أنا وخالد العامري – بقلم د. حسين رحيم الحربي – الرياض

فن وثقافة …..
د/ حسين رحيّم الحربي – الرياض، .
خالد العامري، شاعرٌ متفرّد في الذائقة والإحساس والإلقاء. أتى بكل مخزون الملح في السماوة ووضَعَه على جرح الإبداع العراقي النازف، وكأنه يريد أن يكويه، أو يطهره، أو يعمده بشيء من الجنوب. السماوة تلك المدينة الرائعة التي تتبع لمحافظة المثنى التي تظلل أهدابها بساتين النخيل، لتقيها شيئاً من حرارة شمس الجنوب، وتمتد عباءتها حتى حدود المملكة العربية السعودية لتعانق صُفْرة الرمال ونقائها. وكحسناء لوَّحت خديها شمس النهار، مدَّت رجليها لتغسلهما بماء الفرات. وكما حال الثنائية في كل العراق، فللسماوة نصيبها؛ فنهر الفرات يشطرها إلى نصفين، جزيرة وشاميَّة، متابعاً سيره نحو الجنوب، حاملاً رسائل عشق من بغداد بكرخها ورصافتها، ليخفف من ملوحة الفرات كلما اتجه جنوباً.
في أحد صباحات آذار من العام 1987 م.، حيث تختلط رائحة الزيزفون برائحة الجوري، ولسعات برد خفيفة تدغدغ الجسد والروح، أتاني صديق الطفولة؛ محيّ الدين -يرحمه الله- بشريط كاسيت أسود اللون في الظاهر، لكنه في الواقع يحمل كل ألوان الحياة وجمالها. قال لي: أتيتك بشعرٍ رائع لم تسمع مثله في حياتك قط. وضع الكاسيت في آلة التسجيل، وأنا أراقب بكرات الشريط بشغف وشوق، لأنني أثق بذوق صديقي وسعة ثقافته.
انساب صوتُ عزفٍ رائعٍ على العود، وبعد الدندنات، جاء التعريف بالشاعر؛ خالد العامري، في مجموعة “بنت الملك”. كان الإلقاء ساحراً منذ الجملة الأولى، وانسابت الكلمات، وتتالت الصور الرائعة كالمشاحيف المتتابعة في أنهار الجنوب وأهواره. ومنذ ذلك الحين تآلفنا أنا وتلك القصيد القصة، التي تمتاز بحكائية فريدة ورائعة. قصيدة حَملتْ الكثير من معالم العراق كبيئة؛ بغضب طبيعته وفيضانات أنهاره حين “يَنْخبط الماي” ويصبح لونه طينياً، وهدوء أهواره مساءً، وانعكاس خيال النسوة والرجال يركبون “المشاحيف” عائدين إلى بيوتهم، تاركين هموم اليوم وتعبه وراءهم، كل منهم متلهف للعودة إلى “الجبَش”؛ وهي صريفة من القصب المطلي بالقار، يبني أهل الأهوار عليها بيوتاً من القصب، فتكون كالجزر العائمة المتجاورة. كنتُ اسمع مجموعة “بنت الملك” مرتين أو أكثر يومياً، وأنا أعتصر ذاكرتي، وأحصر تفكيري، لاستحضر صورة ذهنية للشاعر خالد العامري، الذي امتلك ناصية القصيدة بجدارة، وزاد على ذلك بعذوبة الإلقاء باللهجة العراقية الجنوبية التي تقطر عشقاً وشجناً:
“فِدْوَة اسْتحِي.. يالسَّاحِنْ اقْليبي سَحنْ
وزارعني بحْلُوقْ الرِحِيْ
مَمْحيْ آنا من دَرب الفرح
وتريد أردَّنْ وانْمحيْ…”
أخذتنا الحياة وأشغلتنا وتنوعت “المشاحيف”، وازداد عمق المياه فعبرنا المحيطات؛ من نيويورك، إلى فيينا، إلى فرانكفورت، إلى ميونخ ونورنبيرغ، وإسطنبول، ولم تتعب المطارات من نهش حقائبنا. وكان آخر عهدي بمجموعة “بنت الملك” سنة 1992، فُقد الكاسيت، واختفى، لكن بقيت شذرات منه في الذاكرة، وبقي خالد العامري لايبرح المخيلة، فهو حاضرٌ كلما ذُكر الشعر، وكلما دار الحديث حول الجنوب؛ الشَطْرَة، أو السماوة، أو نهر الغَرَّاف، أو الجبايش أو سوق الشيوخ، أو قلعة سُكَّر، التي ذكر رُمّانها المطرب المتميز جداً حسين نعمة، في رائعته ” ياقَلْعَاوي”
مَايْ وشَكَرْ يارُمَّانْ رَيَّان ياقَلْعَاويْ لذّة وطعـم يا ابن الجنوب بحمْرتك مِتْغَاوي
يَلْ شَابك الغَرَّافْ شَبْكة شُوك تِزْهِي وضَاوي يَل مِنْتجي على أطراف برحي وحاضنك خسْتَاوي
يَلْ خَابطْ الوجنات أبيض وأسمر وحنطاوي يالصافط زلوفك حدر جرغد حبر شطراوي
من المصادفات العجيبة؛ قبل بضعة أيام، أرسل لي أحدهم على الخاص: هل لديك رائعة الشاعر خالد العامري ؛”بنت الملك”؟
قلت له: للأسف لا، لكن من أين تعرف هذا الشاعر الرائع، وهذه القصيدة الجميلة بالذات؟ ظننته في البداية أحد أصدقائي أو معارفي، ويعرف بحثي عن قصيدة الشاعر خالد العامري. لكن تبيَّن لي أنه مثلي فقد شيئاً جميلاً، ولم يمل البحث.
بحثت عن تلك المجموعة في جميع محركات البحث، ولم أجدها للأسف. فقررتُ البحثَ عن الشاعر نفسه، ولم أجد له موقعاً، سوى بعض الدراسات والكتابات عنه وعن شعره. بحثت في فيسبوك، فوجدتُ حساباً يحمل نفس الاسم، فدخلت وتصفحته، رجل وقور، يحمل سمات الثقافة في قسماته، شعر طويل أبيض. وجدتُ بعض أشعاره في الحساب، ثم راسلته على الخاص، وسألته عن المجموعة عينها، فردّ علي كتابياً، وبعد حديث قصير، تفاجأتُ باتصال منه، لم أصدِّق ذلك في البداية، ولكن عندما انساب صوته من بعيد كأنه يحمل غبار السنين وتعب الغربة، لكن في المقابل فيه خُضرة جنوب العراق وعذوبة أمسياته، ورائحة الدخان وطقطقة الحطب في المساءات الباردة، وقصيدة لم تكتمل، كتب جزءاً منها على ضوء مصباح ينوس بوهن؛ لأن جمال الجنوب للسياح من الأجانب والميسورين الذين يأتون من العاصمة للاستمتاع بطبيعة الجنوب الخلابة، وكرم أهله، ولم يرَ أحدٌ منهم معاناة أبنائه.
رحبتُ به، ودخلنا في حديث كأننا بدأناه منذ أمد بعيد، من أيام السومريين، منذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد. يعرف كلٌ منا أخاه جيداً، فقد التقينا في قصر الملكة شَبْعاد. قلتُ له متلهفاً: أين أنت يارجل؟ فأنا أبحث عنك منذ زمن..! تفاجأ بأنني أعرفه، وأعرف نتاجه، بل وأعرف بيئته. ربما بللنا المطر ونحن نجلس بجوار جدار طيني، وآلينا ترك المكان؛ لأننا بدأنا حديثاً عن جمال الجنوب وبساطة العيش فيه، وانعكاس ذلك على طبيعة أهله، فألقيتُ حجراً في ماء ذاكرته الهادئ؛ عندما ذكرتُ له الشاعر الكبير زامل سعيد فتّاح -يرحمه الله-؛ ابن الشطرة، وهو كاتب رائعة حسين نعمة “ياقلعاوي”، والشاعر زاير الدويج، وعريان السيد خلف، وكاظم إسماعيل الكاطع، وكرّتْ خرزات الحديث إلى الفنانين؛ مثل داخل حسن، وحضيري أبو عزيز، ومسعود العمارتلي، وأخبرته بأنني منذ ثلاثة أيام -ولسبب لا أعرفه- أسمع ليلى الحلاوي وفاهم الجُميلي، وعبد الأمير إدريس وبنت الريف، وجبار عكَّار، وملا ضيف الجبوري. قرأتُ الفرح في صوته، كأننا في العراق أيام زمان، في الجنوب نصطاد السمك، وتمر فوق رؤوسنا طيور الخضيري والزرازير.
كنتُ حريصاً أن أصل الحديث، ولا أترك مجالاً لانقطاعه، خشية أن يعتذر ضيفي، ونحن على ضفتي نهر من هذا العالم، كل يركب قاربه، ويحادث الآخر بصوت مرتفع، كعادة أبناء الجنوب، بحكم تأثير البيئة، فالصوت يتبدد في الهواء والفضاء. حيث كان يحدثني من مانشستر. ثم تطرقنا في حديثنا -غير المخطط له- عن جيل أغنية الستينيات والسبعينيات؛ سعدون جابر، وياس خضر، ورضا الخياط، وفاضل عواد، وصلاح عبد الغفور، والرائع جداً صاحب الصوت العذب والثقافة الرفيعة حميد منصور، حيث أفاد أبو سيف؛ الأستاذ خالد العامري أنه صديقه، وهو على تواصل معه، وكان يتردد كثيراً اسم حسين نعمة، ربما لأنه غنى:
نخل السمـاوة يكول طرّتني سمرة
سَعْف وكَرب ظليت مابيّه ثمرة
وشْجَابه للغرَّاف طير المجرَّة
شاغلها كل هالناس حيرني أمْرَه
مثل أم ولد غركَـان وابره الشرايع
كلمن وليفه وياه بس ولفي ضايع
يظن كثيرون أن هذه الأغنية هي من التراث العراقي؛ مجهولة المؤلف، لكن في الحقيقة مؤلفها هو الشاعر المبدع، ابن محافظة السماوة؛ ناظم السماوي، كاتب كثير من الأغاني الرائعة، مثل أغنية “ياحريمة” التي غنّاها حسين نعمة؛ والتي لحنها المبدع، ابن قضاء “طويريج” محمد جواد أموري؛ والذي يعد من القامات اللحنية الشامخة في العراق، كما لحن أغنية “مرينا بيكم حمد” والتي غناها ياس خضر، وأغنية “مالي شغل بالسوق”، والتي غناها حسين نعمة سابقاً، ثم طورها وغناها لاحقاً إلهام المدفعي، وقد لحن غير ذلك كثيراً من روائع الفن العراقي. يبدو أن رقة طبع أهل الجنوب انسحبت على كثير من نواحي حياتهم، فمنهم ملحنون وشعراء كثر، وهنا قفز إلى الذاكرة اسم الملحن الكبير عبد الحسين السماوي؛ الذي يسمى شيخ الملحنين العراقيين، والذي مارس المزج بإتقان بين ألوان الغناء العراقي ضمن توليفات بدت غريبة في سبعينيات القرن المنصرم، لكنه إبداع بحق، وقد شاهد كثيراً من تحولات العراق فجسدها تارة دموعاً ساخنة سخية، وعشقاً وفرحاً، وطرباً تارة أخرى.
أبدع أغاني كثيرة وكبيرة باتت خالدة في الذاكرة العربية والعراقية؛ على غرار: الرائعة “سلامات”، والتي غناها المتألق حميد منصور ، وأغنية “چَا شِلّي بسنين العمر من دونچ”، لعبد الزهرة مناتي، “تناشدني عليك الناس واتحير شجاوبها” بصوت شجي جميل لسعدي الحلي، و”حَچْيَك مطر صيف” لفؤاد سالم، وأغنية “يالجمالك سومري”، التي غناها الدكتور فاضل عوّاد و”ضوة خدك مدري ضوة الكمرة”، أيضاً غناها فاضل عواد.
عود على بدء؛ فقد اعترف نخل السماوة بأنه بات هزيلاً قليل الثمر، لابسبب اشتداد ملوحة الفرات كلما اتجه جنوباً، ولابسبب التصحر، لكن بسبب عشق فتاة سمراء، وقد تغنى العراقيون بعشق السمراء لغلبة هذا اللون في بيئتهم. فنخل السماوة يشكو من حالته التي وقع فيها في حب سمراء مرت من أمامه، وبسبب وجده وشوقه، جفَّ ولم يعد يحمل ثمراً، وبقى فيه السعف، الذي يُفترض أن يكون أخضراً، والكَرَب؛ الذي هو الجزء اليابس من بداية السعف السميك المرتبط بجدع النخلة. ومن جماليات هذه الأغنية؛ أن الحب لايثنيه البعد ولا المسافات، ولايعترف بالحدود، فهو طائر القطا الظامئ الآتي من الصحراء جنوباً إلى مياه الفرات قاطعاً مئات الكيلومترات راجعاً إلى صحرائه. كما أن الحب لا يعرف الحدود ولايعترف بها؛ فلم يكن عجيباً أن يأتي العشق بأحد طيور المجرَّة -وهو فرع نهر- إلى الغرَّاف -وهو فرع نهر أيضاً، وهناك مدينة جميلة على نهر الغرَّاف تحمل الاسم ذاته-. كما تتضمن الأغنية صورة حزينة من صور الفقد في العشق؛ وهي تشبه صورة الأم التي غرق طفلها في مكان ما، وتبحث عنه في كل نهر أو مستنقع، يبقى القلب مترعاً بالحزن وعذابات العشق؛ لأن لاخبر يقين يفيد أين اختفى الحبيب.
من جميل الأخبار التي ساقها لي أبو سيف؛ بأنه يعكف على إعادة كتابة رائعته “بنت الملك”، حيث هاتفه كثير من المعجبين والمتذوقين لشعره من مدينة الحسكة ودير الزور السوريتين، وعراقيون وعرب في المهجر، وآخرون تحنّطت صورة العراق الجميلة بذاكرتهم إلى الأبد.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة