شىء اسمه الشرف – قصة : شهربان معدي – فلسطين المحتلة

القصة …..
قصة : شهربان معدي – فلسطين المحتلة ….
عندما عاد من عمله في ذلك المساء، انقض عليها كوحشٍ كاسر، دون أن يُميز كيف يبدأ بالتهام فريسته.. وكانت ترتجف بين يديه كفراشة ترفرف بأجنحتها طلبا الخلاص..
انهال عليها بكفه العريضة في كل موضع من جسدها! سحق ذراعها بلكمة وتبعتها ضربة اخرى على رأسها، سقط منديلها فشدّها من شعرها المسترسل الناعم، وجرّها حتى الباب متجاهلا صراخ وعويل أولادها الصغار..
– يا كلبة، كيف تجاسرت أن تتحدثي مع رجل غريب؟ أيتها الحقيرة الخائنة! كل النساء خائنات، هذا هو الشيء الوحيد الذي تأكدت من حقيقته الآن..!
تشبثت برجليه، وتوسلت: أرجوك، دعني أشرح لك..!؟ الأمر ليس كما تظن؟
ولكنه أقفل نوافذ أذنيه كما أقفل نوافذ الرحمة في قلبه! ووقف على عتبة الباب، متمنياً أن يسمعه كل سكان الحي، وراح يصرخ بأعلى صوته:
– أنت طالق، طالق، طالق، أنا برئ منك إلى يوم القيامة!
الآن سوف أتصل بأخوتك، ليضبّوك من الشارع! وفي المحكمة سوف أصفي حساباتي معك ومعهم!!
ودفعها فرماها خارج البيت ككيس قمامة، يريد أن يتخلص منه صاحبه بأسرع وقت!
تحسست غطاء رأسها، عندما أقبل أخوها الكبير الذي التقطها عن الرصيف، وأمرها أن تركب السيارة بسرعة البرق، قبل أن يتشفّى ويشمت الجيران بعاره الذي ذاع على الملأ..
تكورت كطفلة مسحوقة في المقعد الخلفي، دون أن تجرؤ أن تنطق ببنت شفة! كانت ترتجف كعصفور يرتجف تحت المطر.
نظر أخوها إليها في المرآة وقلب شفتيه، كطفل صغير يُريد ان يبكي وقال لها وهو يتوعدها:
– يا كلبة! سترين ماذا ينتظرك عندما نصل..؟
سحقا.. ماذا ينتظرها أسوأ من ذلك!؟
ألا يكفيها زوجها الظالم، الذي استغل ضعفها الجسدي، لينهال عليها بهذه الوحشية! هذا السيناريو الذي تكرر عشرات المرات أمام أولادها الصغار، الذين تعقدت نفسياتهم، لم يسأل عنه أهلها؟ والآن وعندما اتهمها بالخيانة..! هرول جميعم لينتقموا ويمسحوا الأرض بها!
عند وصولهما إلى بيت أهلها، دفعها اخوها إلى الداخل برفسة من رجله المُتمرسة، واغلق الباب خلفهما بسرعة خوفا من ان يرصدها أحد الجيران بهيئتها المُزرية!
كان والدها جالسًا ينتظرها وهو يقضم اظافره بعصبية ويبصقها في الهواء..
يا عيب الشوم عليك يا مها..! قالها بصوتٍ أجش اقرب للبُكاء، انت الفتاة المثقفة المتعلمةُ، بنت الأصل والإصول! “تُوطين راسي وراس إخوتك وراس العيلة كلها.. وتدسينها في التراب..؟”
“بنت صغيرة..؟ تنجرفين ورا قلبك، ويضحك عليك رجل وضيع؟ يا فاسدة! متضايقة من جوزك احكيلنا، احكي لاخوتك وهني بيعرفوا حسابهم معاه، اما انك تحكي من ورا ظهره مع رجل غريب! فهذا مش مقبول علينا؟ فهمتِ! أنا لم اعد اباك، أنا بريء منك إلى يوم القيامة! وهجم عليها ليوسعها ضربا ورفساً!
أزاحه عنها اخوها الكبير وزمجر: – والله سأشرب من دمك! لو تموتي أهوّن علينا؛ البلد كلها عم تحكي علينا، اللي بيّسوا وما بيّسوا، وإنقض عليها بلطمة قاسية، جعلت شفتها السفلى تنزف وتتضخم بسرعة.
أسرع أخوه الاصغر وأزاحه عنها، وقال له:
– أنا الذي سأُصفي حساباتي مع هذه الكلبة! أنت رجل حكومة وسيطردونك من وظيفتك اذا اشتكت عليك!
انخرطت مها في بُكاءٍ مرير، بكاء المقهور من المظالم! أهي تشتكيّ للبوليس، وعن من..؟ عن إخوتها..! نعم؟ إنهم إخوتها، تاج رأسها حتى ولو نسفوا جمجمتها، لن تشتكيهم لأحد! وهل العين ترتفع فوق الحاجب؟
لطالما أطلّت عليهم “كسانت كلوز” مُحملة بالهدايا والمُفاجئات، لطالما حملت همومهم وفرّجت ضائقتهم، والآن ينهالون عليها كشاة ذبيحة، يتناوب على تقطيعها، جزّارون مُحترفون!
مسكينة أنت يا مها! حتى أمك في هذه المحنة القاسية خانتك!
وبدأت تردد أسطوانتها المألوفة التي حفظتها مها عن ظهر قلب:
نامي زعلانة ولا تنامي ندمانة! كم مرة قلتلك إياها يا مها!
لم تفكري في ولادك؟ لم تفكري في سمعة عيلتنا الطيبة!
نسيتِ أنه سوق النساء البخس! والمرأة تطير على كلمة من بيتها..
وإنو ارجعي عَ ظهرك ولا ترجعي عند أهلك!
ومطلقة على شو..!؟ على سُمعة! مين هذا اللي يستاهل إنك تخسري ولادك عشانو؟
قوليلنا من إبن هالحرام، إللي لِعب في عقلك يا مُغفلة؟
– ولكنني.. تمتمت مها.
– أسكتي.. لا تدافعي عن نفسك! الناس لن يصدقوا شيئًا، ونحن لن نصدقك، لا دخان بدون نار! كيف سنواجه العالم!؟ ماذا سنقول للناس..!؟
مها المرأة الاستثنائية، ثمة احد لن يصدقها، حتى ولو أقسمت مليون يمين! صحيح أنها لم تُخلق من تُراب القمر! ولكنها امرأة من ذهب أربعة وعشرين قيراط، مُلتفة، وبيضاء، تحمل عذوبة النسيم، وحلاوة السكر..
وهي ليست مُغفّلة كما يقولون عنها! بل هي إمرأة مُتعلمة، مثقفة، مُتفانية في عملها، أغدقت عاطفتها الجياشة على كل من حولها، دون ان تدرك..؟ أن هذا المجتمع الفقير من العواطف والمشاعر الإنسانية، سيبصقها كمضغة عسيرة فقدت كل خواصها، لأنها فضفضت عن بعض همومها، لأحد زملائها في العمل، الذي أزاح عن صدرها كثيراً من جبال الهمّ، بعد ان لاحظ آثار صفعة زوجها، على رُخام خدّها الغض، ولكنها.. وضعت له حدًاً عندما بدأ يتمادى..
تبا لمعشر الرجال، لا يجيدون إلاّ الاصطياد في المياه العكرة!
وهي إمرأة شريفة عصامية، صدّته بكل قوتها..
وثمة أحد لم ينكر أنها عانت كثيراً من زوجها! وأنه كان يضربها حتى أمام أولادها، وأنه أرادها ان تكون آلة لطباعة المال، وأنها عانت من الحرمان المادي والعاطفي، وأنه كان يغار عليها كثيرًا.. وأنها أرادت الطلاق اكثر من مرة، ولكن أهلها هددوها بأنهم سيستقبلونها، لوحدها، بدون الأولاد!
مها صبرت على كل شيء من أجل أولادها. الذين كسروا ظهرها!
صحيح أنهما عاشا تحت سقف واحد، ولكنهما عاشا كالأغراب، وهي كانت تحترمه كثيرًا، غطت رأسها وكل سنمتر على جسدها الجميل، من أجله، تنازلت عن عطرها وزينتها.. من أجلهُ..
وأصبحت كما أرادها، إمرأة مشمعّة ومغلّفة بالنايلون!
وهو سامحه الله، نسي ان كل ما تحتاجه مشاعر أي امرأة هو الاحساس بالأمان وبعض التقدير!
ولطالما ردد امام أصدقائه: أنصحكم بان لا تتزوجوا إمرأة تفوقكم ثقافة! لكي لا تتفلسف عليكم!؟ وهي قطعًا لم تشعره بهذا.. ولكن اقترانه بإمرأة تفوقه علمًا وثقافة، جعله يُعاني من عقدة النقص في مجتمع ذكوري محض..
تبًا لزوجها ولهذا المجتمع المادي والرجعي؛ إذا ذهبت المرأة للتعليم، إتهموها بالتفتح! وإذا لم تتعلم يقولون عنها مُتخلفة! وإذا خرجت للعمل، اتهموها بأقبح الأقوال! وان لم تعمل؟ قالوا عنها عديمة المسؤولية، وعالة على زوجها وأهلها..
مر كثيرٌ من الوقت، ومها حبيسة غُرفتها تبكي..
كان دمعها ينساب على صفحات ذاكرتها من شدة القهر، عندما تذكرت كلمات زميلها المعسولة، التي كانت تمشط أهداب روحها، وهي التي لم تتعود على سماع كل هذا الكلام!
عندما تغيبت أحد الأيام عن العمل، همس لها:
– قلبي لم يعد يخفق بغيابك!
وهي حتمًا تجاهلته واستمرت بعملها، ولكنه فتح قاموس حبه حقولا من الخداع، وكلمات لم تسمعها قط من زوجها الغبي الظالم! كلمات..؟ أحيت فيها الأنثى التي ماتت..
وهي لم تنزع عن نفسها خمار الحياء، ولم تلعب على سبعين حبلاً كما اتهموها! ولكن هذا الرجل الوضيع، استغل وضعها العائلي وخلافاتها مع زوجها، ليدخِلَها في دوامة ثانية، دوامة قررت أنها ستخرج منها بأي ثمن!
وتذكرت نصيحة إحدى صديقاتها:
– أطلبي من زوجك الطلاق، واخرجي من بيتك بكرامة، أفضل ما تحكي مع رجل آخر من ورا ظهره!
ولكنها لم تجرؤ ان تخبر أحدًا، عن هذا الرجل الحقير.. الذي بدأ يلاحقها كخيالها..
وهي لم تستسلم إليه أبدا.. ولم تنس إنها امرأة متزوجة وأنها أم وعليها تقع مسؤولية أولادها، وأنها إبنة عائلة عريقة ومعروفة! وأن أية غلطة منها، ستجعل سمعتها كمئزر المطبخ، يتمسّح فيه الجميع..
وفي اليوم الذي قررت فيه، ان تنال إجازة مفتوحة، لأنها تنوي التنازل عن وظيفتها الحساسة، ذات المرتب المحترم، خوفا من وقوعها بالخطيئة والحرام.. وخوفا أن تتحول سمعتها إلى علكة يلوكها أناس لا يعرفون الرحمة، فوجئت بزوجها ينهال عليها، بالضرب المبرّح، ويرمي عليها يمين الطلاق دون ان يفكّر مرتين..
لم يُغضب مها قرار المحكمة السريع الذي أرسلها له زوجها بالتوقيع على الطلاق، فهي توقعت هذا منذ أمد طويل! ولم يغضبها أنها خسرت حضانة أولادها، ففي كلتا الحالتين كانت ستخسرهم، بسبب زواجها الفاشل! ولا أنها ستخرج من بيتها بزيق ثوبها، فهي تدرك جيدًا أنها لم تفكر قط بخيانته! ولم تُقصّر قط في حقّهُ، أو تشترِ شيئا ارهق جيبه أو تتفوه بكلمة استفزّت طبعه!
ولكن كل ما أغضبها وخيّب آمالها أن “فاعل الخير” الذي وشى لزوجها، كان زميلها الوضيع ، الذي وإن نجح في سلبها حياتها العائلية التي كانت تُقدسها، وثقة أهلها وإخوتها، وإحترام المجتمع، ولكنه لم ينجح في سلبها شيئًا تستحيل الحياة بدونه..؟ شيء أسمه الشرف..
*****
“القصة مُختارة من مجموعتي القصصية “دموع لم تسقط”

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة