القبلة الزجاجية — قصة : شوقيه عروق منصور

القصة ….
قصة قصيرة – شوقية عروق منصور – فلسطين المحتلة …
لم تعرف طعم القبلة بين عاشقين ، رأتها في لقطات سينمائية وتلفزيونية ، أو صوراً في المجلات والصحف وأغلفة الكتب ، كانت تخجل عندما تحمل شاشة التلفزيون صورة للبطل وهو يقبل البطلة خاصة في نهاية الحكاية الغرامية ، كأن النهايات يجب أن تكون بطعم القبلات . وتضحك في سرها عندما كان والدها يهرع الى شاشة التلفزيون ويقوم بتغطيتها بشرشف أو أي غطاء يلمحه قريباً منه حتى لا ترى ابنته القبلات ، ووالدتها تتشاغل بالكلام مع أولادها للهروب من ذلك الموقف أو تقوم بسرعة الى المطبخ لكي تعد وجبة سريعة ، مع أن اخوتها لم يطلبوا ذلك ، وهي تعلم في سرها أن والدتها هربت من رؤية القبلات .
لكن في تلك اللحظة شعرت أن حواسها قد تكومت وعانقت شفتيها ، أحست بشيء يذوب كالسكر فوق يقظة الاحمرار الندي الذي أخذ يتمدد حول فمها بجرأة و يرقص في هذيان ، ولم تستطيع السيطرة على ارتعاش الهذيان .. سمعت الجندي الواقف يقول لها :
– اقتربي من الشباك ..!!
لقد رأته من خلال واجهة الزجاج العريضة التي فرشت بلورها على مساحة كبيرة وقد قسمت الواجهة على شكل نوافذ ، وكل نافذة لها خصوصيتها في اللقاء مع المساجين ، اقتربت من النافذة الزجاجية المخصصة للقاء، رأته .. توترت ، عرقت ،نشف ريقها والتصقت بالنافذة كأنها تريد احتضانه .
بعد اربع سنوات تراه لأول مرة ، لقد اختلفت ملامحه عن السابق ،شعرت ان تقاسيم وجهه القديمة قد ركبت صهوة الزمن ورحلت ، والآن هناك عتمة تتسلل من غضبه المتصالح مع التجاعيد التي بدأت تظهر .. ابتسم .. بادلته الابتسامة التي احكمت ستائرها خوفاً من غضب والدها الذي يقف الى جانبها .
دامت خطبتها له اسبوعاً واحداً ، كأن القدر أراد أن يغازل عواطفها ثم قرر ان يلقي بهذه العواطف في مستنقع العقاب ، اذ في الأسبوع التالي تم القبض عليه بتهمة أمنية ، وبدأت تعيش في دائرة البطولة والوطنية والشعارات مرة وفي دائرة الهرب واللوم والابتعاد مرات عدة ، لكن والدها اختصر الوضع فائلاً لها : ” بنت الأصل لا تتخلى عن رجلها وقت الشدة …وانت بنت أصل عليك احترام خطيبك والمحافظة على سمعته حتى يخرج من سجنه ” .
لقد تمت خطبتها بصورة تقليدية ، رأتها والدته في أحد الأعراس وأعجبتها وبعد أن سألت عنها جيداً الأقارب والجيران وتبين أنها – بنت ناس – تقدم والده لوالدها وكان الاتفاق السريع الذي لم تعرف تفاصيله ، هي فقط كانت المرأة التي بدأت تطالب عقارب ساعة الانوثة الى موعد اللقاء .. التقت به سريعاً .. وحين سألتها صديقتها عنه وعن صفاته هتفت ” هذا فتى احلامي ” .
أثناء جلسات المحكمة ظهر لها الوجه الآخر له ، أنه ليس الفتى الجميل الحالم ، فخلف الوجه المبتسم هناك أصواتاً تطالبه بالقيام بواجبات وطنية سرية ، وكان القاضي يحرك تلك الواجبات التي وجدها مكتوبة في الأوراق وينفخ في رمادها حتى يعود الرماد الى حالته الأولى الجمر الملتهب .
وكان بين القاضي والمحامي الذي يقف الى جانب خطيبها للدفاع عنه مباراة الأول يشعل الجمرات والثاني يقوم بإطفاء الجمرات ، ولكن كان القاضي بصوته النشاز يطوقهم جميعاً بطوق من الرعب والهلع والانتظار البائس .
وكان الحكم المفاجيء والقاسي والمؤلم السجن عشر سنوات، لم تستوعب بداية ما معنى عشر سنوات لكن مع مرور الزمن لم يعد لمشاعرها أجنحة تطير وتتسلل وتنفذ من بين قضبان السجن لتصل اليه وتحدثه عن انتظارها وشوقها اليه، عن تعبها من كلام الأصدقاء والجيران والمعارف .. ” تنتظري عشر سنوات .. لا يوجد رجل يستاهل الانتظار .. انتبهي لنفسك .. بكرا بتصيري عانس ” .
على وقع الأيام كانت تشتاق له أحياناً ، تتمنى أن تراه .. تضمه ، تقبله ، ثم تغرق في خجل يحشرها في تأنيب ضمير وتحاول النسيان ، وفجأة تلدغها افاعي الغيرة من صديقاتها اللواتي يعشن حياة طبيعية مع ازواجهن وأولادهن ، أما هي فمشاعرها المسجونة لا تستطيع الانطلاق ، تحاول تمثيل دورها كخطيبة سجين ستنتظره مهما طال الزمن ، كذلك والدها أتقن لعبة بث الروح في السنوات الباردة ، حتى أنها سمعته في احدى اللقاءات الاذاعية مؤكداً أنه يجب الوفاء وتقدير السجناء والأسرى الأمنين .
الآن بعد مرور اربع سنوات يوافق والدها أن تزور خطيبها في سجنه ، بعد أن تعب من نظراتها الحائرة وصمتها الذي يجلده كلما سمع تنهداتها وتأمل شرودها والبراكين الثائرة في اعماقها .
في البداية قال لها : أن إدارة السجون تمنع زيارتها له ، لكن عرفت بعد ذلك أن والدها كان يرفض زيارتها ،لا يريد أن تتشبث بأمل بعيد ، لعل وعسى أيضاً يجد مخرجاً كي يفك الرباط بين ابنته والخطيب السجين ، منذ زمن وهو يفكر في فسخ الخطوبة لكن يشعر بالخجل من عيون المحيطين به ، سيكون في نظرهم الخائن والمتخاذل والهارب من قضاياه الوطنية .
بينهما الآن اللوح الزجاجي البارد ، تعمدت الاقتراب أكثر حتى التصقت بالزجاج ورأت بخار أنفاسها يرسم خطوطاً دائرية ، وفجأة وضعت شفتيها على الزجاج وعلى شكل قبلة كان تحنيط اللحظة ، ارتبك الخطيب السجين لكن تماسك ووضع شفتيه على الزجاج واحتضن القبلة ..!!
امسك والدها بذراعها ، تذكرت الآن أن والدها يقف الى جانبها ، تدلت رقبتها وأخذت تبحث عن هواء بعد أن شعرت بالاختناق وبنظرات والدها الجنونية .
خلف الزجاج وقف خطيبها متأملاً خاتمة القبلة ، حاول التكلم مع والدها فلم يستطع لأن الوالد هرول خارج القاعة وهو يرتجف غضباً .. كيف قامت ابنته بهذا الفعل المشين .. ؟!! كيف تجرأت وقامت بتقبيله ؟! كيف أقدمت على هذا التصرف أمام من كانوا في القاعة وأكثرهم من معارفه أو من القرى المجاورة قدموا لزيارة أولادهم السجناء ؟!
في تلك الليلة بعد أن قام بضربها وحبسها في الغرفة ، أتصل والدها بوالد خطيبها السجين وأعلن فسخ الخطبة دون ابداء الأسباب ملخصاً الرفض قائلاً :
– ما في نصيب !! وأغلق الهاتف .
اقسم والدها أن يطلق والدتها إذا قامت بفتح الباب لها ، و بقيت في الغرفة لا تخرج من بين جدرانها الا نادراً ، وعلمت أن قبلتها قد أصبحت حديث قريتها .. حتى أن أحد أعمامها قد طالب والدها بقتلها .
لم تتزوج لأن لا أحد يقبل أن يتزوج بامرأة منحت قبلتها لرجل حتى لو من خلف الزجاج . و سمعت بعد مرور سنوات أن خطيبها السجين قد خرج من السجن ، لم يسأل عنها ؟! أو يعرف مصيرها ؟! لقد تزوج من أبنة عمه التي كانت صغيرة السن تلعب في الحارة عندما سجن ، كبرت في غيابه وأصبحت شابة ، وأصر العم أن تكون أبنته زوجة لأبن أخيه خاصة بعد أن اتصل والدها معلناً ” ما في نصيب ” لقد شعر العم بالخنجر يغرز في ظهر ابن أخيه السجين فقدم بابنته الشابة على مذبح التعويض.
لقد دفعت ثمن القبلة الزجاجية والتي ما يزال والدها يعايرها بها كلما حاولت التمرد عليه وعلى سجنها الطويل .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة