حوار التناظر مع الشاعر العراقي الراحل ” محمد مهدي الجواهري” وقصيدة رثاء زوجته “أم فرات ” بقلم : د . مازن حمدونه – فلسطين المحتلة

ابداعات عربية .. فن وثقافة ….
في عام 1993م توفيت زوجة الشاعر محمد مهدي الجواهري “أم فرات” وهو خارج القطر يشارك في مؤتمر في لبنان، ولم يحضر مراسيم الدفن، لانه كان ممنوعا من دخول العراق ويقيم في سوريا
نشر للجواهري أول قصيدة عام (1931) . وتوفي في أحضان الشام في أحد الصباحات عام (1997) بعيداً عن العراق.
في ذِمَّةِ اللهِ ما ألقَى وما أَجِــدُ
أهذهِ صَخرةٌ أم هذهِ كَبِـــدُ
قدْ يقتلُ الحُزنُ مَنْ أحبابهُ بَعُـدوا
عنه فكيفَ بمنْ أحبابُهُ فُقِــدوا
تَجري على رَسْلِها الدنيا ويَتْبَعُها
رأْيٌ بتعليـلِ مَجْراهـا ومُعْتَقَـدُ
أعْيَا الفلاسفةَ الأحرارَ جَهْلُهمُ
ماذا يُخَبِّـي لهم في دَفَّتَيْـهِ غَـدُ
طالَ التَّمَحُّلُ واعتاصتْ حُلولُهمُ
ولا تَزالُ على ما كانتِ العُقَـدُ
ليتَ الحياةَ وليتَ الموتَ مَرْحَمَـة ٌ
فلا الشبابُ ابنُ عشرينٍ ولا لَبدُ
ولا الفتاةُ بريعانِ الصِّبا قُصِفَـتْ
ولا العجوزُ على الكَـفَّيْنِ تَعْتَمِـدُ
وليتَ أنَّ النسورَ اسْتُنْزِفَتْ نَصَفَاً
أعمارُهُنَّ ولم يُخْصَصْ بها أحـدُ
حُيِّيتِ (أمَّ فُـرَاتٍ) إنَّ والـدةًً
بمثلِ ما انجبتْ تُـكْنى بما تَـلِـدُ
تحيَّةً لم أجِدْ من بـثِّ لاعِجِهَـا
بُدَّاً, وإنْ قامَ سَـدّاً بيننا اللَّحـدُ
بالرُوحِ رُدَّي عليها إنّها صِلَـةٌ
بينَ المحِبينَ ماذا ينفعُ الجَـســدُ
عَزَّتْ دموعيَ لو لمْ تبعثي شَجناً
رَجعتُ منهُ لحرَّ الدمعِ أَبْـتَــرِدُ
خلعتُ ثوبَ اصطبارٍ كانَ يستُرُنـي
وبانَ كَذِبُ ادَّعائي أنني جَلِـدُ
بَكَيْتُ حتى بكا مَنْ ليسَ يعرفُني
ونُحْتُ حتىَّ حكاني طائرٌ غَــرِدُ
كما تَفجَّر عيناً ثـرةًً حَجَـــرُ
قاسٍ تفجَّرَ دمعاً قلبيَ الصَّلِــدُ
إنَّا إلى اللهِ! قولٌ يَستريحُ بــهِ
ويَستوي فيهِ مَن دانوا ومَن جَحَدُوا
مُدي إليَّ يَداً تـُمْدَدْ إليكِ يَـدُ
لا بُدَّ في العيشِ أو في الموتِ نَتَّحِـدُ
كُنَّا كشِقَّيْنِ وافى واحِـدا ً قَـدَرٌ
وأمرُ ثانيهما مِن أمـرهِ صَـدَدُ
ناجيتُ قَبْرَكِ أستوحـي غياهِبَـهُ
عنْ حالِ ضَيْفٍ عليه مُعْجَلاً يَفِـدُ
وردَّدَتْ قَفْرَة ٌ في القلب ِ قاحِـلة ٌ
صَدى الذي يَبتغي وِرْدَاً فلا يَجِـدُ
ولفَّني شَبَـحٌ ما كانَ أشبهَــهُ
بِجَعْدِ شَـعْرِكِ حولَ الوجهِ يَنْعَـقِدُ
ألقيتُ رأسـيَ في طَّياتِـهِ فَزِعَـاً
نَظِير صُنْعيَ إذ آسى وأُفْتَــأدُ
أيّامَ إنْ ضاقَ صدري أستريحُ إلـى
صَدْرٍ هو الدهـرُ ما وفّى وما يَعِدُ
لا يُوحِشُ اللهُ رَبْعَاً تَـنْزِليـنَ بـهِ
أظُنُّ قبرَكِ رَوْضَاً نورُهُ يَقِــدُ
وأنَّ رَوْحَـكِ رُوحٌ تأنَسِينَ بهـا
إذا تململَ مَيْتٌ رُوحُهُ نَـكَــدُ
كُنَّا كنَبْتَـةِ رَيْحَـانٍ تَخَطَّمَهـا
صِرٌّ فأوراقُـها مَنْزُوعَة ٌ بَــدَدُ
غَطَّى جناحاكِ أطفالي فكُنْتِ لَهُـمْ
ثَغْرَاً إذا استيقظوا , عَيْنَاً إذا رَقَدوا
شَتَّى حقوقٍ لها ضاقَ الوفاءُ بها
فهل يكـونُ وفـاءً أنّـني كَمِـدُ
لم يَلْقَ في قلبِها غِلٌّ ولا دَنَـسٌ
لهُ مَحلاً ، ولا خُبْـثٌ ولا حَسَـدُ
ولم تَكُنْ ضرَّةً غَيْرَى لجارتِـها
تُلوى لخيـرٍ يُواتيها وتُضْطَهَـدُ
ولا تَذِلُّ لِخَطْبٍ حُـمَّ نازِلُـهُ
ولا يُصَعِّـرُ منها المـالُ والوَلَـدُ
قالوا أتى البرقُ عَجلاناً فقلتُ لهـمْ
واللهِ لو كانَ خيرٌ أبْطَـأَتْ بُـرُدُ
ضاقتْ مرابِعُ لُبنان بما رَحُبَـتْ
عليَّ والتفَّتِ الآكامُ والنُجُــدُ
تلكَ التي رَقَصَتْ للعينِ بَهْجَتُـها
أيامَ كُنّـا وكانتْ عِيشَةٌ رَغَـــدُ
سوداءُ تَنْفُخُ عن ذكرى تُحَرِّقُـني
حتَّـى كأنّي على رَيْعَانِهَا حَــرِدُ
واللهِ لم يَحْلُ لي مَغْـدَىً ومُنْتَقَلٌ
لما نُـعِيتِ ولا شخصٌ ولا بَلَـدُ
أين المَفَـرُّ وما فيها يُطَارِدُنـي
والذكرياتُ ، طَرِيَّاً عُودُها، جُـدُدُ
ألظـلالُ التي كانَـتْ تُفَيِّئُنَـا
أمِ الهِضَابُ أمِ الماءُ الذي نَــرِدُ
أمْ أنتِ ماثِلَة ٌ؟ مِن ثَمَّ مُطَّـرَحٌ
لنا ومِنْ ثَـمَّ مُرْتَاحٌ ومُتَّـسَـدُ
سُرْعَانَ ما حالَتِ الرؤيا وما اختلفتْ
رُؤَىً , ولا طالَ- إلا ساعة ً- أَمَـدُ
مَرَرْتُ بالحَوْر ِ والأعراسُ تملأهُ
وعُدْتُ وهو كمَثْوَى الجانِّ ِ يَرْتَـعِدُ
مُنَىً – وأتْعِسْ بها- أن لا يكونَ على
توديعِهَا وهي في تابوتِـها رَصَدُ
لعلنِي قَـارِئٌ في حُـرِّ صَفْحَتِهَا
أيَّ العواطِفِ والأهـواءِ تَحْتَشِدُ
وسَامِعٌ لَفْظَـةً منها تُقَرِّظُـني
أمْ أنَّهَا – ومعـاذَ اللهِ – تَنْتَقِـدُ
ولاقِطٌ نَظْرَةً عَجْلَى يكـونُ بها
لي في الحَيَاةِ وما أَلْقَى بِهَا ، سَنَـدُ
——————
* نشرت في جريدة ” الرأي العام ” العدد 178 في 18 آذار 1993 .
المصدر: دار المدى (2001) ، محمد مهدي الجواهري ، ص(35)
حوار التناظر للكاتب 2019م
أيا سيد الرجال في طهرك الشعرُ والنظمُ ، أنت غادرت بعد لوعة وسهد كيف يمر علي نصك وقصيدتك في رثاء زوجتك “أم فرات”واسمع نحيب صوتك ولا يسيل من بعدها الدمعُ . كم لامس الأسى بطون الفؤاد واهتز له الكبدُ .وكم أوجعني من بعدها كلما مررت على نصك مفرداته رسمت وجعا وألمُ .اليوم أنت في دار قد جمعكما الرب كما شاء لك ويحلو .
هي ذهبت في ذمة الله وأنت في غربةْ ، ووحشة سفر ولم تكن تقف جوارها حينما ودعتك في سريرتها ، عندما خفق الفؤاد وجاءك اليقين بخبرها فانطوت عليك الدنيا وضاقت ، واشتدت من بعدها عليك المحنُ .وقفت أمام شواهد قبرها ولا عجباَ يرقد من تحته نصف الفؤاد منفطرُ .
كثر كل أولئك الذين مزق شرايين فؤادهم أحبة عنهم غابوا، فحسبك بكل من أحبتهم فقدوا ! فأنت محق لو ضاقت عليك الدنيا من بعدها ،رغم رحابتها تراها كثقب أبرة لا تتسعُ .
فراق المنون ليس سفراً ننتظر من بعدها عودة أحبةُ ، شاء الله لهم قدراً فكانت أعمارهم قدرت بقدرُ . هم غابوا ومن بعدها خبت عليك الظلمة ، كما يسقط الشهبُ . تبقى سر الدنيا بيد خالقها تمضي على رسلها كعزف ونظم القوافي في الشعر نستشعر من بعدها الوجع والألمُ . ترى كل فلاسفة الكون يرسمون الحكمة والفكر والمعاني ولكنهم عند معجزة الموت يقفوا ، فهم ليس أنبياء الله ، ولا من عنده رسلُ .
أنت بكيت وأبكيت البشر والحجرُ ، وأنا من بعد عقود البكاء أجهشهُ . نحيب صوتك كان بالأمس وكأنه بيننا ينوح والفؤاد يعاتب العين كلما الدمعُ منه انتقصُ .
لبست ثوب الصبر أمام الناس كصنديد تصطبرُ ، ولكنها لحظات حاورني صوتك شجنا ومن بعدها اجترنى الأسى وسال من بعدها الدمعُ .
يا توأم الروح مدي يدك ، ليدى وضميها فلم تعد للحياة من بعدك كسبُ ولا مددُ . كنا في الحياة نتحد والآن تغادرين بالموت كيف هذا ، وكان لابد أن نتحدُ .
أيا “أم فرات” ردى عليه سلامه ، كيف لا وأنت في الفؤاد من أشعل لوعةً بموقدهُ ، فلا الصخر ولا الحجر سداُ بينكما حجبوا . لو همست روحك له همساً لابد للفؤاد بداً يرتعشُ . فلا الوصل وصال الجسد بينكما لطالما الأرواح أنقى الطهر والقدسُ .
ناجيت قصرك في القبر أنت ساكنهُ سألته عن ضيف حل فيه بعجالة ،فكنت كمن جففت الأقدار خبره فمن بعدك الفؤاد جف وجدانه ، تاهت مشاعره ، وبقيت خالي الوفاض بلا جواب أو رداً عليه من أحد يردُ .
مر طيفك بعين عقلي وتجسد الوجه والشعر من حوله منعقد ….
كلما ضاق صدري وفاض فيه الأسى كنت أنت راحة صدري والدهر لم يتركني ولم يعد ولا بيني وبينه وعدُ كما كنا نعدُ .
لبنان بكل جمالها ورحابتها ضاقت علي وكم لفني الأسى والألم داخلي نبتُ
جاءها المنون خلسة وما أتعسه أن تغادرني ولم يفسح لي وداعها وهي في تابوتها رصد .
اغتسلت طاهرة فوق الطهر لسفرها الأخير لا عودة من بعدها ، غادرت ولم أنل وداعها عل نظرة الوداع كانت لي في الدنيا من بعدها سند ُ.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة