الإدارة في روايات هاروكي موراكامي – بقلم : محمد عبد الكريم يوسف

فن وثقافة ..

بقلم محمد عبد الكريم يوسف – سوريا …
يمكن أن يتعلم المبتدئ بالإدارة من أعمال الكاتب الياباني الكبير هاروكي مورا كامي العديد من القيم الإدارية وعلى رأسها التركيز الكبير والتصميم والنظام .
لوحة حياة :
ولد هاروكي في مدينة كيوتو عام 1949، وأمضى معظم فترة صباه في كوبا ومنذ طفولته تأثر موراكامي بالثقافة الغربية وبالتحديد الموسيقى و الأدب الغربيين . درس الدراما في جامعة واسيدا في طوكيو وهناك تعرف على زوجته يوكو. لاقت أعماله نجاح باهرًا حيث تصدرت قوائم أفضل الكتب مبيعًا سواء على الصعيد المحلي أو العالمي وترجمت إلى أكثر من 50 لغة عالمية . حصل موراكامي أيضًا على عدة جوائز أدبية عالمية منها جائزة عالم الفنتازيا وجائزة فرانك أوكونور العالمية للقصة القصيرة وجائزة فرانز كافكا وجائزة جائزة القدس .
من أبرز أعماله رواية مطاردة الخراف الجامحة والغابة النروجية وكافكا على الشاطئ وإيتشي كيو هاتشي يون. يَظهر تأثر موراكامي بالكُتاب الغربيين، مثل رايموند تشاندلر و كورت فونيجت واضحًا بشكل جَلي الأمر الذي دفع بعض المؤسسات الأدبية اليابانية لانتقاد بعض أعماله لبُعدها على المنهج الأدبي الياباني. وغالبًا ما تتسم أعمال موراكامي بالسريالية والسوداوية والقَدَرية. كما تتناول معظم رواياته موضوع الانسلاخ الاجتماعي والوحدة والأحلام. يُعد موراكامي من أهم رموز أدب ما بعد الحداثة .
عندما تقترب من عوالم الكاتب الياباني هاروكي مورا كامي تكتشف أنه من العباقرة في النظام والتركيز والتصميم وفلسفة الزن . إنه تجسيد لحالة الحكمة الحقيقية والعاطفة الجياشة والمهارات الإبداعية والإرادة الاستثنائية .
إن مكونات أعماله الأدبية وقصصه المستقاة من الحياة تشكل لكل مبتدئ في الإدارة مصدر إلهام قابل للتطبيق وسنركز في هذا المقال على ما يمكن للمبتدئ الذي يعتمد على التكنولوجيا العصرية أن يستقيه من الكاتب الكبير في حياته وعمله على حد سواء . قد يكون في طليعة الدروس التي نتعلمها من مورا كامي ما يلي:
علينا أن نجد ما نحبه وعلينا أن نلتزم به:
كان مورا كامي فاشلا ومتأخرا حيث كتب أول عمل له وهو في التاسعة والعشرين من عمره. وفي أحد الأيام و بينما كان يشاهد البيسبول ، أدرك أن قدره هو أن يكون كاتباً. في ذلك الوقت كان يمتلك حانة تعزف فيها موسيقى الجاز ، لكن التجربة في لعبة البيسبول كان لها تأثير دائم على قلبه . بدأ الكتابة وخلال السنوات القليلة التالية تغيرت مسيرة حياته.
سواء كان الإنسان مدونًا على شبكة الإنترنت أو مهندس برمجيات أو مؤسسًا لمشروع ما فقد يعاني من نفس الشعور: منشور يجب كتابته أو قطعة مشفرة يدب تدوينها أو شركة تحتاج إلى الإنشاء . هذه بعض لحظات الحقيقة والوضوح الثمينة والتي ينبغي أن نتابعها كلما أمكننا ذلك.
واجه مورا كامي الاختيار بين عمله ومهنته ككاتب. وعلى الرغم من أن المستقبل لم يكن مؤكدًا إلا أنه التزم بالكتابة وباع الحانة التي تُعزف فيها موسيقى الجاز التي يمتلكها . وبعد فترة وجيزة من التركيز على الكتابة بدوام كامل ، أدرك أن قصته الخيالية كانت تعاني الكثير لأنها غير مناسبة ناحية الشكل . ترك مورا كامي التدخين وبدأ يمارس رياضة الجري . اليوم يمارس مورا كامي هذه الرياضة يوميا .
كل مبتدئ في هذه الحياة يواجه دائما الخيارات التي تقوده إلى الحيرة . والمفتاح لكل مسائل الحياة يكمن في الالتزام والتركيز و إعطاء الوقت الكافي لكل شيء. هناك دائمًا عقبات وتحديات في هذه الحياة ، ولكن إذا كان الإنسان يعرف خياراته والتزاماته يمكنه التغلب عليها بيسر وسهولة .

على الإنسان أن يتمسك بما يعرفه :
لقد قرأت العديد من روايات موراكامي قبل البدء في كتابة أي شيء عنه. وقد عرفت عنه وعن عوالمه الكثير من المعلومات فرواياته في جزء منها تروي تجربته الشخصية في الحياة . تتحدث كتبه بشكل متكرر عن موسيقى الجاز ويتحدث في روايته التي تحمل عنوان ” جنوب الحدود ، غرب الشمس ” . تدور أحداث الرواية حول صاحب شريط موسيقى الجاز . يحب موراكامي القطط ويستخدمها لإنشاء صور فريدة ساحرة. والأهم من ذلك كله ، يكتب موراكامي عن الحب والعاطفة والشعور بالوحدة.
وفي لحظة من اللحظات يقرر الإنسان أن يقوم باستثمارات أو مشاريع هندسية أو تجارية وعلية أن يجري الدراسات وأن يتمسك بما يمتلكه من معارف . قد يشعر بخيبة أمل في البداية لكنه سرعان ما يدرك أنه على صواب وفق أراء هاروكي موراكامي .
يخطئ العديد من الأفراد والشركات في القفز إلى مناطق لا يعرفون الكثير عنها . ينجح القليل منهم ، لكن معظمهم لا ينجحون أبدًا. من الأفضل أن يبدأ الإنسان العمل حول الموضوع الذي هو خبير فيه أو يعرف الكثير عنه . و يمنح ذلك ميزة إضافية ويضمن أنه لا يضيع وقته في تجارب قد لا يكون منها طائل .
ابدأ باكرا وانتهي باكرا:
تحفل حياة مورا كامي بالروتين. ينهض من الفراش حوالي الساعة 5 صباحًا ويذهب إلى الفراش بحلول الساعة 10 مساءً . لا يتناول العشاء في وقت متأخر من الليل ويقوم بالنزهات المفضلة لديه . يعمل في كتبه يوميا وينجز جمال وسحر ما يكتب عن طريق توزيع العمل بالتساوي على كل يوم.
تعلمت هذا الدرس لأول مرة عندما كنت أشاهد إحدى السيدات وهي تفوز بذهبية في أولمبياد سيدني عام 2000 فقد فازت بالمركز الأول برياضة الجري وكانت تركض مثل الروبوت سرعتها واحدة خلال دورة اللعب بأكملها .
تؤسس الشركات الناشئة بسرعة وتحاول العمل بكثافة . تحاول أن تجري بسرعة كبيرة ثم تحترق بسرعة كبيرة . يعتقد العديد من رواد المال والأعمال الشباب أن الشركات الناشئة تشبه سباق الجري تتسابق من البداية إلى خط النهاية . في الواقع ، حياة الشركات الناشئة تشبه السباق ، والمهم هو أن يسير المتسابق بانتظام وخطى ثابتة
لا تستسلم أبدا وابحث دائما عن الإبداع:
ولعل أكثر ما يلفت النظر حول هاروكي موراكامي هو إبداعه. وربما كانت الرواية الأكثر إثارة هي رواية ” يوميات طائر الزنبرك” التي كتبها مورا كامي وهي قصة خيالية “تجريبية” ساحرة. يواجه القارىء أثناء القراءة عالمًا من الصور والأفكار والشخصيات الغامضة والنهايات المفتوحة لقصصه الغريبة.
كل رواية من روايات موراكامي مختلفة عن الأخرى وتتميز بشيء غريب يشد القارىء دون أن يدري . لا يشعر موراكامي أبدًا بالاستقرار وتجده يبحث دائمًا عن طرق جديدة للتعبير عن نفسه. يقول دائما إن الكتابة ليست سهلة بالنسبة له . ويسكب العمل الإبداعي بعناية صافية ونتيجة لشغف خالص . لكن المشكلة تكمن في أن المؤلف يسعى إلى كسر الأساليب التي أنشأها بالأمس والمضي قدمًا نحو منطقة جديدة غير مستكشفة وإلا يتحول إلى مثقف من الدرجة الثانية والثالثة والرابعة .
العاطفة والإبداع من العوامل الهامة لبدء العمل في عالم المال والأعمال . وبدون هذين المكونين الرئيسيين ، لن يكون هناك نجاح على الإطلاق . ولكن مثلما يحتاج الفنان إلى إعادة ابتكار نفسه هكذا تفعل الشركات الناشئة أيضًا . لن تكون الموجة الأصلية للإبداع التي ستقودك إلى الأمام ، بل السعي والإرادة التي لن تحسمها أبداً والتي تجعل الأحلام تتحقق اليوم وغدا وإلى يوم يرزقون .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة