تكريم الفنان العالمي عبد الحي مسلم زرارة رائد الفطرية والترقين – بقلم : بكر السباتين

فن وثقافة …..
بقلم : بكر السباتين – الاردن …
ربما كانت خطوة متأخرة بعض الشيء أن يتم تكريم قامة ثقافية عالمية، الفنان عبد الحي مسلم زرارة، لكنها جاءت أخيراً لتورق في النفوس الظامئة إلى الأصالة والوطنية الحقيقية في زمن الاغتراب والأفول..
كانت مبادرة من قبل رابطة الكتاب الأردنيين فرع الزرقاء بالتنسيق مع اللجنة الثقافية لمجلس عشائر الدوايمة، لتكريم الفنان العالمي وابن الدوايمة البار عبد الحي مسلم زرارة، في مقر المجلس الكائن بجبل الزهور يوم السبت الموافق 1 سبتمبر 2019، وقد انحنى ظهره إثر حمله الثقيل للذاكرة الفلسطينية عبر مسيرة طويلة تجاوزت التسعين عام قضى معظمها في تسجيل معالم الذاكرة الفلسطينية التي حاول العدو الصهيوني طمسها، من خلال مشروعه الفني التشكيلي، الراسخ بثبات في المشهد الثقافي الإنساني.
وكنت قد كتبت كتاباً عنه بعنوان ” الفنان عبد الحي مسلم زرارة رائد الفطرية والترقين” عام 2002.
أنه الفنان عبد الحي مسلم زرارة، أحد رموز النضال الفلسطيني، والذي بقي أربعين عاماً يتلقى دروسه في الحياة، وقد عانى خلالها أقسى ظروف الشتات، حتى تخمرت في قلبه الشفوق تجربته الفذة، وكأنه انتظر فرصة امتلاكه للأداة المناسبة في التعبير.. وكان له ذلك حينما تعلم النجارة، إبان التحاقه بسلاح الجو الليبي، مستخلصاً خامته من نثارة الخشب والغراء، فيما راح يمارس حريته في تشكيل انفعالاته وفق رؤيته الناضجة المخضرمة ببساطة اكتسبها من رغبته الجامحة في التعبير لإثبات الذات، وللدفاع عن حقوقه الوطنية المسلوبة، وكأنه يراهن على اكتمال أدواته الفنية من خلال التعبير المبتكر بها، متجاوزاً مرحلة اختباره للأسلوب ضمن التعليمية التي كانت ستفرض عليه جملة من الشروط التي لا بد من الأخذ بها.. فكان عليه التصدي لهذه الإشكالية وتجاوزها باعتماده على التعبير الفطري.. متحرراً من كل القيود، ومستمداً ألوانه من قلبه الملتهب، تتحكم مشاعره بكل انفعالاته، فيتجرد من البكائية في التعبير، والتطبيل الأجوف، والتوعد الحالم، مسخراً كبرياءه في إدخال المشاهد إلى قلب الحدث، فيما يكتفي الفنان بالإشارة إلى ما يجري، لأن بكاء الفنان استجداءً سيغطي على الحدث، من هنا أخذت فطرية الفنان عبد الحي زرارة دورها في استقطاب المشاهدين إلى قلبها.. ليخرجوا وفيهم شيء مما يبتغيه الفنان.
تنقل الفنان في المنفى بين ليبيا والشام وبيروت ليستقر أخيراً في عمان، ومن بين تلك المدن التي أقام فيها.. أخذته نزعة الحرية إلى أرجاء العالم، موقداً في كل عاصمة أو مدينة شعلة، حتى صار الحديث عن عبد الحي زرارة مدخلاً لطرح تفاصيل القضية الفلسطينية.. سياسياً وثقافياً.. يبهرك وهو يتحدث عن هموم الإنسان الفلسطيني وفق رؤيته، والتي يتمازج فيها منطق العقل المجرب بمشاعر الفنان الملتزم، فتزدحم في رأسه الصور والتجارب المعبقة بطعم الحياة بما فيها من متناقضات، يقدم طرحه وعلى متنه الدليل، فهو لا يعرف المواربة، فيأخذك على متنه من تجربة عاشها، أو شخصية التقاها، أو قضايا وإشكالات تصدى لها بريشته، أو مأساة شخصية حذفت إليه.
وكانت محاوره في التعبير تتمركز حول تداعيات القضية الفلسطينية معتمداً في ذلك على الذاكرة الخصبة المشحونة، والعين التسجيلية الناقدة للمستجدات، فتأخذه الذاكرة أحياناً إلى خصاب طفولته، حيث ترعرع يتيماً في كنف والدته الصابرة المكافحة، مرفهً بمحبتها، ومغموراً بالعاطفة والحنان بين شقيقاته الأربع اللاتي عاش بينهن وحيداً، ثم عماته المكلومات وهن يستجمعن صورة شقيقهن المرحوم من خلاله، دافعاتٍ إليه كل مشاعرهن الجياشة.. حتى خالاته الشفوقات وهن يطاردن فلول الحزن في أعماقه كي ينعم الصغير بالفرح والأمان في ظل طقوسهن معه.. حتى تتوهج اللحظات في قلبه الثلجي.. بعيداً عن طقوس الحداد التي لازمت أجواء الأسرة، كما لازمت الدموع الساخنة مآقي الأرملة (أم عبد الحي) وهي توصد الباب في وجه آخر عريس تقدم للزواج منها.. وحال قلبها يقول: ـ “لأجل عبد الحي كل شيء يهون”.. ولأجله أيضاً.. انهزمت معنوياتها ذات يوم في سقطة واحدة.. بل وأحست بالنار تأكل ضميرها البريء، والدموع المتفجرة في عينيها الغائرتين تغسل وجهها الشاحب.. فحال الصغير لا يعجبها.. فقد قدمت كل ما لديها لأجل أن يشتد عوده، ويسمن ولو قليلاً.. فتذهب جهودها سدىً.. ثم تتنفس الصعداء متمالكة مشاعرها عندما يهرب الصغير إلى رغيف الخبز كي يلتهمه بنهم شديد.. تتقدم منه.. تربت على كتفه.. تشحن في جسده النحيل قوتها.. لحظات تجللت بالقداسة في وجدان الطفل الذي شب عليها.. الأم التي من خلالها شكل الفنان عبد الحي عالمه الساحر، كان يخرجها من الحلم.. فيطوعها انسجاماً مع مشاعره ضمن تكوين ينطق بالحقيقة.
وظلت الأم توقد مشاعرها بالحياة، فيما ظل يخجل من نحافته التي أبكت أمه ذات يوم، هذه النحافة التي غدت كسارية العَلَمِ وهي تحمل رأسه المثقل بالهموم.. والمتأرجح بذاكرة خصبة.. لا تأبى العودة إلى مشاهد طفولته الأولى، والتي تتوسدها الأم، والعمة، والخالة، والجارة، بكل قوة وانبعاث، وإزاء ذلك تمرنت عينه على التنقيب في صناديق الجدات، والمطرزات التي تغطي الثياب والنمارق وأدوات الزينة، إذ كان مصرح له وهو طفل بان يطلع على أدق أسرار المرأة التي أغدقت عليه المحبة والأمان.
فقد أخذته أيضاً إلى ما شهده صغيراً من حياة شعبية وتراث مبهر، وما قاساه بعد ذلك من تشرد وعذاب عاناه وأهل قريته الدوايمة، على أثر مذبحتها الشهيرة والتي اقترفها الصهاينة بدم بارد.
لذلك كان للدوايمة حضورها القوي في ذاكرته المرجعية، لا بل جعل ينهل من معينها كل مفرداته الوطنية والإنسانية، وكأن قرية الدوايمة هي كل فلسطين شكلاً ومضموناً، وخلاصة تداعياتها العسكرية والسياسية وما نجم عن ذلك من تداعيات إنسانية..
لا بل وتلتقي (الدوايمة) مع الأم كمفردة إنسانية في الألم والمحبة، فتفضيان معاً برحابة إلى مزيج الألم والمحبة، الإحباط والفرج، منطق النعامة في الاختباء، والصقور في الطيران، لعبة الموت والحياة، وسيادة منطق الصبر والتطلع، كل ذلك في بوتقة المخيم.. ذلك العالم المتناقض الذي ضم رمسه أسباب الحياة.. حينما باغت المكان بيبابه ضحايا النكبة من اللاجئين الفلسطينيين، لتأخذهم الدروب الحَلَقيَّةِ المفرغة إلى نهايات الضياع، ومن قلب المعاناة التي وحدت المشاعر.. تقلصت الأرحام.. في إرهاصات مؤلمة لولادة جديدة، تقاربت فيها المتناقضات، وانسجمت في قلب اللاجئ المهزوم مشاعر الصقور المكلومة، ليتحول الألم إلى إبداع وقوة.. ويغدو معها صلباً كالصخر، وحيّاً كالضمير، وخصباً معطاءً كالقمح.. وربت على الجباه ورود النصر.. تشق معها قوافل الشهداء طرقات العودة إلى الحياض السليبة، في ملحمة الشعب مع الغد الواعد..
هذا هو المخيم الذي اتخذ مكانه في ذاكرة عبد الحي وهو فتى يانعاً.. وكانت الطريق إليه عبر مذبحة الدوايمة عام ألف وتسع مائة وثمانٍ وأربعين، بداية النكبة، لتبدأ رحلة الفنان مع هذه المفردة التي تمثل الذاكرة الجمعية لشعب فلسطين.. فكل ملامح فلسطين وتداعيات النكبة تعطي المخيم شكلاً ومضموناً لذاكرة مفتوحة على المستقبل.
والمخيم الذي وألف بين الأذواق الاجتماعية والطبقية حتى بتراثها الشعبي وعاداتها وتقاليدها.. فأمست مداداً للمناضلين وهم يبدعون في المقاومة، وكانت مداداً للفنان عبد الحي زرارة.. مثلت فيه الأنا التي تخصه.. فظل حبيس هذا الرحم المقترح بالمعاناة، ظل فيه أربعين عاماً.. يستمد من خلاله حبله السري كل مفرداته.. ليولد فنان وفي محبرته سلافة مشاعره.. ليمتطي صهوة النضال بكبرياء وفي قلبه كل مفرداته المقدسة، حتى الإيمان بالنصر الأكيد.. والمبني على المقاومة بكل أوجهها.. وكان خيار عبد الحي الفن التشكيلي.. فأعطاه جلّى ما لديه.
***
دعونا في سياق هذا المقال ننقب في الموقع الريادي لتجربة عبد الحي زرارة عالمياً..
إن الوقوف أمام تجربة عبد الحي زرارة في الفن التشكيلي ستقود إلى تحديد دوره ما أمكن في تطوير التجربة الفطرية، وتجربة فن الترقين (المنمنمات) ضمن المجهود العربي في تطوير هذين النمطين من قبل الرواد العرب المشهود لهم.. والوصول بالرؤية العربية التشكيلية في إطارها الفطري، والترقيني إلى العالمية.
لذلك.. سندخل إلى تجربة عبد الحي زرارة من خلال الإطارين أعلاه.. مع التحليل المقارن لأساليب الرواد حتى نُبْرِزْ خصائص فن عبد الحي زرارة.. ودوره في تطوير الفن التشكيلي الفطري، وفن الترقين الأصيل.. ومن ثم التطرق إلى مرحلته الأخيرة، والتي يمكن تلخيصها بالمرحلة التعبيرية التأملية ضمن الأسس التعليمية الأكاديمية للفن التشكيلي.. وسنبحث في التجربة الأخيرة ما لها، وما عليها.
أولاً: المرحلة التشكيلية الفطرية:
في لقاء معه مع جريدة الرأي 2001 قال زرارة:
“الفن الفطري ليس هو الفن الذي خرج من القاعدة الأكاديمية، بل هو الفن المحض الذي تخلى عن العلم والأدب لكي يبقى فناً، وتخلى عن التشنج والأسى والوهم لكي يبقى فرحاً.. وصادقاً”
ترك الفنان عبد الحي زرارة بصماته واضحةً على الفن التشكيلي الفطري، من حيث الشكل والمضمون.. فاتخذت تكويناته ضمن التشكيل الفني دلالات ذات معنى..
فكان يدرك المتلقي ببساطة مدى الاستقرار التكويني في لوحاته التشكيلية .. وذلك بخطوطه المتعامدة.. ومرابيعه البشرية المزدحمة أو الهندسية.. والحلزونية .. المنسجمة جميعاً مع دلالات الشموخ والتحدي بمفرداتها الوطنية التعبيرية وقيمها الإنسانية، وبالتالي.. انسجام ذلك كله مع عذرية الألوان وبساطتها وهي تعبئ المساحات بما يتلاءم والفراغ المحيط.. وكانت التكوينات التحتية البارزة لوناً حوارياً آخراً تتقاسمه التكوينات مع الفراغ.. وهذا النوع من النون يحتاج إلى وعي خاص يتمتع به المتلقي إزاء الخطوط الطفولية الساذجة ضمن التكوين المتوازن إلى حد الاحتراف، لذلك.. كانت ومازالت تعرف المدرسة الفطرية في شمال إفريقية بالفن الساذج، حيث خاض عبد الحي زرارة أول تجاربه من هناك.
” أن أول من أشار إلى فن أولئك البسطاء من قصَّابين، وموظفي جمارك، من أمثال سرا فيم، (بومبوا)، روسو، وجعل النقاد والمتاحف يهتمون بأعمالهم، كان الشاعر العالمي أبولليز في بداية القرن العشرين.
وفي ابراتسلافا من مدن يوغسلافيا سابقاً، والتي أنجبت الفنان الفلاح غينراليتش، أصبحت مركزاً دولياً يستقطب كل عامين نتاج الفنانين في الشرق والغرب” كما جاء في كتاب رواد الفن الحديث في البلاد العربية- د.عفيف البهنسي .
ومن هؤلاء.. الفطريين الذين يصورون الطبيعة كما لو أنهم يعبرون عن متعهم أو أفراحهم بهذه الطبيعة.
في شمال افريقيا أطل الناس على هذا الفن التشكيلي الفطري، وكان على هذا الفن أن يصمد أمام تيارات الفن الوافدة، وأمام النقد اللاذع الذي يوجهه له المواطنون الذين عرفوا الثقافة، وأخذوا بمقاييس الفن والجمال التي وضعتها الأكاديميات الغربية.
لقد اغتنت تجربة عبد الحي زرارة الفنية لدى وجوده في شمال إفريقيا، وموطن الفطرية فيها (المغرب العربي)، وبالتحديد (ليبيا)، حيث كان يعمل هناك في سلاح الجو الليبي، وأثناء تفرغه، انهمك في تعلم مهنته النجارة، والتي ساعدته أخيرا على تعلم النحت، ومن ثم اكتشافه لخامته الجديدة، والتي حسبت له إذْ استخدمها في منحوتاته الفطرية البارزة (الريليف)، فاعتبر كأحد أهم المجددين في هذه المدرسة عالمياً.. ناهيك عن تميزه عن الكثيرين بالتزامه الوطني والإنساني، لذلك يعتبر عبد الحي زرارة رائداً مجدداً للفن التشكيلي الفطري على مستوى العالم، يقول عبد الحي زرارة في لقاء أجراه معه تيسير النجار 2001ونشرته العرب اليوم:
“اللوحة الملتزمة لا تقل أهميتها عن الرصاصة برسالتها في قلب العدو”
وكانت الخامة التي استخدمها الفنان، واستعملت لأول مرة في الفطرية والترقين. (نثارة الخشب، ومادة الغراء) فأقام معرضه التجريبي الأول بهذه الخامة في (ليبيا) عام 1978م، وقد احتفت به مدينة طرابلس الغرب مرتين، تلتها مدينة (الزاوية) الليبية الساحلية.. حيث أقام فيها معرضاً أخراً قبل أن يرتحل إلى سوري.
وقبل الخوض المقتضب في تجارب الرواد العرب في الشمال الإفريقي، علينا أن نتذكر وبشكل تحليل أن تجربة عبد الحي تميزت بالخامة الجديدة، وباعتماده أسلوب النحت البارز (الريليف)، من ناحية أخرى التزامه الوطني والإنساني، والذي اتخذ شكلي العبير الفطري، والتسجيل الفطري.. يقول عبد الحي زرارة: –
” الآن أحس نفسي أنني أؤدي وظيفتي تجاه القضية الفلسطينية بخشوع”
“أنا أعتبر أن الفن الذي أقدمه شبه توثيق لمعظم ما يلقيه الشعب الفلسطيني”
“إنني عايشت جيلاً مظلوماً، وتراكم الهم والشتات وعدم الاستقرار، فوجدت ضالتي بالفن”
ومن أشهر الفنانين الفطريين العرب: –
يحيى التركي: – من المغرب العربي، فنان فطري أثر كثيراً في الساحة التشكيلية العربية، يقول: –
أنني أشاهد ما حولي، وأعطي كل ما عندي كي أعبر عما توحي به إلى شخصيات بلادي ومشاهد حياتها اليومية
هذا هو المضمون الذي أخلص له يحيى في أعماله الفنية، حياة الناس اليومية في بلاده، عاداتهم، لباسهم، أشياؤهم، أنه المضمون السردي (الحكائي)، ومن هنا كانت أصالته..
لاحظ هنا التقاء تجربته مع تجربة عبد الحي زرارة في طابعها التسجيلي لحياة الناس الشعبية.. أنها تجارب منفتحة على بعضها إلى درجة العشق الجماعي..
أما الفنان علي بن سالم، والذي أقام عدداً ضخماً من المعارض في أرجاء أوروبا وفي تونس، كما قام بتأسيس مدرسة الفنون الجميلة في (صفاقس)، فقد امتاز أسلوبه ضمن (الفطرية) بالبساطة والشفافية، وبالتلوين الهادئ المنسجم.
وتمثل لوحته الشهيرة (الحمير) نمطه الفطري.
وقد أعادت تجربة الفنان محمد راسم عميد المصورين الجزائريين، (الفطرية) إلى الساحة التشكيلية الجزائرية.. فأبدع ضمن هذا الفن كذلك، الجزائري (محمد تمام)، وخاصة في لوحة (مسجد تلمان).
أما الجزائري بو بكر صحراوي فقد أدى تعلقه بهذا الفن للسفر إلى إيران لمتابعة تعمقه بهذا الفن، حتى أصبح شديد المحاكاة بالفن الفارسي، وهو يميل إلى (الترقين).. ولعله يشبه إلى حد كبير في تجربته، الفنان (عبد الحي زرارة)، من حيث الخلط بين الفطرية، وفن الترقين (أحياناً).
وتزدهر الفطرية كفن ضارب في المحلية، فتراقب الحياة الشعبية ببراءة بالغة الحساسية، يقول الفنان المغربي، وشيخ الفنانين هناك، والذي أصبح بيته متحفاً (مولاي أحمد إدريس): –
أنني أتعشق الحرية، ولا أحب التقليد، وأحب التقليد، وأحب أن يتميز فني بشخصيتي، لا أنتج إلا إذا أحسست وشعرت.
فنه فن الأطفال الكبار، الذين ينظرون إلى الأشياء ببراءة.. وهو أيضاً نحات بارز.
أما الفنانة شعبية طلال، والتي يمكن اعتبارها في مصاف الكبار التي أنجبتهم المدرسة الفطرية، وكانت قد مارست الفن الفطري وهي شابة يافعة في الخامسة والعشرين من عمرها.. تقول:
لا زلت أذكر أن أول مرة أمسكت فيها الفرشاة كانت رسم (حلم)، وأخذت أضع على اللوحة ما يتراءى لي من صور ورؤى في أفكاري، وما أحس به يتمخض في داخلي ووجداني، ويريد أن يخرج إلى حيز الوجود، ولا زالت هذه هي طريقتي في الرسم، أعبر بواسطتها عما يتفاعل في أعماقي من إحساسي وأحلام ورؤى.
بقي لنا الحديث عن الفنان سعيد بن يوسف، الإنسان، الأمي، الراعي، البسيط، هو فنان أغادير اليوم، الذي يسجل بشغف أرق الأعمال الساذجة.
ومن مبدعي هذه المدرسة أيضاً الفنان المغربي أحمد الورديغي، وخاصة لوحته الجميلة (آدم وحواء)، وهناك الفنان محمد بن علال والذي تمتاز أعماله بالتسطيح.
ويطرح السؤال نفسه.. وهو ما يجول في خواطر الكثيرين من نقاد هذا الفن، (هل يعتبر هذا افن الفطري نتاجاً موضوعياً شجعه المستعمر الأجنبي كصورة متخلفة للفن العربي.. وخاصة أن ازدهار في المغرب العربي جاء معادلاً للمسخ الثقافي، وللإلغاء الحضاري الذي انتهجه الاستعمار الفرنسي، مثل الغاء العربية كمعقل للسان العربي هناك ؟؟)
وللإجابة على هذا السؤال، تجدر الإشارة إلى أن الأوروبيين هم أول من أشار إلى مجموعة الفنانين الفطريين بانبهار، كما أسلفنا الذكر، حتى عجت أكبر مدنهم بنشاطاتهم.. وقد لمعت منهم أسماء كبيرة، من أمثال سرافيم، وروسو، وغيرهما..
لا بل “أن تجارب أشهر فناني العالم من أمثال سيزان، وهنري ماتيس، وبول كلي قد أخذت من تراث هذا الفن الفطري مباشرة في المغرب العربي، وذلك في نزعتهم إلى التبسيط، وتأثرهم بالشرق” كما ورد في كتاب رواد الفن الحديث في البلاد العربية- د.عفيف البهنسي .
ولعل تجربة عبد الحي زرارة تلخص الإجابة الشافية، في أن الفن الفطري، استوعب حمل الرسالة الوطنية للشعب الفلسطيني، إلى الضمير الإنساني.. وكانت فطرية هذه التجربة بما فيها من أصالة والتزام بالهم المحلي، هي عنوان الدعوة إليه، من قبل عشاق هذا الفن في أصقاع الأرض.. الأمر الذي بوأه مكانته العالمية هذه.. كفنان فلسطيني عالمي..
إن الفطرية وهي الضمير المخلص، ودغدغات ذلك الطفل القابع فينا.. كفنانين، ومتلقين، ونقاد.. وذلك (بطبيعته).. فهو الأبعد عن المسخ الذي يضعه عادة المستعمر في ضحاياه، وفي حدودها عند عبد الحي زرارة، فقد كانت مرحلة أولى في تجربته الشاملة.. والتي تخللتها مرحلة أخرى هي مرحلة (الترقين).. واللتان استحوذتا معاً على جلى مسيرة الفنان، وصولاً إلى دخوله المرحلة الأخيرة، والتي مارس الفن فيها ضمن قواعد الفن التعليمي الدقيق.
لقد أطلعت في مرسمه على أعمال تكاد تنطق من فرط دقتها وشاعرية التعبير فيها.. حيث ركز فيها على المرأة كمستحوذ لوجدانه، فأطلقها عبارة تماماً كالحرية، أو شامخة على هرم التحدي.. كما سنتطرق إليه في حينه.
ثانياً: – تجربة عبد الحي زرارة في فن الترقين.
وفن الترقين (المنمنمات) عريق جداً، وتمتد جذوره إلى بدايات الحضارة الإسلامية في بلاد فارس، ثم امتد إلى تركيا، والعراق، وأوروبا، والمغرب العربي.. هذا الفن الذي أسهم فيه (عبد الحي زرارة) بتميز..
والترقين هو اسم المشاهد الواقعية أو التعبير عنها، مع تجاوز مبادئ المنظور والظلال والنسب ومع إظهار خطوط الرسومات واضحة، وذلك كله ضمن تكوين منسجم.. مليء بالزخارف الداخلية، أو في حدود الإطار الخارجي..
والمصور الفارسي هو الرائد الأول في هذا المجال.. ولعل سبب ازدهار هذا الفن في بلاد فارس، تحت ظل الحضارة الإسلامية، هو تحريم التصوير المجسم للأحياء.. لذلك لجأ إلى التصوير ذو البعدين الأفقي والعمودي..
فالنظرة الفارسية في جوهرها شاعرية، تجد متعة في كل ما هو عجيب باهر، وهي متسامحة تقبل ما لا يسلم به العقل، فالمصور يحشد في مشاهده ما يرضيه ويبعث البهجة في نفس المتلقي”
فباختفاء الظلال والمؤثرات البيئية المحيطة أعفى المصور الفارسي نفسه من محاولة رسم معادل للمظاهر المعقدة مركزاً جهوده على جمال التصميم.
وما من شك في “أن التصوير الفارسي الناضج قد وصل إلى خلق هذا المزيج التكويني البديع، ومرد ذلك إلى أن الفرس مفرطون على حب الزخرفة”
وفي الحقيقة أن من الترقين الفنان (جهل سوكون) الذي رسم لوحة تعبر عن (شاه طهماسب) وهو يحتفي بالأمير الهندي همايون، وقد اكتظت هذه اللوحة بالمجاميع البشرية.
كذلك رسم في لوحة أخرى مثل: محمد بن محمود البغدادي، والمصور بهزاد، والمصور ميرك، والفنان رضا عباس..
وفي تركيا.. أشتهر الفنان سليم ندامه عما (1558) م.
وقد رسم في إحدى لوحاته الشهيرة (كبار موظفي الدولة يقدمون فروض الولاء والطاعة إلى السلطان سليمان بمناسبة اعتلائه العرش).
أما الفنان التركي (ديوان نادري)، والذي عاش في القرن السابع عشر، فقد رسم (سيدة تركية تمسك بيمينها زهرة، ويسراها باقة قرنفل)..
وتلاحظ على الهامش تزاويق على طراز خالكار، والترقين كان بالذهب.
وربما تميزوا الأتراك بأن تناولوا المرأة كموضوع مستقل في كثير من أعمالهم، كأن يرسم أحد الفنانين (سيدة تركية محجبة)، ويظهر على الهامش تزاويق نباتية على طراز خالكار.
وفي العراق، اشتهر أعظم فنانين الترقين في التاريخ.. إنه يحيى بن محمود الواسطي، إذ رسم تسعاً وتسعين صورة، نقل فيها تفاصيل الحياة الاجتماعية بأسلوب عربي رمزي، وانتقل هذا الفن عبر الزمان والمكان إلى أوروبا، والمغرب العربي.
استلهم فنانوا عصر النهضة الأوروبيين منمنماتهم من الشرق الإسلامي.. وذلك في بدايات القرن الرابع عشر.. ولعل ذات المسحة الروحية الشرقية قد تسللت إلى جوهر (الراتقين) التي تنمقت بها كتب السواعي، حيث تكتب فيها الإعياء الهامة كعيد ميلاد المسيح، وعيد الفصح بالمداد الذهبي والأحمر، على حين تكتب أعياد القديسين المحليين بالمداد الأزرق، وكان الغرض الأساسي من كتب “الساعات” هو تزويد المؤمنين من غير رجال الدين بكتب صلوات شخصية كما جاء في كتاب
وأشهر كتب الساعات (كتاب صلوات السواعي، الفاخر الترقين، الذي أعد خصيصاً (لجون دوق ده بري)، واحتوى هذا الكتاب على مشاهد تشمل كافة جوانب حياة (جون دوق ده بري)، وحاشيته وأنوعه، أثناء الاحتفالات، والصيد، والممارسات الاعتيادية..
ورسم منمنمات الكتاب أعلاه، الفنان بول لمبورج، وشقيقاته.. إذ راعى فيه نفس مبادئ فن (الترقين) ألشرقي.
وتعد نماذج (فريسكات) الفنان (لورنزتي) أهم نماذج الفن الدنيوي في إيطاليا. ومرد ذلك إلى أن لورنزتي قصد أن يلتقط جوهر الأشياء الواقعية متجنباً التكلف المفرط.
وقد رسم مصورو المنمنمات (اللومبارديون) مشاهد ريفية ذات واقعية مذهلة، ولعل أجمل المنمنمات الأوروبية في عصر النهضة، لوحة تصور الحسناء ذات الجمال الباهر، تحيط بها الوصيفات والوحوش الخاضعة، وهي في خيمة ملوكية، وسط الزخارف النباتية والحيوانية، وكأنها منمنمة شرقية مليئة بالزخارف، وعناصرها الحياتية ذات البعدين. واسم هذه اللوحة الشهيرة “(الحسناء والليكورن)، وهي نسيجية مرسمة، ومحفوظة في متحف كلوني بباريس”.
ولقرب إيطاليا من المغرب العربي، فإنه من المتوقع أن يكون فن (الترقين) قد انتقل إليها من هناك..
وحديثاً.. فإن فن (الترقين) أصبح السمة الرئيسة في الفن التشكيلي العربي في أقطار المغرب العربي.. وقد اشتهر في هذا الفن حملة من الأسماء الكبيرة، لعل أهمها الفنان التونسي جلال بن عبد الله)الله والذي قال عنه دوفينو: –
“إن أصالة (جلال بن عبد الله) لا تتوضح لمجرد كونه قد التقط التقنية المألوفة في المنمنمات العراقية أو التركية، بل أن أصالته لتتجلى كما يبدو لي من خلال تعبيره عن الحياة اليومية في المناطق الشعبية التونسية، إنها لا تتعلق هنا بنوع من الواقعية، ولكنها تتعلق بكل بساطة بالأشياء ذاتها، أشياء الحياة الطبيعية وقد حررها من الإشارات التي كانت تتميز بها أوروبا”.
وتلاحظ عزيزي القارئ هنا.. أن حديث دوفينو عن الفنان جلال بن عبد الله وكأنه حديث عن الفنان عبد الحي زرارة.. الذي انغمس في الهم الشعبي إلى حد الأصالة.
ولكن مثالية الأخير، في أنه يركب فسيفساء ذاكرته المضيئة لإعادة بناء قرية الدوايمة وتراثها الشعبي، بعدما أخفى الأعداء معالمها المكانية.. ومن هنا تنبع إنسانية الفنان، ووطنيته.
وما دمنا في حديثنا عن مدرسة (الترقين)، فإنه تجدر الإشارة إلى عدم مخالفة عبد الحي زرارة لشروط مدرسة الترقين الفارسية التي التزم بها فنانو العالم في تركيا، وبلاد فارس، والعراق، وأوروبا.
فكانت عناصر لوحاته ذات بعدين (عمودي، وأفقي)، وقد تجاهل الظلال والمنظور، والنسب بين الكتل، بحيث كان الطفل وهو على سطح منزل ما غير طبيعي في حجمه بالنسبة إلى حجم الدار مثلاً.
فتجد أيضاً ازدحام المجاميع البشرية المكتظة مثلما ازدحمت المجاميع نفسها في اللوحات الفارسية والتركية القديمة.. وقد حفلت لوحاته بالزخارف والمواضيع الشعبية المختلفة.. كحال ما هو معهود في هذا الفن..
ولكن ما يميز فن (الترقين) عند عبد الحي زرارة هو تطويره لهذا الفن من حيث: –
أ- الناحية التقنية، وذلك باستخدامه خامة جديدة على هذا النوع من الفنون، والخامة هي (عجينة الغراء، ونشارة الخشب).. ولعل المهارة الفائقة تكمن في حسن تنفيذ الفنان لمشغولاته باستخدام هذه العجينة برغم صعوبة طواعيتها.. وبأدوات بسيطة لا تتعدى أحياناً الملعقة والسكين. وبعد طول مراقبة، وصف، ولوين، يزف الفنان منحوتته على رواد المتاحف، مترقباً انطباعاتهم، ومستلهماً من بعضها دافعه إلى تطوير التقنية بحكمة، ورؤية جديدة..
ب- المضمون، لقد وظف عبد الحي زرارة أسلوب (الترقين) في حمل الرسالة الوطنية، بتسجيل الموروث الشعبي الفلسطيني من عادات وتقاليد تحت شعار حماية الذاكرة الفلسطينية.. وذلك على غير ما هو دارج.
فتحولت العناصر التراثية إلى دلالات وطنية.. ولعل أحد أهم أسباب انتهاجه لهذه المدرسة كما قال لي، هو موقفه من تنكر السيدة اليوغسلافية لتراث الشعب الفلسطيني حيث نسبته للتراث الشعبي الإسرائيلي.
وكانت قناعته بقدرة فن (الترقين) في حمل الرسالة راسخة؛ لذلك جاءت لتعيد نسج الحقيقة من ذاكرة ممتلئة بالتفاصيل.

ثالثاً: المرحلة التعبيرية ضمن الأسس الأكاديمية للفنون: –
وكما ذكرت سابقاً.. فقد أطلعت في مرسمه على أعمال تكاد تنطق من فرط دقتها وشاعرية التعبير فيها.. حيث ركز فيها على المرأة كمستحوذ لوجدانه، فأطلقها عارية تماماً كالحرية، أو شامخة على هرم التحدي، ويبدو أنه انفتح بتجربته الأخيرة على أكثر من تجربة تشكيلية شكلاً ومضموناً وتقنية..
فصار يراعي ما يلي في الشكل والتكوين:
– النسب الواقعية للعناصر مع الانتباه إلى المنظور المنسجم والتكوين المألوف، وكل ذلك ضمن الأسس التعليمية للفن عموماً.
– توظيفه لأسس الترشيح في تناوله للأجساد البشرية والحيوانية ضمن رؤيته التعبيرية.
– ربما استفاد من التجربة الأوروبية الشرقية في أخذه لزاوية المنظور في تكويناته الهرمية التي تشكلها المجاميع البشرية.
ومن حيث المضمون، ظل عبد الحي زرارة أسيراً لتداعيات قضية فلسطين.. وإن ابتعد قليلاً في تماثيله الجبسية عن هذا المضمون.. إلا أن ارتباطها بدلالات الحرية الايمائية في تشكيل الجسد وتعابير الوجوه يربطها بعض الشيء بمضامين الحرية التي تضج بها الرؤى في أعماله القديمة والجديدة..
بقي أن نقول.. بأن مرحلته الأخيرة.. احتوت نماذجاً من فن (الترقين)، والذي اعتمد في رسم عناصرها البشرية على الأسس الأكاديمية.
ويظل الفنان عبد الحي زرارة، معطاءً.. يتمتع برؤية شبابية لا تشيخ.. ونظرة ثاقبة إلى الخفايا.. وحالماً دائم العوم في خيالات الإبداع.
لقد سجل بعناية فائقة تفاصيل الحياة الشعبية، فيما عبر بمسئولية المناضل عن نبض القضية الفلسطينية بصدق وعفوية.
اكسبه احترام عشاق الفن التشكيلي في العالم يحلم عبد الحي زرارة بتخليد المواضيع الجادة التي عبر عنها.
قال لي ذات يوم:
“هدفي دائماً أن لا أعرض لكي أبيع ولو اضطررت إلى ذلك، ومعظم أعمالي التي تتعلق بالقضية الفلسطينية احتفظ بها، وحلمي أن يقام ويلتئم شمل أعمالي المتعلقة في القضية الفلسطينية في متحف صغير، أوثقه بطريقتي الخاصة لكي يبقى للأجيال المقبلة”.
وفي الخاتمة أذكر بأن خطوة مجلس عشائر الدوايمة لتكريم شيخ الفنانين الفلسطينيين والعرب قد جاءت أخيراً.. وأقترح أن تسمى إحدى القاعات مستقبلاً باسم هذا الفنان العظيم، كبادرة درجت عليها المؤسسات الأكاديمية والثقافية في أنحاء العالم.
26 أوغسطس 2019

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة