تهب الرياح من كل اتجاه : هكذا افكر انا – بقلم : ادوارد جرجس

آراء حرة ….
إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك
أقيموا المدن الجديدة ، أقيموا المشروعات ، عبدوا الطرق ، اهتفوا تحيا مصر ألاف المرات ، ومن عندي ، أصعدوا إلى القمر ، عمروا المريخ ، لكن مصر لن تحيا بالشعارات ، وكل ما يصنع الآن باطل وأبن باطل ، مصر لن تكون ، ولن تحيا ، ولن تشرق بنورها على العالم ، إلا إذا فهمنا جيدا ، أنه بدون الثقافة لا أمل ولا أمال ، نعم الثقافة التي قتلناها فأصبح كل شئ يحكي بجهله ، حتى الأخلاقيات تمردت ، فليس هناك ما هو أبلغ من التعبير عن الكراهية سوى الإنكار ، التجاهل ، الإقصاء ، الاستبعاد ، انظروا إلى شوارعنا وبيوتنا ومياديننا ، لتعرفوا كم بلغ مدى كرهنا للثقافة التي قطعنا يدها من كل مكان ، واجتثثنا جذورها من كل تربة حتى أصبحت حياتنا خالية من كل ذوق ، صماء عن كل بوح . قطعنا يد الثقافة كما لو كانت سارقة مارقة زنديقة فاسقة، لم ننتبه إلى أننا نعبر عن احتقارنا لأنفسنا حينما عبرنا عن احتقارنا للثقافة، فثقافتك هى أنت، وذوقك هو أنت، وبيتك هو أنت، وشارعك هو أنت، ومدرستك هى أنت، بيئة عملك هى أنت، وإذا كان كل ما حولك منحط ووضيع، فلماذا تستبعد نفسك من الاتصاف بهذه الصفات ، كلام قاسٍ، نعم، ومر أيضًا، لكنه حقيقى خالص، انظر إلى حياتك بعينك، أو انظر إليها بعين الآخرين، لتعرف كم أطلنا مدة المكوث فى الغياب، فى الأحياء والمحافظات والمدن لا يوجد شىء يسمى «ثقافة»، لا يوجد شىء يسمى «فن»، كل ما فى العين جفاف، كل ما فى الذهن قبح . قديما لم نكن في احتياج إلى وزارة تسمى بوزارة الثقافة ، لماذا ؟ ، لأن الثقافة وقتها كانت مسؤولية وطنية ، يتبناها الوطن كله
، كان المحافظ مثقفًا، وكان الطبيب مثقفًا، وكان المحامى مثقفًا، وكان العامل مثقفًا، الكل يعمل، الكل يقرأ، الكل يستمتع بالفن والموسيقى، الكل يعيش حياته مدركًا لذاته، منتميًا لبلاده وتاريخها وحضارتها، ثم أنشأنا وزارة للثقافة حينما أردنا تنظيم كل شىء، وتقنين كل شىء، ومراقبة كل خطاب، لكن للأسف فى الوقت الذى أنشأنا فيه هذه الوزارة قطعنا عنها مواردها، وشيئا فشيئا صارت صفرًا كبيرًا فى معادلة التأثير، ميزانيتها بالكاد تنفق على موظفيها، وموظفوها الذين انضم غالبيتهم إلى العمل فى الحكومة ليسوا أكثر من «موظفين»، نادرًا ما تجد بينهم مبتكرًا أو حالمًا أو حتى مجتهدًا مخططًا، اختفى المثقف صاحب الرسالة، وانتشر الموظف طالب العلاوة، كل شىء صار بلا شغف، كل حلم صار ترفًا، كل أمل فى غد جميل صار «كلام أغانى»، اختفى الإيمان بالعمل وظهر الكفر بالفن، فلا تتعجب إن رأيت ما نرى ، لا تتعجب أن رأيت الإعلام الذي يعتبر أحد أعمدة الثقافة قد تحول إلى شئ يرقص بين التفاهة والانحطاط ، إعلام لا يبحث عن الموضوعات الثقافيه ، قدر جريه ولهثه خلف المايوه المثير الذي ظهرت به الفنانة ” فلانه ” على الشاطئ الفلاني ، أو فستان الفنانة الذي أظهر مفاتنها ، أو مشاجرات الفنين والفنانات التي لا تعني أحد ، الكثير من الأخبار التي لو أظهرت ستظهر ضحالة ما وصلت إليه الإعلام وهو أحد الوسائل الثقافية القريبة من القارئ العادي ، حقيقي وبدون قسم ، إن لم نلحق ركب الثقافة الحقيقية ، يبقى عليه العوض ومنه العوض.
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة