برمجة الذات.. كيف ننقذ إنسان المستقبل الهجين من سياسة القطيع – بقلم : بكر السباتين

دراسات ….
بقلم : بكر السباتين – الاردن …
العقل العربي بات مخطوفاً من قبل العالم الافتراضي وكأنها الطريق الحتمي نحو مستقبل الإنسان الهجين.. المبرمج والذي يتم التحكم بتفاصيل حياته ومصيره من وراء حجب يستحكم خلفها اقتصاد وحشي متعدد الجنسيات مدبر ذو سطوة ونفوذ يمتلك التكنلوجيا ويضع أجندته على أساس أن العالم ملكه.. وما الإنسان في حساباته إلا مجرد رقم وطني وبيانات تتبع مؤشرات السوق في إطار سياسة الاستحواذ التي تسيطر عليها الدول الأقوى في هذا العالم المستباح.. هؤلاء يمتلكون السلاح الخفي الذي يوصف بأنه ذو حدين.. علم البرمجة اللغوية والعصبية الذي ما لبث بكل تفاصيله ومحدداته يدور في فلك علم النفس بينما تدفعه خواصه التي هي آخذة في التبلور لدفعه بعيداً عن سياق علم النفس ليستقلَّ وفق محدداته الخاصة كعلم نظري وتطبيقي في الآنين معاً.. لذلك يتم التعامل معه في كثير من الأحيان كعلم مستقل تماما.
من هنا تأتي أهمية علم البرمجة اللغوية والعصبية لرعاية إنسان المستقبل الرضيع لبلورة شخصيته في عالم يسوده الافتراض وتتحكم به السياسات الرقمية وتطبيقاتها التي تساهم في صنع الإنسان الهجين.. من هنا يظهر علم البرمجة اللغوية العصبية كداء ودواء.. فهو حينما يستخدم من قبل الجهات المشبوهة ذات الأجندات النفعية القائمة على الميكافللية القائلة بالغاية تبرر الوسيلة، بحيث يكون الإنسان ضمن هذه المعادلة هو الضحية، بحيث يعمل علم البرمجة اللغوية والعصبية على برمجة الإنسان “التابع” في إطار سياسة القطيع.. وعلى نقيض ذلك سيكون سيناط بذات العلم مهمة إنقاذ الإنسان من أي شر محدق به من خلال بلورة شخصيته المستقلة بحيث تعزز فيه الطاقة الإيجابية والقدرة على التغيير.
البرمجة اللغوية العصبية وإنسان المستقبل الرضيع
ما هي البرمجة العصبية اللغوية.
إنها علم هندسة الإنسان ومفاتيح الشخصية.. ويمكن تعريفها على أنها علم يكشف لنا عالم الانسان الداخلي وطاقاته الكامنة ويمدنا بأدوات ومهارات نستطيع بها التعرف على شخصية الانسان وطريقة تفكيره وسلوكه وادائه وقيمه، والعوائق التي تقف في طريق ابداعه وتفوقه وتقنيات التأثير عليه”.
ومن أهم فوائد البرمجة اللغوية العصبية:
– تطوير الشخصية:
ويتم ذلك من خلال زيادة الثقة بالنفس للقيام بالمهام المنوطة بالإنسان، وإتقان حسن الاتصال مع ذاته أولاً ومن ثم الاتصال التفاعلي الناجح مع الآخرين، وهذا يعزز من الطاقة الإيجابية لديه، لا بل ويساعد على إزالة الخوف والمشاعر المؤلمة، ويخفف الألم الذي يؤدي بدوره إلى التراجع والإحباط، والتعزيز من طاقة الإنسان السلبية.
– تطوير الأداء:
ويتم ذلك بواسطة تنمية الحوافز للعمل والإنتاج، وتطوير التفكير الإبداعي، أيضاً تحسين قدرة الإنسان على الخطابة والتعبير الناجح عن الأفكار الخاصة والعامة، كذلك رفع مستوى الأداء الرياضي والفني والمهني، ومن ثمَّ معرفة استراتيجية نجاح وتفوّق ونبوغ الآخرين كي يطبقها الإنسان على نفسه.
– التربية والتعليم والتدريب:
والتي تساعد على سرعة التعلم والتذكر، وتشويق الطلاب للدراسة، كذلك رفع مستوى الأداء للأساتذة والمعلمين.
– الإدارة والتجارة والأعمال:
تساعد على تعلم مهارات التفاوض والبيع والتسويق، أيضاً تحفيز الموظفين، وتحديد الأهداف، ثم التخطيط الاستراتيجي.
وما دام العقل الباطن هو المنطقة التي تتم فيها عملية التغيير من خلال صناعة الأسئلة المبرمجة فلا بد من العودة إليه لتوضيح آلية البرمجة العصبية اللغوية.

“البرمجة العصبية والعقل الباطن
لدى العقل الكلي مهمتان، تتجلى الأولى بالعقل الظاهر (الواعي) الذي يفكر بحرية ويكوّن أفكارَ جديدة وبأنه المسئول عن المنطق والحساب، ويعمل بسرعة 40 بت بالثانية، والبت هي أصغر وحدة قياس للمعلومات الرقمية في الحاسوب والاتصالات.
أما العقل الباطن فهو مجموعة من العناصر التي تتألف منها الشخصية، وقلنا بأنه يحتوي على المحركات والمحفزات الداخلية للسلوك أو أنه مقر الطاقة الغريزية النفسية والجنسية، إضافة إلى الخبرات والتجارب السابقة في جميع مراحل أعمارنا، ويمثل أيضاً مركز العواطف والانفعالات ومخزن الذاكرة العميقة، ويعتبر أيضاً الجزء الأرشيفي للعقل حيث يحفظ المعلومات القديمة منذ كان الإنسان طفلاً حتى تلك التي يعتبرها العقل الظاهر عابرة وغير نافعة.
فالعقل الباطن لا يستطيع أن يخرج عن برمجته المحددة، آلياً وتلقائياً، بناءً على ردود الأفعال السلوكية المخزنة مسبقاً، ويعمل بدون علم أو سيطرة العقل الظاهر بطاقة عالية ومؤثرة. فمن بين 96% إلى 98% من القرارات يقررها العقل الباطن دون إرادة الإنسان؛ لذلك يمكن أن نفهم لماذا لا نستطيع الامتناع عن ممارسة ما نحبه حتى لو تضارب الأمر مع مصالحنا أحياناً، لذلك فالعقل الباطن هو الأقوى والأسرع بكثير من العقل الواعي، فهو الذي يشكل وينظم طريقة حياتنا. فتَعَلُّمْ قيادة الحاسوب على سبيل المثال، وخاصة الطباعة بداية الأمر يلزمها التركيز التام لأنها عملياً تكون في عهدة العقل الظاهر، ولكن بعد مدة من التدريب تصبح القيادة عادة يتحكم بها العقل الباطن فيصير بوسع المستخدم الطباعة أحياناً بمهارة فائقة دون النظر إلى مفاتيح الأحرف، كذلك الحال بالنسبة للمحاسب الذي يطبع قوائم الحسابات دون النظر إلى الآلة الحاسبة بمهارة مذهلة، وهو الحال نفسه بالنسبة لقائد المركبة الذي سيتمكن بعد الخبرة الطويلة في قيادة المركبة، من التحدث إلى جاره أو استعمال الهاتف أثناء القيادة لأن العهدة بعد التمرين وفي حالات التعب والسرحان تكون في عهدة العقل الباطن الآمنة، وهذا يحدث كثيراً، وكانت تثير لدينا الأسئلة المبهمة التي لا نجد لها تفسيرا منطقياً. وعلاوة على ذلك يمكننا فهم السر الذي يجعل المشرفين على الموت من الكبار يعيشون في الماضي السحيق ويقومون بنبش الذاكرة العميقة في العقل الباطن؛ هذا بالطبع لأن أحد عناصر التفكير المتمثل بالدماغ يكون معطوباً وبما أنه مرتبط من خلال الجهاز العصبي بمكونات الذهن الحسية، فمن البديهي أن يتعطل العقل الظاهر المرتبط بالواقع المنطقي المحسوس؛ لهذا يسيطر العقل الباطن كلياً على أولئك المشرفين على الموت، فيعيشون الماضي بتفاصيله وكأنه واقع محسوس.

مبدأ التكرار في البرمجة اللغوية والعصبية
من هنا يمكن برمجة العقل الباطن بالتكرار كأحد أهم قوانين البرمجة العصبية اللغوية، فبرمجته لا تحتاج للمنطق أو التفكير أو التركيز، خلافاً لما يحتاجه العقل الظاهر لحل مسألة رياضيات على سبيل المثال. وهذا هو باب التغيير السلوكي للإنسان من خلال:
تكرار الرسائل التحفيزية التي ستقلب حياة الإنسان رأساً على عقب.
وكذلك من خلال الإيمان والدعاء والصلاة حيث ثبت للعلماء بأن ممارسة الشعائر الدينية تؤثر على المنطقة المستثارة في الدماغ، وهي منطقة الفص الصدغي ويُعَرَّفُ بأنه” قسم من القشرة الدماغية التي توجد أسفل الشق الوحشي في نصفي الكرة المخية في دماغ الثدييات وتقع عليه مسؤولية أساسية في استيعاب السمع و اللغة” وهي المنطقة المسؤولة أيضاً عن العواطف وتخزين المعاني الجديدة، وبذلك أثبتت قدرة الصلاة والإيمان في كل الأديان على اختراق العقل الباطن اللاواعي وإعادة برمجته بمشاعر جديدة؛ لتعيد تشكيل نمط حياة جديدة للإنسان.

التأكيدات الإيجابية (الرسائل) إلى العقل
ومن خلال التكرار في طرح الاسئلة التحفيزية المستهدفة، يمكن التأثير على الإنسان بالخديعة لقلب الحقائق وتغيير محددات الأشياء التي تؤمن بها أو تفرض عليك. ومن أشد الأمثلة وطأة هو ما يمارسه الإعلام المضلل البربوغاندا أو الأجهزة الاستخبارية أو الجيوش الإلكترونية فيما يعرف بغسيل الدماغ، والأمثلة على ذلك كثيرة.
وعليك الانتباه إلى أن الرسائل التي توجه للعقل الباطن تعتمد على استخدام الفعل المضارع على نحو: “أنت تجتهد” والعملية تتم هكذا:
يوجه أحدهم رسالة للشخص المعني في هذا المثال يقول فيها بأنه “نصاب على صعيد تعاملاته التجارية”.. فينقب العقل الواعي في إطار عملية التفكير السريعة في الذاكرة الصغيرة الملحقة به ليتأكد فيما لو اقترنت تهمة النصب بعملية تجارية تتضمن معطيات النصب المألوفة لدى الناس على اعتبار أن العلاقة بين التهمة ومعطيات الذاكرة معقولة وعليه يتخذ القرار.. ولو اكتشف العقل الظاهر عدم وجدود حادثة معينة بعد قيامه بمراحل البحث والتقييم للتأكيدات في العقل الكلي على نحو:
– مستوى الحدث أو الواقع المعاش.
– الأفكار
-الأحاسيس
-المقارنة الذاتية
-الحكيم الداخلي (الوعي)
قإنه سيلجأ إلى العقل الباطن اللاواعي.. ويرسل إليه رسالة عصبية عبر السيال العصبي يطلب منه ملفات تتعلق بهذه التهمة “هل أنا نصّاب”
وبعد حصوله على المطلوب يكتشف طبيعة هذه الصفة السلبية فيما لو كانت منطقية أم لا.. ومن هنا تبرمج شخصيته على ذلك ومن حيث لا يدري يتصرف كنصاب..
ولكن بما أن الضمير وهو الحكم العادل الموجود بين النقيضين (السلبي والإيجابي) في الأحكام والصفات فإنه يبادر إلى إرسال الرسائل إلى العقل الباطن اللاواعي يطلب إزاءها ملفات تتعلق بحوادث حصلت معه بدا من خلالها تاجراً نزيهاً، فيلبى طلبه.. ويحيلها الضمير من ثم إلى العقل الظاهر الواعي؛ كي يجري حساباته.. فالصفة التي تغلب عليه من حيث كونها سلبية أو إيجابية ستكون سيدة الموقف في التأثير على الشخص المعني بهذا لمثال.. فإن ثبت للعقل الظاهر -مثلاً- أن بيانات حوادث النصب بعد جدولتها أكثر، يبدأ العقل الكلي برمجته الذاتية الإيجابية.. من خلال إيهام العقل بالجانب الإيجابي من خلال كونه تاجراً نزيهاً حتى يخزن ذلك في الذاكرة العميقة، وكلما كررت الرسائل يطمئن العقل الباطن إليها أكثر ويفتح لها ملفات معتمدة لديه، حيث يتم ذلك من خلال الرسائل (بالفعل المضارع).. لهذا سيجد العقل الباطن الملفات الكافية حتى يقوم الضمير بتوفير الملفات الكافية التي تغير موازين الشخصية السلبية إلى الإيجابية في العقل الظاهر كي يتخذ قراراته المنطقية وفق المعطيات التي يتزود بها من الذاكرة العميقة ثم يؤمن بها كمسلمات ما دام مصدرها العقل الباطن اللاواعي..

العقل الباطن لا يفرق بين الحقيقة والخيال
ورغم قوته المذهلة إلا أن عقلك الباطن لا يميز بين الحقيقة والخيال ومن هنا يمكن إيهامه بأن الخيال حقيقة تعيشها من خلال التكرار بمعلومات قد تفيدك في التخطيط لتحقيق أحلامك وطموحاتك على أن لا تكون مستحيلة وفق إمكانياتك. ودليل ذلك أنه حينما تحلم بكابوس وهمي، يتصبب العرق من جبينك لا إرادياً، والسبب أن المُتَخَيَّلْ يخدع عقلك الباطن ويثير ردة فعل لدى دماغك ليتعامل مع الموقف كأنه استثارة محسوسة، فتتناسب استثارة الذهن الحسي طردياً مع أبعاد الصورة المتكونة في الحلم، وتكون تلك لاستجابة كما يحدث إزاء مشاعر الخوف التي تداهمك في المواقف الواقعية المحسوسة، بما يرافق ذلك من تعرق شديد، وزيادة في نبضات القلب، وسرعة التنفس، والرغبة بالتبول اللاإرادي أحياناً، مثلما يحدث في مواقف الرعب الحقيقية.
“وقد أجريت إحدى التجارب الشهيرة على أحد رياضيي التزلج، حيث ثبتت على صدره مجسات موصولة بجهاز لقياس الترددات والنبضات في جسم الإنسان، وطلب منه وهو مستلقٍ على ظهره تخيل نفسه وهو يمارس رياضة التزلج على الجليد، فإذ بمؤشر القياس يسجل بياناته وكأن عملية التزلج حقيقية”. فالعقل الظاهر هو الذي يوضح واقعك ويحدد ملامح شخصية الإنسان الحقيقية.
ففي تجربة حبوب الوهم المسماة بلاكيبو أعطي أحد المرضى النفسيين هذه الحبة على اعتبار أنها علاج حقيقي فيما أعطي الآخر حبة دواء حقيقية فشفي المريضان. وهذا يفسر السبب من وراء العلاج الوهمي الذي يقدمه الدجالين للمرضى فتحقق نتائج حقيقية، إنه إيهام العقل بأن الخيال حقيقة، وهو أيضاً يمثل مدخلاً لاختراق عقل الإنسان واستغلاله من قبل النصابين.
وعليه فإن الوسواس المرضي مرده إيحاء الإنسان لعقله الباطن بأنه مريض، رغم سلامة بدنه فيصاب بأعراض المرض كردة فعل غير منطقية يقوم بها العقل الباطن إيماناً منه بأن ما توهم به المصاب بالوسواس حقيقة. فمن هنا يمكن لتعليقات الآخرين السلبية أن تتسلل إلى عقلك الباطن فتهتز ثقتك بنفسك من خلال استجابة العقل الباطن لها. لذلك لا يجب الاكتراث بتعليقات الآخرين في إطار الحراسة المحكمة لعقلك الباطن فتعزز ثقتك بنفسك.

سياسة القطيع
يمكن للأجهزة الأمنية من خلال مبدأ التكرار أن تقنعك بسياسة حكومة ما يستحوذ عليها الفاسدون لتمرير برامجها المشبوهة، لا بل بوسعها تحويل صورة الفاسد في نظرك إلى بطل قومي حتى لو شهد عليه التاريخ بأنه جزار قاتل، لا بل يمكن لهذا الإعلام المضلل البربوغاندا والمسيس أن يعزز موقف السياسيين المجير في أي مكان في العالم، باستبدال عدوك التقليدي الذي يحتل أرضك بتحسين صورته من خلال تزويد عقلك الباطن بعبارات الإطراء للعدو خلافاً لحقيقته واستبداله بعدو جديد ليصبع العدو التقليدي مقبولاً لديك خارج إرادتك كما يحدث في ردود الفعال تجاه صفقة التي برمج العقل العربي الشعبوي على وأدها في عقله الباطن رغم تفاعلات الصفقة على الرض لتستعيد القضية الفلسطينية تألقها، هذا ما يحدث في تداعيات التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية على سبيل المثال، وفي نموذجه السلبي، فكلنا يعلم كيف تحول المحتل الإسرائيلي لفلسطين إلى صديق لبعض أعداء الأمس من العرب. أما في نموذجه الإيجابي، فقد تقبل الجنوب أفريقيين البيض عدو الأمس وصاحب الحق نلسون مانديللا ليكون رئيساً لجنوب أفريقيا، وربما يحصل ذات الأمر في تداعيات الكثير من القضايا الأخرى التي شوهتها السياسة أو أعادت ترتيبها توطئة لفرض الحلول بأشكالها في أرجاء المعمورة. من خلال مبدأ التكرار الذي تقوم عليه السياسات الإعلامية المضللة. وهذا قد يحدث أيضاً حتى على صعيد العلاقات الشخصية بين الناس.. فيتم التطبيع مع العدو خلافاً للوثائق التي تدينه والقائمة على المنطق.. لا بل أن تخزين عشرات الآلاف من صور القتلة عبر الأفلام السينمائية والعاهرات في الأفلام الإباحية سيكون لها دور مخيف في التحكم بسلوكيات الأطفال عند الكبر. فمناظر القتل التي تخزن في العقل الباطن تحول الإنسان من مهتم جاد إلى شخص سلبي ولا يبالي، لذلك من السهل عليه أن يتابع أخبار القتل ببلادة لأن العقل الباطن تعّود عليها من خلال الرسائل السلبية التي يستقبلها العقل الباطن من المبرمج الذاتي، ويصدقها بعد أن تكرر عليه من قبل الإنسان وبدافع غريزيٍّ في أحيان كثيرة ومثال على ذلك الإدمان الرقمي على الألعاب التي تشجع عل العنف مثل لعبة البوبجي الشهيرة. حتى الاستماع إلى الأغاني الهابطة والتي تبث الروح السلبية ستلتقطها ذاكرة العقل الباطن العميقة فتحولها إلى معطيات سلبية، لذلك تجد الكثير من الأفلام وخاصة الرسوم المتحركة تحتوي على رموز شيطانية وماسونية مكررة، ليلتقطها بالتالي العقل الباطن فيعتاد عليها ويصدقها إلى درجة الإيمان. ويقال إن الجنين وهو في بطن أمه وفي الأشهر الأخيرة يستطيع تخزين ما يسمع من كلمات مبهمة في عقله الباطن في الوقت الذي يكون عقله الظاهر غير مكتمل لارتباطه بالذهن الحسي والدماغ اللذين يكونان في طور النمو. فما بالك بالطفل في كل مراحل نموه!
والعقل الباطن أيضاً كما ذكرنا في سياق هذا المقال يُعَدُّ الأقوى والأسرع من العقل الظاهر فهو نتاج تجاربنا الحياتية السابقة ويمثل الذاكرة العميقة التي تحتوي على المواقف والمعتقدات والأخلاق والعاطفة والعادات والتقاليد والطباع. فالإنسان هو الذي كوّنه؛ ليخضع أخيراً لسيطرته أو لسيطرة من يغذّيه بمعطيات الخضوع لسلطة الآخر، من خلال إعادة البرمجة من قبل الآخر بما يعرف بمسح الدماغ الذي يمارسه الآخر المتمثل بالمذاهب المتنافسة أو السلطات القاهرة لإرادة الإنسان كأجهزة الاستخبارات في العالم. ومن هنا يتم أيضاً اختطاف العقل من قبل المتطرفين والغزاة. وهو المدخل لصناعة المأجورين والخونة لذلك على الإنسان أن يَحْرُسَ عقله الباطن من المؤثرات السلبية التي تتحكم بها الغرائز فتحدث خللاً في برمجته العصبية اللغوية، وبالتالي تحويله إلى مجرم أو مدمن أو محبط يعيش على هامش النجاح.

البرمجة العصبية اللغوية وانتظار المنقذ الخارق
عليك أن تطرح السؤال التالي على عقلك الباطن من منطلق أنك قوي فلا تنتظر السوبرمان كي ينقذك بل اصنع مصيرك بيديك، فمقومات ذالك موجودة فيك.
وكانت من الأخطاء التي رسختها ثقافة انتظار الأبطال لتحقيق أهدافنا وحمايتنا قد امتلأت بها مناهج التربية والتعليم، وهي تدرسنا سير الأبطال العظماء كالناصر صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس عام 1187م، ووحد الأمة الإسلامية لتنهض من جديد، وكان الأولى على تلك المناهج هو تمكين صفات هذه الشخصية التاريخية لتبرمج عقول التلاميذ الصغار الباطنية كي تشع فيهم طاقة إيجابية لتحرير ذواتهم من التردد والخوف، فلا يمكثون خائفين بانتظار المنقذ الخارق لهم، وهكذا الأمر بالنسبة لشخصية أخرى كمحمد الفاتح، الذي فتح القسطنطينية بعد أن استعد لذلك بطريقة مدهشة، وكان من المفترض أن تذهب غاية سرد هذه القصة باتجاه الصغار لترسخ في عقولهم الباطنية مبدأ الاستعداد قبل مواجهة الأزمات، لا أن تأخذهم إلى مواقف الأزمات والصراخ مستسلمين بأعلى الصوت ” ومعتصماه!” حتى يأتينا الرجال الخارقون بالحلول.
ولعل أكثر من ساهم في تحبيط عزائم الصغار من خلال انتظار البطل الخارق المنقذ هو الإعلام العربي، من خلال نشر تلك المجلات التي كانت تحتوي على القصص المصورة الشهيرة في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، مثل السوبرمان والرجل الوطواط ، إضافة لأفلام الرسوم المتحركة كسلسلة أفلام ميكي ماوس، حيث لا تحفيز فيها على بناء القوة الداخلية للإنسان، وكانت ترسخ في أعماق عقول الصغار الباطنية حالة الخوف وفوبيا المواجهة، وفي أن المنقذ يجب أن يكون كائناً خارقاً من أنصاف الآلهة مثل السوبرمان وميكي ماوس، وكانوا عادة ما أن يظهروا على الشاشة في موقف الإنقاذ حتى يصفق لهم الأطفال لتترسخ في عقولهم كواقع يلازم شخصية هذا المتلقي الصغير حتى يشب على صفات الخوف و”السير جنب الحيط” كما يقول المثل الشعبي، ويترجمه الكثيرون في أفعالهم. إن ما نحتاجه لمساعدة أطفالنا في برمجة ذواتهم عصبياً والتطوير لشخصياتهم هو التفاعل مع الشخصية التاريخية أو حتى الدرامية، لتلهمهم بصفاتها وخواصها لا أن تقدم لهم النصائح التوجيهية، فالتفاعل مع الشخصية يدخلها بكل أبعادها في عقولهم الذاتية كي تتمثل لهم في الأسئلة التحفيزية التي يوجهونها للعقل الباطن المستحوذ على الطاقات الكامنة، من أجل تفجيرها فيهم.. فلا يحبطهم العقل الواقعي المنطقي الظاهر قائلاً بأن هذا مستحيل، بل يتكاتف بدوره مع العقل الباطن لتطوير الاستعدادات التي تحقق رغبات أطفالنا ليكونوا شيئاً جديداً قادراً على المواجهة، وهذا ولو كان أصعب علينا بعض الشيء ينطبق على الكبار أيضاً. وللتذكير فإن الثقافة الدينية ربما كانت الأكثر نجاحاً في تعزيز قوة الإنسان الداخلية وتفجير طاقاتها من خلال الاقتداء بالأنبياء الذين خرجوا من بين الناس ووقفوا إلى جانبهم. وكذلك الحال بالنسبة للتأثر بالشخصيات التي صنعت التغيير في شعوبها، من خلال بث الطاقة الإيجابية القائمة على تغيير الذات للأفضل، كما فعل الزعيم الهندي الأشهر غاندي من خلال الثورة التي بدأ فيها وحيداً، مستنهضاَ الجماهير الهندية لتحرير الهند من الاستعمار الإنجليزي، وما قام به هؤلاء العظماء ما هي إلا برمجة عصبية لغوية جماعية لشعوبهم.

فيلم “الديك في العشة” بطولة أحمد مكي
ما زلنا في موضوع الشخصية الخارقة المنقذة والبرمجة العصبية واللغوية، إذْ وجدت أن أزيد من الصورة جلاءً من خلال أحد الأفلام العربية الموجهة للأطفال، وهنا لا أريد تقييم الفلم فنياً وفكرياً، بل أريد أن استخلص منه ما لفت انتباه ابنة أحد أصدقائي حينما تفاخر لي بأن ابنته تتمتع بقدرة مدهشة في مشاهدة الأفلام وتلخيص أحداثها، ولما سألت الصغيرة عمّا استفادته من قصة الفلم فقالت بأنها لا تريد ان تنتظر الديك المدعو حبش لإنقاذنا بل ستتغلب بنفسها على الضباع. قالت ذلك وهي تحرك يديها وكأنها جزء من الحكاية البسيطة والجميلة للفلم. وبعد ذلك الموقف بحثت عن الفلم في موقع يوتيوب، وشاهدته فلمست ذلك المغزى العميق من الحكاية الذي فهمته ابنة الحادي عشر.
وتدور أحداث القصة في مزرعة كان يعيش فيها الأرنب وزوجته وكلب عجوز وفرخة يافعة، ويستولي البلطجية من الضباع على قوتهم اليومي، بينما الضعفاء من سكان المزرعة لا يستطيعون المقاومة فالكل كان يحدوه الأمل البعيد بأن يأتي البطل المغوار المخلص المتمثل بالديك) قام بدوره الفنان أحمد مكي)، حيث كانوا يحلمون بديك قوي ينتصر على الطغاة اللصوص وهم دائماً مستسلمون، ولهذا لم يكن لديهم سوى أن يصدقوا تلك الكذبة التي صنعها لهم الكلب (أدى دوره الفنان لطفي لبيب) عندما رأى الديك يقف على باب المزرعة. ولكن تكتشف الفرخة (قامت بدورها الفنانة إيمي سمير غانم) أن الديك القادم من الغربة مجرد نصاب كانت له صحيفة سوابق جنائية سوداء، وهو مسجل خطر ولا علاقة له بالشهامة والرجولة التي يتظاهر بها، وهكذا نراه في البداية متراجعاً ذليلاً أمام سطوة الضباع، ولكن عندما يقرر ساكنو المزرعة الاتحاد يداً واحدة، يمتلكون القوة التي تؤهلهم من أجل التخلص مما يعشش في أعماقهم من صفات الخوف، التردد، الجبن، وبالتالي التغلب على الضباع ودحرها. ويشاركهم الديك في تلك المعركة المصيرية!! لتتحقق معجزة التغيير في أعماقهم أولاً، كأهم خطوة في البرمجة اللغوية العصبية.
القلم والمحبرة
فبدون المحبرة المليئة بالحبر لا يصبح للقلم معنى، وبدون التغيير والعمل على برمجة ذواتنا لا يصبح للطموح أي معنى ما دامت تعترضها الإحباطات الكامنة فينا قبل أن تنتشر كالأشواك في دروب حياتنا.
أذكر ونحن صغار كيف كان تشجيع الكبار لنا يحررنا من اليأس ويبذر في عقولنا الباطنة فكرة أننا أقوياء وناجحون وأصحاب إرادة، ولعل ذلك كان بالنسبة لنا المصدر الرئيس في ثقتنا بأنفسنا حتى ونحن كبار. وأذكر أنني طبقت ذات الشيء على ابني غيث الذي كان رغم ما يتمتع به من ذكاء حاد، يعاني صعوبة في منافسة المفتوقين في صفه الثالث الابتدائي، وكانت المدارس الحكومية آنذاك تبدأ بتدريس اللغة الإنجليزية في مرحلة الخامس الابتدائي، وهي من المناهج التي كانت تميز المتفوقين دراسياً كشأن المواد العلمية المجردة، فخطر ببالي أن استبق الزمن بتدريسه هذه المادة قبل أوانها الرسمي، فما أن يصل مرحلة الصف الخامس حتى تمنحه التميز المنشود، وكان له ذلك مما جعل تفوقه في مادة اللغة الإنجليزية يمنحه طاقة إيجابية ظلت ترافقه في كل مراحله الدراسية، وكأن السؤال الذي بات يستنهض كل طاقاته والموجه بالتكرار إلى العقل الباطن، هو:
“أنني ذلك المتفوق في اللغة الإنجليزية فلا بد وأنني متفوق أيضاً في كافة المواد” وكان له ذلك بالفعل.
تجربة الهولوغرام و النيوروفون (العقل الباطن الجمعي)
إنه جهاز الهولوغرام الذي يبث موجات ضوئية لِتُكَوّنَ صوراً خيالية في الفراغ دون وجود عاكسات، فتنتشر في الفضاء وفق مسافة محددة. والخطير في الأمر هو ما يرافق الصور المتحركة ذات الأبعاد الثلاثية من بث صوتي خفي منخفض الموجات يتضمن عبارات توجيهية، ولنفترض أن الصورة كانت لإله افتراضي! وذلك عن طريق جهاز النيوروفون الذي يرسل موجات لاسلكية تخترق الهالة الكهرومغناطيسية المحيطة بالإنسان عن غير طريق القنوات السمعية في الأذن، متجاوزة في تسللها العصب السمعي، فتدخل هذه الموجات مسامات جسم الإنسان لتتحول إلى نبضات كهربائية، فتنتقل إلى الدماغ والذي بدوره يستقبل الإشارة كما لو كان اتصالاً سمعياً، فيعمد إلى إصدار أوامره للعقل الباطن على شكل موجات دلتا بالمستوى المناسب كي تحدث حالة من الاسترخاء، فتتجاوب طاقة الإيمان مع ذلك، ويصدق العقل الباطن ما تقوله الشخصية التي تكونها تكنلوجيا الهولوغرام في الفراغ، وبالتالي سيستجيب العقل الظاهر للأوامر، وتدخل العملية (المخادعة) برمتها حيز المنطق، حتى أنه ينبري للدفاع عنها، لا بل وتدخلَ قناعاتِهِ، وهذا يعني أن الرسائل المبثوثة ستتحول إلى حقائق كأنها مُسَلَّماتٌ لا يجوز البحث في تفاصيلها، لتؤثر بالتالي في سلوك الإنسان المتلقي. فما بالك وإن هذه الرسائل تكون مبثوثة عبر جهاز النيوروفون ومرافقة للصور الهولوغرامية المتحركة في الفراغ، لتترسب آخر المطاف في الذاكرة العميقة الموجودة في العقل الباطن لدى المتلقي مع بيانات العقل الظاهر الدفاعية عنها، وتُسْتَحْضَرْ بالتالي من الذاكرة العميقة حين اللزوم كقناعات راسخة وحقائق بديهية.
اليابانيون نجحوا إلى حدي كبير في هذه التجارب، وفي مصر لم تكن التجربة دقيقة حينما أظهرت صورة السيدة العذراء فوق إحدى الكنائس القبطية. بالإضافة إلى تلك التي ظهرت في سماء بعض البلدان الإفريقية، أو الصور الوهمية الأخرى التي ظهرت فوق قبة الصخرة في القدس لإيهام الفلسطينيين برؤية الصهاينة فيما يتعلق بهيكلهم المزعوم. لكن هذه التكنلوجيا التي ما لبثت في طور التجريب، قد استخدمت من قبل بعض التنظيمات السرية وعلى رأسها الماسونية التي يتبوأ قيادتها رؤساء بعض الدول الكبرى مثل أمريكا بغية تشويه تاريخ الحضارات القديمة ومنها الحضارة الفرعونية، وربطها بالغزو الفضائي من أجل إيهام العالم بعدم الأمان، مما يدعوهم لطلب النجدة من السوبرمان الأمريكي حين اللزوم. هذا ممكن حدوثه لو تتبعت تفاصيل هذا المشروع الرامي وفق بيانات إعلاناته إلى اختطاف العقل البشري وتطويعه من خلال تطبيقات مبدأ الإيهام السمعية والبصرية. والقبول بعروض الحماية من قبل أصحاب تكنلوجيا الإيهام لو جاز التعبير وبالتالي تحويل العالم الواقعي إلى لعبة بوبجي تسيطر على اللاعبين وتغرقهم في العالم الافتراضي الذي يمتلكه الأقوياء. إنه شكل جديد من استعمار الأقوياء للعقل الباطن الجمعي لدى الضعفاء.. والغاية بالطبع لا تخرج عن نطاق المصالح الأيدلوجية والاقتصادية.. ففي الوقت الذي أصبح فيه العالم قرية صغيرة، فقد أصبح الإنسان فيه مستهدفاً ليتحول إلى إنسان آليٍّ مسيّر لا مخيّر، وسوف يتساوى مستقبلاً مع الريبوتات المتطورة بعد أن تضاف إلى برامجها الذاتية القدرة على الاستجابة وفق المشاعر البشرية المبرمجة، من خلال إنتاج أجيال مستحدثة من العقول الآلية الذكية ذات المشاعر المبرمجة على الطبيعة البشرية، وقد يزود الإنسان وفق هندسة النانوميتر شرائح تعقب GPS ، ومؤشرات ما يحدث في المختبرات بهذا الشأن تَعِدُ بإمكانية حصول ذلك..
المصدر بتصرف:
كتاب ” تعدد المفاهيم في عقل الإنسان- البرمجة العصبية واللغوية” تأليف (كاتب المقال نفسه) بكر السباتين.. جاء في318 صفحة.. صدر في مارس 2017 بألمانيا عن دار “NOOR PUBLISHING”. متوفر في أمازون.
************
* نص المحاضرة الكامل التي ألقاها الكاتب يوم السبت الموافق 6 يوليه في دارة آل أبو بكر للثقافة والعلوم والفنون- الجارنز- عمان.
* * المؤلف: كاتب، تشكيلي، مدرب دولي (موارد بشرية وبرمجة لغوية عصبية) معتمد لدى الكلية الدولية/ لندن رقم دولي 10942.. صدر له 27 كتاباً في مختلف المجالات الأدبية والفكرية والعلمية.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة