تهب الرياح من كل اتجاه .. هكذا أفكر أنا – بقلم : ادوارد جرجس

آراء حرة …
إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك …
قالوا بأنه يلزم أن ” أغير جو ” بمعنى أن ابتعد قليلا عن غرفتي أو صومعتي التي اعتكف فيها وأمامي الكمبيوتر الذي حل مكان الورقة والقلم قديماً ، تحرك الخوف بداخلهم بعد أن شاهدوا بعض الظواهر الغريبة التي اعترتني في الفترة الأخيرة ، اعيش كزاهد قرر أن يقضي الباقي من عمره على كسرة خبز وجرعة ماء ، وافقت وهم يظنون أنهم نجحوا في كسر عنادي أو صلابتي وأنا في الحقيقة لم أوافق إلا بعد أن علمت بأن بعض احفادي سيكونون معي ، الأحفاد هم الوحيدون الذين أنثني أمامهم كقصبة في مهب الريح ، ووقع الاختيار أن يكون تغيير الجو فوق ” كروز ” . ليست المرة الأولى التي امتطي فيها هذه السفينة الضخمة التي تفخر بعلوها الشاهق وطوابقها المتعددة فلقد أبحرت عليها عدة مرات من قبل ، وفي الحقيقة أحببتها لأنها تشبه كثيرا صومعتي فالدخول إليها بمثابة معتقل يسير فوق المحيط لا تتوقف سوى مرة واحدة أمام إحدى الجزر ، عدا ذلك فلا دخول ولا خروج طوال فترة الرحلة ، أنا والمياه . كلما صعدت إلى هذه السفينة أتذكر السفينة تيتانك التي تحدوا بها القدر وقالوا ما قالوا عن استحالة غرقها وكانت النتيجة أنها غاصت في المياه في الرحلة الأولى لها ، وكأن الله قرر أن يكسر غرور البشر بل ويظهر نفوسهم السوداء وطاقم الباخرة ينقذ الأثرياء أولا ويترك الفقراء لمصيرهم وقد غرق معظمهم ، بالتأكيد هذه السفن الحديثة أفضل من تيتانك ، ولا أُنكر أنني أشعر بالفخر لأن الله ترك للعقل البشري أن يرتفع وينمو ، لكن بشرط ألا يتحداه ، فالسفينة مدينة كاملة عائمة ، لا يلزمها سوى أن تعلن استقلالها وقد يحدث إذا كان ضمن ركابها أحد الرؤساء العرب ، ابتسمت عندما وردت في رأسي هذه الفكرة متذكراً النكتة التي أُطلقت في عهد عبد الناصر وقد عُرف عنه أنه كان مولعاً بتشجيع الثورات في أي بلد وأول من يؤيدها ، وفي ذلك الوقت كان قد عُرض أحد الأفلام السينمائية بعنوان ” ثورة على السفينة بونتي ” فاتصل ناصر فورا برئيس الوزراء كي يرسل برقية تعلن تأييده شخصياً للثورة . في الحقيقة عندما أصعد إلى هذه السفن أشعر بالفخر أكثر للرقي في التعامل ، أرفع قبعة الاحترام أمام الرقي في التعامل الإنساني ، في كل مكان على سطحها لا ترى سوى الابتسام سواء من العاملين أو زملاء الرحلة اللذين يفوق عددهم ثلاثة ألاف بين رجال ونساء وأطفال ، وأتخيل لو أن هذه السفينة كانت في إحدى دول العالم الثالث ، بالتأكيد كان القلم سيكتب مأساة مبكية مضحكة عن ما سيحدث في الطابق العلوي الذي يحتوي على حمام السباحة والجاكوزي واللحم الأبيض الذي لا يتحرج عن أن يكشف عن نفسه بكل حرية ، هنا لا أحد ينظر ولا أحد يعلق ، في بلادنا لا يتورعون عن التحرش حتى بالمحجبات ، فأسفل الحجاب يوجد لحم أنثوي وبصرف النظر عن بياضه أو سماره لا بد أن تمتد يد الأخلاق السفيهة نحوه ، فكرت كثيرا في جملة ” كل ممنوع مرغوب ” وفكرت كثيرا في العري والحلال والحرام ، لكن بما أنني لا أرتدي ثوب رجال الدين وأسير بفكري أقول هؤلاء لهم عاداتهم وتقاليدهم التي يحترمونها جداً والحرية قانون فوق رأس الجميع .
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة