أمريكا التي رأيت – بقلم : أحمد كنعان

فن وثقافة ….
بقلم : احمد كنعان ….
مضى شهران وأنا أتسكع في “ستانتون” هنا وهناك لأتعرف على المجتمع الأمريكي الذي ألجأتني إليه في عام 2011 حماقة الدكتاتورية التي راحت تواجه شعبي السوري بالقتل والتدمير !
جلست طويلاً في الحدائق الغناء الوارفة التي تمتاز بها هذه الضاحية الهادئة من ضواحي “لوس أنجلوس” .. دخلت المطاعم جائعاً وشبعان .. دخلت المكتبات .. قرأت الكثير.. وتعلمت الكثير .. ونسيت الكثير .. ركبت باصات طافت بي في شوارع وساحات فشلتُ في حفظ أسمائها التي تغلب عليها الأسماء المكسيكية، فقد كانت المنطقة في يوم من الأيام تبع المكسيك، ومازال بعض أهلها مكسيكان حتى اليوم !
وفي صباح باكر ذاتَ أحد ..
خرجت كعادتي أتسكع في الطرقات فوجدتني قبيل الضحى عند مكتبة رأيت عبر زجاجها كتاباً يحمل صورة الأديب الأمريكي الساخر “مارك توين” الذي تعرفت على أدبه وأحببته منذ صغري ..
دخلت المكتبة دون تردد وقد رأيت السماء تتلبد فجأة بالغيوم منذرة بمطر وشيك.. سألت الحسناء مسؤولة المكتبة عن قسم الكتاب العربي فأشارت إلى ركن قصي، أسرعتُ إليه وبدأتُ أتصفح عناوين الكتب، فوقع نظري على عنوان “أمريكا التي رأيت” فتناولت الكتاب على الفور دونما اهتمام بالمؤلف، قائلاً في نفسي هذه هي طلبتي، فلابد أن أجد في الكتاب كل ما يدور في خاطري عن هذه البلاد وعن هؤلاء القوم ..
جلست على الأريكة العريضة المخصصة للزبائن الراغبين بالاطلاع على الكتب التي يريدون شرائها .. قلبت الكتاب كعادتي لأقرأ ما كتب على غلافه الأخير الذي ينشرون فيه عادة خلاصة ما فيه، فقرأت : “بالرغم مما وصلت إليه أمريكا من التقدم العلمي، والتكنولوجيا الحديثة والماديات، لكنها في علم الروح والأخلاق والقيم انحطت إلى الحضيض، وإن الناظر عن قرب في تلك البلاد يرى فيها انحلالاً خلقياً، واضطراباً نفسياً، وتفككاً اجتماعياً، واختلالاً أمنياً، وكل ذلك مؤذن ومؤشر بقرب زوال تسلطهم، وجبروتهم على العالم، وهذه المحاضرة تحكي رحلة الشيخ إلى أمريكا”
وبالرغم من أني بهذه الفقرة عرفت مضمون الكتاب والأسطوانة القديمة التي يغنيها هذا المؤلف الشيخ وجدت في نفسي الفضول لأقرأ التفاصيل، ففتحت الكتاب على الصفحة الأولى لأقرأ؛ وإذا بفتاة تجلس بجانبي، وتحييني بإنكيزية ذات لكنة مصرية لا تخطئها الأذن :
-good morning ( صباح الخير )
ومدت يدها وهي تقول :
-Please ( من فضلك )
وسحبت الكتاب من يدي، واستدارت فألقته على بسطة الكتب القريبة، وعادت إلى جلستها بجانبي ونظرت إلي وقالت :
-سيبك من الكتب .. وتعال أحكي لك عن أمريكا اللي شفتها أنا وعرفتها خلال السنوات العشرة اللي عشتها هنا، واكتشفت خلالها أن كل ما كتبناه نحن العرب عن أمريكا.. هراء .. في هراء …
قاطعتها باستنكار :
-هراء في هراء !؟ معقول ؟!
فتنهدت بحرقة وأجابت :
-طول بالك .. واسمعني .. ثم احكم أنت بنفسك !
هالني ما سمعت من هذه العربية السمراء التي اقتحمت عالمي دونما استئذان، لكني سعدت بلقائها وأسعدني سماع الكلام العربي على لسانها بعد شهرين من غيابي عن الشام، وقلت في نفسي ( لا بأس .. سوف أسمع منها .. ولن أخسر شيئاً ) ونظرت في عينيها اللتين سكب الخالق فيهما زرقة السماء وصفاء النيل، وابتسمت لها ابتسامة دافئة وقلت:
-هاتِ .. نسمع .. وأعدك أني لن أقاطعك .. تفضلي
فتنهدت بحرقة للمرة الثانية وانطلقت تحكي :
-تزوجت “الدكتور مجدي” وأنا أحلم وإياه بحياة سعيدة إلى جانب طبيب ملأت سمعته الطيبة كل مصر.. قبلي وبحري .. لكن لم يدم حلمنا طويلاً، فقد بدأ النكد يلاحقنا ونحن مازلنا في شهر العسل، فقد تعرض مجدي للتوقيف والاعتقال مرتين بتهمة انتمائه إلى جماعة إسلامية محظورة .. وطلب وظيفة في الصحة لكنه وجد الأبواب مقفلة بفضل التقارير الأمنية التي راحت تلاحقه وتتهمه بكل أنواع التهم .. حتى ضاقت بنا مصر على رحبها ..
وقررنا السفر للعمل في الخليج ..
لكي (نبعد عن الشر ونغني له) ونجمع قرشين ونعود فنشتري بيتا ونفتح عيادة لمجدي ونعيش كما يليق بطبيب ومعلمة ..
وبعد أقل من عشر سنين في الخليج أقالوني من التعليم لإحلال معلمة مواطنة مكاني!
ولم تمضِ شهور حتى فعلوا مع مجدي ما فعلوه معي فأنهوا خدماته في وزارة الصحة لإحلال مواطن مكانه، وصرفوا له مكافأة نهاية الخدمة مبلغاً تافهاً لا يكفي ثمن تذاكر للعودة إلى مصر !
وهكذا صار علينا أن نعود إلى مصر، دون حلمنا الكبير الذي حوله الخليج إلى سراب وقررنا العودة حتى لو نمنا على الناصية، وبينما نحن نستعد للمغادرة أصيب مجدي، بجلطة في الدماغ، فنقلناه إلى المستشفى المركزي في حالة خطيرة بين الحياة والموت، وفاجأنا طبيب الطوارئ أن علينا دفع مبلغ التأمين قبل أي إجراء لمجدي، واعتذر الطبيب لي أنه لا يستطيع المساعدة مع اعترافه بأن مجدي كان أستاذه في سنة التخرج، لكن الطبيب كرر أسفه الشديد بأن التعليمات مشددة بعدم قبول أي مريض “أجنبي” إلا بعد دفع التأمين، بحثت في محفظتي فلم أجد مبلغاً يفي بالتأمين، وللحظ كان يرافقنا أحد أصدقاء مجدي، فتفضل بدفع التأمين، وحصلت على الفاتورة ورجعت فقدمتها للطبيب الذي عاد يعتذر لي ( سامحيني .. إنها التعليمات ) وتلطف الله بنا وكتب النجاة لمجدي، لكنه ظل عاجزاً عن تحريك طرفه الأيمن .
فأظلم الخليج في عيوننا ..
وجمعنا حقائب انكساراتنا ..
وعدنا إلى أحضان الوطن غير قادرين ليس على شراء بيت بل عاجزين حتى عن استئجار بيت، فقد تضاعفت المعيشة في غيابنا أضعافا مضاعفة ! ولولا أهل مجدي الذين فرغوا لنا غرفة الطعام لنعيش فيها لبقينا على الناصية .. في الشارع !
وجلسنا عاطلين عن العمل، فقد فوجئت بإغلاق ملفي في التعليم، وكان مجدي مايزال عاجزاً لا يستطيع ممارسة عمله الطبي، وعاد عناصر “الأمن” يلاحقونه مضيفين إلى تهمته السابقة اتهامه بالسلفية زاعمين أنه التحق بها خلال وجوده في الخليج، ولهذا تعرض في أقبية الأمن للتعذيب مرات عديدة دون مراعاة لحالته الصحية، فضاقت علينا الدنيا، وعدنا نفكر بمخرج، فاقترح أحد أصدقائنا الهجرة إلى أمريكا، ولما كان يعمل ساعياً في السفارة الأمريكية فقد ساعدنا في استخراج التأشيرة..
وهكذا غادرنا مصر وجئنا إلى كاليفورنيا حيث وجدنا رعاية لم نحلم بها أبداً، فقد خصصوا لنا بيتاً مجهزاً بكل شيء بما فيه كرسي متحرك كهربائي تقديراً لحالة مجدي الصحية، وصار المعالج يأتيه إلى البيت كل يومين فيجري له التمارين اللازمة، حتى بدأ يستعيد لياقته، أما أنا فقد خصصوا لي قابلة تأتيني ثلاث مرات في الأسبوع لمتابعة حملي الذي أكمل شهره الثامن، وعندما جاءني المخاض حضرت القابلة مع سيارة إسعاف ونقلوني إلى المستشفى، وأجروا لي عملية قيصرية، ورزقت “مدحت” الذي نسينا بمجيئه كل آلامنا وهمومنا !
وحان وقت خروجي من المستشفى..
فذهبنا إلى مكتب الحسابات لتسديد الأتعاب، فابتسم المسؤول ورد علينا بمصرية صعيدية محببة وقال لمجدي وهو يبتسم بانبساط :
-أتعاب إيه .. يا باشا .. الحمد لله على سلامة الست .. وسلامة ولي العهد !
سأله مجدي :
-.. يعني .. إيه ؟!
رد عليه الرجل الطيب وهو يبتسم :
-يعني .. يا باشا .. أنت هنا في بلاد “العم السام” ولست في بلاد “العم خوفو”.. الله معاك !
وهنا .. سكتت محدثتي، واستخرجت زجاجة الماء من محفظتها وقدمتها لي لأشرب فأشرت لها ( لا .. شكراً) فشربت هي رشفة يسيرة وعادت تكمل :
-طبعا .. كانت فرحة مجدي عظيمة عندما بشره الموظف بهذا الخبر الذي نجانا من فضيحة كبيرة، فمن أين لنا دفع تكاليف الولادة والعملية .. خمسين ألف دولار على الأقل .. ولشدة فرح مجدي بالخبر أخرج من جيبه ورقة مالية بخمسين دولاراً قدمها إلى الموظف حلاوة المولود والخبر، فرفض الصعيدي أخذ الحلاوة رغم إصرار مجدي مراراً !
وسكتت محدثتي ثانية، وهي تتنهد في حرقة، ثم راحت تنشج بالبكاء كأنما هي تقارن ما حصل لها هنا في المستشفى وما جرى لزوجها في بلاد العربان !
وطال صمت محدثتي، واغرورقت عيناها بالدموع، فربتُ على كتفها لأهدئ ما أصابها، ويبدو أن عاملة المكتبة انتبهت لحالها فجاءتها بعلبة مناديل وكأساً من القهوة، وسألتها إن كانت بحاجة لسيارة إسعاف، فردت عليها بإنكليزيتها المصرية المعتادة :
-No .. thank you ( لا .. شكراً )
ولم تشرب محدثتي القهوة بل قدمتها لي، فرددتها ورجوتها أن تشرب هي فمصت رشفة سريعة وعادت تكمل الحكاية دون أن يعود الصفاء إلى عينيها، قالت :
-( خرجنا من المستشفى أنا ومجدي نتبادل نظرات الاستغراب، ليس فقط من المستشفى الذي رفض الأتعاب، بل من العربي الذي رفض أخذ “الحلاوة” على غير ما يجري في بلادنا حيث أصبحت “الحلاوة” حقاً واجباً عليك أن تدفعه .. وإلا تعطلت كل معاملاتك دون أن تستطيع الشكوى أو التظلم !
وعادت محدثتي فسكتت برهة، وعاد الصفاء يشع من عينيها، ورأيتها تنظر في وجهي وتقول :
-يا فندم .. هذه هي أمريكا التي رأيت ( والتفتت إلى البسطة التي ألقت عليها الكتاب الذي سحبته مني وأضافت) ما رأيك .. يا فندم .. بعد اللي سمعته ؟ هل مازلت ترغب بقراءة الكتاب ؟
فتنهدتُ في ألم وحسرة، وأجبت :
-ما تفضلتِ به يغني عن كل كتاب !
ووجدتني أحترق وجعاً وغضباً وأنا أكتشف السر في تقدم هؤلاء القوم، وتخلفنا نحن أصحاب أشرف رسالة سماوية، فقد اكتفينا من الدين بالطقوس، وتخلينا عن اللب، على العكس من هؤلاء الذين تخلوا عن الطقوس، وتمسكوا باللب .. وهذا هو الذي جعل أمريكا ما هي عليه اليوم ..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة