تهب الرياح من كل اتجاه .. هكذا أفكر أنا – بقلم : ادوارد جرجس

آراء حرة …..
إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك …
أحيانا أشعر إنني حتى الآن أعيش خارج باب الأدب والثقافة ، أدعي بأنني قرأت كثيرا وأنني أغوص حتى أذني بين أكوام الكتب ، وفجأة وشئ بسيط يعيدني إلى نقطة الصفر أو نقطة الجهل بما أدعيه . كنت أقلب في مكتبتي التي أضع فيها ما أقتنيه من كتب عندما عثرت على كتاب بعنوان ” لا تولد قبيحا ” مجموعة قصصية لكاتب أسمه ” رجاء عليش ” ، جلست بين أكوام الكتب المبعثرة أحاول أن أتذكر من هو ” رجاء عليش ” ، فلم تسعفني الذاكرة ، فتحت الكتاب ووجدت مقدمة تقول أنه الطبعة الثانية لمجموعة قصصية أصدرتها له الدار الناشرة بعد وفاته وجاء فيها : رجاء عليش الذي انتحر عام 1979 بإطلاق النار على رأسه ، وترك خلفه كتابين أحدهما المذكور أعلاه وكتاب آخر بعنوان ” كلهم أعدائي ” ، انتحرعليش في سيارته ، بالقرب من منزله ، ولم يرد في المقدمة أى شئ عن سبب انتحاره سوى بأنه ترك خلفه رسالة موجهة إلى النائب العام يشرح فيها سبب انتحاره . الحقيقة لم أستطع التوقف عن القراءة حتى صفحته الأخيرة وحز في نفسي مرارة الكلمات التي تكشف عن حساسية الكاتب وأن العالم حوله كان متنمراً . قررت أن أكتب جزءا من مقدمة كتابه ” لا تولد قبيحاً ” التي بدأها بكلماته : أصف لكم نفسي .. أنا رجل بلا امرأة ، بلا حقل للقمح ، بلا زجاجة نبيذ ، بلا كرة للعب ، بلا ذكريات مضيئة ، بلا طريق للمستقبل ، على قبري ستكتب العبارة الآتية .. هنا يعيش إنسان مات أثناء حياته ، أنا رجل تتبعه الضحكات والكلاب ، ضحكات الناس ودعوات الكلاب ، أنا رجل تلعنه المرأة في الشارع وتحبه في الفراش ، أنا ملك يرتدي ثياب صعلوك ، مفكر يلعب بدمية طفل ، مهرج يحاول أن يخلع قناع الضحك من فوق وجهه دون جدوى ، فالطبيعة قد وضعته وألصقته ليبقى إلى الأبد ، أنا أفكر كأنني أحلم وأحلم كأنني أفكر . أنت لطيف ككرسي حمام ، ظريف كسيجارة بعد الغداء ، لذيذ ككوز ذرة مشوي ، مسلي كببغاء أربيه في المنزل ويقول لى نكات لطيفة طوال الوقت ، طيب كقط حنون يتمسح في ساقي ويقفز فوق حجري ، أنت مثل أخي تماما ، هذا ما تقوله لي النساء دائما .. أنا وفي طيب .. شجاع ككلب ذكي كحمار . أبي : بنوتي لك تمنعني من كراهيتك ، لا أعتقد أنني حقيقة أكرهك ، لكني لا أستطيع أن أغفر لك أنك أحضرتني إلى عالم يناصبني العداء الشديد حتى نخاع عظمه ، خلقتني غريباً يا أبي أبحث عن الانسجام في عالم ملئ بالفوضى ، أتعذب ، أتعذب ، أتعذب وحدى دائما على إيقاع ضحكات الآخرين وسخرياتهم ، ربما لذلك لم أكرر المأساة وأنجب أبناء من صلبي ، تكفي مأساة واحدة يا أبي أليس كذلك . هذه صفحات عن أغرب مشكلة في حياتي ، مشكلة القبح ، يمكنك أن تتخيل أغرب رجل في العالم ، أقبح وجه يمكنك أن تصادفه في أي مكان على الأرض لتتأكد أنك تراني أمامك ، الأضحوكة الدائمة الغرابة ، أنا دائما الأغرب الأفظع ، الأقبح . السؤال : كيف تجمعت كل هذه المرارة في حلق عليش لتدفعه للإنتحار ؟!.
edward [email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة