبوكة مع جملة من المصالح الصينية المشتركة مع دول الجوار وخاصة الصين حيث يجمعهما مشروع ميناء غوادر على بحر العرب.. من هنا يقرأ الخبراء دوافع الصين للاهتمام بالعلاقة الاقتصادية مع إيران، لجعلها البوابة الآسيوية إلى أوروبا حتى تطيح بسطوة الاقتصاد الأمريكي في عالم تتحكم به المصالح والرهانات على التكتلات الاقتصادية التي تسعى لضرب الدولار وإخراجه واهناً ومكشوفاً.
والسؤال هو هل تساعد الظروف في تحقيق كل طرف أجندته الاقتصادية على خلفية التداعيات السلبية الداخلية لهذا الصراع البيني.. ناهيك عن المشاكل التي تواجه ترامب من قبل خصومه الديمقراطيين وحالة الركود التي من المحتمل أن تصيب الاقتصادين العملاقين، أضف إلى ذلك ما تشهده الصين من اضطرابات في بعض الأقاليم وخاصة هونغ كونغ.. الرهانات بين العملاقين مفتوحة واليوان يكتسب مناعة أمام الدولار.. والأسئلة تتوالد في صراع ستمس مخرجاته العالم.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة