صناعة الجهل في النظام السياسي العربي – بقلم : عبد الحي كريط

دراسات ….
بقلم: عبدالحي كريط كاتب وباحث مغربي …
من الأمور التي كنت دائما اطرح فيها تساؤلات عديدة وتقض مضاجع فكري وتطرق باب عقلي خاصة بعد ثورات الربيع العربي وماأعقبه من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية اليمة تفشي ظاهرة الجهل في عصر السماوات المفتوحة والقرية الصغيرة في النظام العام والسياسي العربي الذي جعل هذا الاخير من الجهل كمنطلق أساسي وهندسي نحو تدجين شعوبها من خلال الإعلام والصحافة والنخبة وان اختلفت في الشكل والمضمون وهذا لايعني ان هندسة الجهل مقتصرة فقط على الدول الغير الديمقراطية بل أن هذا الأسلوب قائم بذاته حتى في اعرق الديمقراطيات وأضحى علم الجهل أو الاكنوتولوجيا (agnotologie)
علما قائم بذاته ويدرس في الجامعات والمعاهد خاصة في علوم الاقتصاد والإدارة والإعلام وقد صاغ هذا المصطلح المؤرخ (Robert N. Proctor) عام 1922 ومنحه رؤية جديدة لدى تيار تاريخ العلوم وجعل من
الجهل ذاته موضوعا للدراسة والبحث بدل السؤال الكلاسيكي للابستمولوجيا و أيضا السؤال الكلاسيكي للسسيولوجيا وتاريخ العلوم ومايهمني في هذا الموضوع هو كيف أضحى مفهوم الجهل في النظام السياسي العربي ركنا أصيلا وأساسيا في خداع شعوبها وتدجينها تحت مسميات ومفاهيم براقة مستغلة بذلك الدين وشرعنة هذا الجهل من خلال مفهوم وان جلد ظهرك وأخذ مالك ,فخلق الجهل يأتي من عوامل متضافرة ومتشابكة العناصر ومن طرق متعددة سواء ذلك من خلال الإعلام أو التعليم او الأسرة أو من خلال استغلال النخبة في بث الجهل وهندسته حسب قياس الحاكم بل تعدى ذلك حتى إلى جعل منابر المساجد بوقا في شرعنة الجهل وإلباسه لبوس القداسة وتعميم الجهالة ودس السم في العسل في مواضيع خطب الجمعة التي أضحت تتمحور حول عبارة واحدة ألا وهي أطفئ مصباح عقلك واتبعني , لتكون المحصلة في الأخير إنتاج شعوب جاهلة ومستعبدة , ولقد كشف لنا الربيع العربي مدى صناعة الجهل في مصانع مؤسسات الدولة وسقطت أقنعة من وجوه كنا نعتقد بالأمس القريب أنها تمثل نبض الوعي الجماهيري وهي في الحقيقة أداة حادة في يد أنظمة التجهيل والاستغباء من خلال تضليل الرأي العام بمناهج واليات وأهداف مسطرة في أجندات الجهل وأثاره الامتدادية بشكل أفقي مما يؤدي إلى حالة من السكون والبلادة الثقافية والفكرية والسياسية ويصبح المشهد العام مميع مثل المخاط , مخاط يثير القيء أكثر مما يثير القرف .
فالاتجاه العام الذي يريده النظام السياسي العربي والذي ترسخ أكثر فأكثر بعد موجة الربيع العربي هو تشكيل ملامح وعي جمعي يسير نحو الاعتقاد بأن الدولة والنظام هما مختصران في شخصية الرئيس أو الحاكم فلا تكاد تميز في إحكامهما بين الرئيس كموظف مستأجر للقيام بمسؤولياته الكاملة تجاه المجتمع والدولة لفترة محدودة دستوريا وبين الدولة ككيان طبيعي ومادي وبشري له عمقه التاريخي وامتداده الحضاري وبين النظام الذي ينقسم إلى نظام الحكم والنظام السياسي فالأول يرتبط أساسا بسلطات الحكم الثلاث المتمثلة في السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية وعلى أساس طبيعة وفعالية هذه العلاقة المعادلالتية التي تنتج أما بالانفصال أو الاندماج أو التعاون أو الانفصال المرن وتكون النتيجة النهائية نحو تصنيف نظام الحكم إلى ملكي, رئاسي, شبه رئاسي , برلماني , جمهوري, فدرالي , النظام المجلسي … الخ
أما الثاني النظام السياسي فهو طريقة وأسلوب في تسيير الشأن العام وهو أوسع من نظام الحكم وعلى أساس الأسلوب المتبع في إدارة الشأن لعام يوصف بأنه ديمقراطي , تسلطي , شمولي , تسلطي ذوواجهة ديمقراطية.
فقطاع واسع من مجتمعاتنا العربية المختلفة لازالت لاتفرق بين هذه المصطلحات المركزية ولهذا تجد بعضهم حتى بين الأوساط المثقفة يترسخ لديه شعور في اعتقاد ان بقاء الدول مرهون ببقاء حكامها وتخليدهم في الحكم وتقديسهم وقد أصاب الفيلسوف والمفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري في توصيف نفسية طبيعة الانطمة السياسية العربية والواقع كما حلله وفسره في المنطقة انه يتمحور حول الكرسي فالسلطان قد يقبل الشرك بالله لكنه لايقبل الشرك به.
فتأسيس الجهل ومأسسته وتقديسه هو لب النظام السياسي العربي بمختلف أشكاله وأنظمته الدستورية وهذا راجع أيضا حتى إلى الموروث التاريخي الذي لازال ينبض ماضيه بقوة وتغلل في ثنايا الحاضر الذي رسم لنا عالما عربيا أشبه بسجن كبير يديره مجموعة من الجلادين والمجانين والمرضى النفسيين.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة