رؤية الى ما بعد اربعين سنه : ليس هنالك دولة اسمها( اسرائيل) وشلومو يعود الى مهجره الاول .. بقلم : وليد رباح

فلسطين .. آراء حرة … الجالية العربية
بقلم : وليد رباح – نيوجرسي …
لست ممن يرجمون بالغيب .. ولكني قنعت بما قاله لي صديقي شيرمان سرحان .. ذلك اليهودي المتدين الذي يبكي كلما رأى قذيفة اسرائيلية تهبط من السماء الى قلب طفل فلسطيني فتمزق اعضاءه .. فهو ببساطة متناهية يقول ودموعه تبلل لحيته البيضاء : الدولة التي تبني اركانها على الدم سوف تنتهي بالدم .. ولكني مثلما اتحسر على الطفل العربي اتحسر ايضا على الطفل اليهودي الذي ليس له من ذنب سوى ان اجداده كانوا من المجرمين .. فهذه نبوءة ليس فيها من شك .. من قتل بالسيف فبالسيف يقتل ..
سرحان : رجل من منظمة ناطوري كارتا .. تلك المنظمة التي يحمل بعض اعضائها جواز السفر الفلسطيني ويرفضون الجواز الاسرائيلي .. كما يرفضون ان تكون لاسرائيل دولة ويعتبرون ذلك فألا سيئا سوف يودي باليهود الى مهاوي الفتنة بما يؤلب العالم عليهم .. ويعترف سرحان بان ازهى العصور اليهودية كانت عندما عاش اليهود في ظل الدولة الاسلامية التي منحتهم الامكانات لكي يؤلفوا وينشروا كتبهم ووصل بعضهم الى مراتب الوزراء في ظل الدولة الاسلامية .. ويقرأ سرحان كتب ( ابن ميمون ) ذلك اليهودي الذي كان وزيرا في دولة الاندلس الاسلاميه .. وكيف كان المسلمون يقدرون هذا المفكر كمتدين وسياسي في الوقت نفسه .. وكيف شارك هذا المفكر في وضع القوانين والانظمة التي ما زال بعضها يطبق حتى هذه الايام ..
التقيت اول مرة بسرحان عندما كانت هنالك مظاهرة امام مبنى الامم المتحدة في نيويورك تأييدا للانتفاضة الفلسطينية الثانية .. واستنكارا للمذابح الاسرائيلية ضد اطفال فلسطين .. كان سرحان يحمل يافطة مكتوب عليها ( فلسطين الى الابد ) ويقود مجموعة من اليهود المتدينين عددهم ستة .. كل منهم يحمل يافطته التي تندد باسرائيل وافعالها .. وكان لوجودهم رفعا ( لمعنوياتنا ) نحن العرب الذين خرجنا لنفس السبب .. اذ كان الامريكيون الذين يمرون يستغربون ما يفعله اولئك .. مما جعل العديد من الامريكيين ينضمون للمظاهرة تأييدا لفلسطين وانتفاضتها .
ولفت نظري ايقونة معلقة في رقبة سرحان فيها صورة لكاهن يهودي فسألته عمن يكون .. قال الا تعرف الكاهن صدقه .. انه عضو في ( البرلمان ) الفلسطيني الذي يعقد عادة في رام الله .. لقد منحه القائد ( ابو عمار ) شرف العضوية في البرلمان الفلسطيني .. وهو يمثل الجالية اليهودية التي تعيش في نابلس بالضفة الغربية .. تماما مثلما منح الكاهن موشي هيرش .. الذي رأس منظمتنا في مدينة القدس ( الجواز الفلسطيني ) بعد ان مزق الكاهن الجواز الاسرائيلي واعلن نفسه فلسطيني وليس اسرائيليا ..
وحتى اللحظه .. لا ادري ان كان شيرمان سرحان هو اسمه الحقيقي .. ففي العادة يحمل بعض اولئك من منظمة ناطوري كارتا اسماء مستعاره .. وفي مرة سألته فقال لي : شيرمان هو جدي .. اما سرحان فلذلك قصة : قلت له : هل قصصتها : قال : سنة 1947 كنت طفلا اعيش مع والدي في مستعمرة اذكر ان اسمها كان (بتاح تكفا ) .. كان والدي صهيونيا يعمل في عصابة الارغون الارهابية ولا نراه في البيت الا لماما .. وكانت امي متدينة الى ابعد حدود التدين .. لذا كانت مع والدي على خلاف دوما .. وفي مرة جاء الى المستعمرة عربي يدعى سرحان .. فنظرت اليه نظرة خوف وتوجس .. قالت لي امي : لماذا تخاف ؟ قلت لها انه عربي وربما قتلني .. قالت : لا تصدق اولئك الرعاع ( تعني الصهاينه ) انهم اناس مسالمون .. وسرحان يأتينا كل اسبوع بالحليب الى المستعمره .. وهو حليب بقر صاف نشتريه منه ثم يذهب مطمئنا من حيث اتى ..
كنت مرة اسبح في بركة في المستعمرة وحيدا .. كان فصل الشتاء في اولياته .. ورغم تحذيرات امي ان يصيبني البرد غير اني كنت احب السباحة في موسم الشتاء .. وكانت البركة عميقة ولكني كنت سباحا ماهرا .. وفي لحظة رأيت نفسي وقد دخل الى فمي الماء وبدأت ارسب الى قاع البركه .. وعن بعد كان سرحان قد اتى بالحليب ورآني وانا اتخبط في الماء قبل ان اغطس الى الاسفل .. فقام برمي نفسه في البركة بملابسه واستطاع التقاطي من تحت الماء واخذ يضغط على صدري حتى اخرج الماء الذي تسرب الى جوفي .. ثم حملني الى سيارته وانطلق بي نحو البيت الذي كان قريبا .. وعندما رأته امي يحملني توجست خيفة فافهمها الحكاية ..
فيما بعد تعلقت بهذا الرجل وكنت انتظره في كل اسبوع لكي اتحدث معه .. فكان يحتضنني ويعبث بشعري فافرح لهذا .. وفي مرة سألته .. عمو سرحان ( وبالمناسبه كنت اتحدث العربية بطلاقة كما كانت امي ) لماذا انقذتني من الغرق وانا من اليهود ولست عربيا .. قال سرحان : اني اتعامل معك كانسان وليس لي دخل في ما تعتنق .. واني لا احمل توكيلا من الله يطلب مني ان اهديك الى الاسلام .. فقد قال كتابنا .. قد تبين الرشد من الغي فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ..(أو هكذا قال ) وما زالت هذه الكلمات ترن في اذني حتى الساعه ..
بعد لآي تتالت الاحداث في فلسطين .. وانقطع سرحان عن زيارتنا .. سألت امي كثيرا فقالت : يقول بعض اليهود انه قد قتل في الانفجار الذي وقع في فندق الملك داود بالقدس اذ كان يزود الفندق بالحليب .. ويقول آخرون انه رحل الى بلاد بعيده .. لكن ذلك الرجل ظل في ذاكرتي ولم انسه ابدا .. وعندما بلغت من العمر الحادية عشرة .. دخلت الى مدرسة المستعمرة فسألني المدرس عن اسمي فقلت له على الفور سرحان .. رغم ان اسمي في بطاقة الهوية غير ذلك ..وهكذا التصق بي الاسم حتى اليوم رغم تندر اقراني .
****
يجلس سرحان وقد فرد هامته على الكنبة في مكتبي ليقول لي : دعنا من الذكريات .. اريد ان اخبرك شيئا اراه رأي العين .. اصغي اليه باهتمام ..
عد معي يا صديقي : بعد اربعين سنة من الان ان لم يكن قبل ذلك .. سوف لن يكون هناك دولة اسمها ( اسرائيل) ولسوف تعود فلسطين الى اسمها الاصلي .. والمؤشرات تقول ان العصر القادم ليس عصر القوه .. وانما هو عصر الشعوب .. انظر الى الربيع العربي وما يحدث من تغيرات ..
لماذا يبتئس الشعب الفلسطيني عندما يرى المستوطنات تبنى على اراضيهم .. ان اسرائيل تبني تلك المستوطنات للفلسطينيين وليس للاسرائيليين .. حتى وان سكن فيها الاسرائيليون لفترة من الزمان .. لكنها على ارض غير اراضيهم المنتزعة قسرا .. ففلسطين عاش فيها اليهود مكرمون حتى في العصر العثماني ..
بعد تلك الفترة الزمنية التي تعد عند الله بالايام وليس الشهور او السنوات .. ستعود فلسطين الى اهلها .. وسوف يعود شلومو الى موطنه الاساس الذي هاجر منه الى ارض ليست ارضه .. والى وطن ليس وطنه .. وانما هو وطن الفلسطينيين الذين بنوا حضارتهم عبر الاف السنين ..
لقد جئنا يا صديقي من مصر اليها غازين في الزمان الاول .. وهناك آية في التوراة تقول للشعب اليهودي عندما هاجم فلسطين في الزمان الاول : لسوف تقاتلون الفلسطينيين .. بمعنى ان الفلسطينيين كانوا في اراضيهم ثم هاجمهم الاسرائيليون الهاربون من جحيم الصحراء الى الارض التي تدر لبنا وعسلا .. بمعنى ان ليس لهم حق فيها. وان الفلسطينيين ( حسب ما تقول التوراة ) كانوا قبلهم في تلك الارض التي سفكت فيها الدماء واستحلت المحارم ودمرت .. وهذا هو قدر اليهود الذين لم تكن لهم دولة ذات اثر عبر التاريخ .
كلنا يا صديقي ( ابناء الله ) فاذا كانت اسرائيل بكل عنصريتها تقوم بقتل الفلسطينيين واستحلال دماءهم .. فاني اتنبأ ان يأتي يوم وقد تبدل الحال واخشى ان ما يحدث للفلسطينيين أن يحدث للاسرائيليين .. ولكني اراهن على مدى انسانية الانسان لدى الفلسطيني .. فالتسامح شيمتهم .. واني ادعوهم منذ اليوم بان يترفقوا بالاطفال اليهود .. فهم من صنف الانسان .. ولا دخل لهم بما يفعله اجدادهم من المجرمين ..
هنا يمسح سرحان دمعة تتسرب الى خده وفوق لحيته الكثه .. فابادره الى فنجان قهوة عربية تزيل عنه ما علق به من عنت وتعب .. وتحياتي .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة