الطير يرقص مذبوحا من الألم – بقلم : وليد رباح

الجالية العربية ….
بقلم : وليد رباح- نيوجرسي …
امريكي صديق وصحافي عتيق .. سألني بعد ان شرب قهوته الصباحية في مكتبي
اني اتابع ما يجري في فلسطين من على شاشات الفضائيات الامريكية .. وبالذات اتابع كلمات المعلق او المذيع على ما يمكن ان يكون عجيبا وغريبا .. وتلك الغرابة وهذا العجب يستفزني من موقف الام الفلسطينية التي لا تأبه لموت ابنها او حفيدها .. فهي تزغرد احيانا وتضحك احيانا اخرى.. وبعضهن يقمن بتوزيع الحلويات على من يأتي للعزاء ..فهل قسا قلب الام الفلسطينية الى هذا الحد وتريد التخلص من ابنائها بهذه الطريقة امام عدسات التلفزيون والصحافة ..
وتريثت في الاجابة .. سرحت بنظري بعيدا.. رأيت بعيني رأسي ما يمكن ان يكون غريبا ايضا .. فانا رجل لو مرضت ابنتي مثلا فاني اقضي الليل بجانبها وكأن الالم الذي يصيبها يصيبني .. واتمنى ان اكون مريضا بدلا منها لكي اجنبها الام المرض وعناء الحمى.. فكيف بامرأة مات طفلها او ابنها امام عينيها ..كيف تحتمل هذا الالم الفظيع الذي يصيبها ويجعلها صلبة العود مثل نخلة عتيقة تظل واقفة رغم انها تعرف ان المنشار آت الى رقبتها ورقاب كل الذين تحبهم من بعدها ..
ورآني الصديق الامريكي على حيرتي فتابع : مابك سرحت الى عالم آخر ؟ الهذا الحد هو موضوع محير رغم غرابته ..؟ قلت له كلا .. انه موضوع عادي جدا يمكن ان اجيبك عليه بسهولة .. ولكني اشكرك جدا على سؤالك واهتمامك .. فعادة لا يهتم الانسان الا بما يجري له .. اما ما يجري في هذا العالم فيمر في ذاكرته مر الكرام .. وتأكيدا لذلك .. فاننا نفتح جهاز التلفزيون لنرى الاف الحوادث في مختلف اقطار هذا العالم .. ولكننا نمر عليها سريعا.. فلا يهمنا ما يجري في الكونغو او الهند او الفلبين من كوارث وحوادث لأننا لسنا المعنيين بها شخصيا .. بمعنى ان المصيبة لم تقع على رؤوسنا .. ونهتم بها كثيرا اذا ما وقعت على رؤوسنا .. وذلك ضعف انساني تستغله وسائل الاعلام خاصة المرئية منها..
قال : لم تجبني على سؤالي : قلت: الم تر في حياتك طيرا مذبوحا انه ف يقوم ويقعد ويصرخ كأنه في حفل موسيقى وغنائي طريف.. قال بلى: رأيت ذلك بنفسي .. فقد كنت صيادا اصيد الطيور في صباي .. وكنت ارى الطير وهو يرقص قبل ان يقع على الارض بلا حراك.. فالتقطه والفرحة تغمر قلبي .. قلت : هذا هو حال الام الفلسطينية يا سيدي .. فالام في رقصتها امام جنازة ابنها ترقص الما ولا ترقص فرحا.. فالطير عادة.. يرقص مذبوحا من الالم ؟
قال : انه كلام بليغ .. ولكن الذين يفهمون ذلك قلائل .. قالالة الاعلامية خاصة الامريكية منها قد عودت الناس على ان يهتموا بقضاياهم الشخصية فقط .. ولا يهتموا بقضايا الاخرين.. ولو ان الذبح كان للمشاهد نفسه الذي لا يسأل نفسه الا اذا كانت المصيبة قريبة منه.. فانه محط الاهتمام..
قلت : انت ايضا تتحدث بكلام مفهوم وواضح.. ولكنه مجرد كلام .. فالقائمون على الاجهزة الاعلامية المرئية هم وحدهم الذين يحسون بهذا الامر .. ولكنهم يتجاهلونه لأنهم لا يريدون ان تكون آلتهم مسخرة لخدمة اغراض المظلومين في هذا الكون .. انهم ينظرون الى الربح فقط .. وليس الى الحالات الانسانية ..
وتابعت : عندما ترى في الاجهزة الاعلامية الامريكية طفلا قد وقع في حفرة وقام رجال الاسعاف بمحاولة اخراجه.. تتدخل كل اجهزة الطيران الهليوكبتري لانقاذه .. ثم يأتي من بعد ذلك محافظ البلد ورئيس بلديتها.. وجمع غفير من رجال الاطفاء والبوليس والمحققون ورجال ونساء واطفال كلهم ينتظر ويفرك يديه حزنا على ذلك الطفل الذي وقع في الحفرة .. ويضع الجميع ايديهم على قلوبهم ويستحثون الرجال المنقذين لكي يسرعوا في عملية الانقاذ.. وعندما يرفع الطفل من الحفرة ترتفع الاصوات والتصفيق والهتاف للابطال الذين انقذوا الطفل من هذه الحفرة اللعينه.. ولكنك يا سيدي ابدا .. لم ولن تسمع بان اولئك الناس انفسهم .. يهتفون لمن ينقذ طفلا فلسطينيا وقع في كمين جنود اسرائيليين على اعتبار انه ارهابي صغير .. بل على عكس ذلك ترى الناس الذين يشاهدون التلفزيون قد كوروا قبضاتهم وصرخوا على الجندي الاسرائيلي لكي ينتبه لما وراءه لان طفلا آخر يحمل حجرا يمكن ان يشج رأسه .. وعندما يطلق الجندي النار على رأس الطقل يصفق الجميع .. بل ويرقصون..
ولا اعني في ذلك ان كافة الامريكيين يفعلون ذلك .. ولكنهم الفئة المضللة التي لم تر في الانسان الفلسطيني سوى انه ارهابي .. ولا تعتبره انسانا انتهكت ارضه واحتلت وسرق الصهاينة كل ما يمتلك في سبيل ان يعيش طفل آخر جاء من روسيا او المانيا او امريكا او بلاد هذا العالم الواسعة .. انه التناقض الانساني المخيف الذي نعيشه في هذه الايام..
المرأة الفلسطينية يا سيدي عانت وتعاني كما لم تعاني ام في هذا الكون .. وقدمت من الشهداء ما يمكن ان يسجل لها بالفخار .. ولكنك انت نفسك لا تستطيع ان تفهم ذلك .. بدليل انك سألتني لماذا تضحك الام وتزغرد عندما يموت طفلها .. ولم تكلف نفسك للحظة للسؤال عن ثقافة الموت عندنا وعندكم .. اذا كان هذا الموت يؤدي الى الطريق الصحيح في سبيل ان يعيش اطفال آخرون .. انه الايثار .. وانها التضحية .. وانها الام التي قدمت للكون فيحاولون ان يدفعوه بشتى السبل .. فموت طفل برصاص جندي اسرائيلي .. يعني حياة لطفل آخر او لاطفال آخرين يعيشون في نفس المنطقة او البلد ..
سرح الامريكي الصديق بنظره في الفضاء وقال : يا سيدي .. انتم منتصرون باذن الله .. لأن من يحمل هذه الثقافة الغريبة والصائبة في نفس الوقت .. لن يكف عن النضال حتى يستعيد كل الاراضي التي سرقت منه .. ولسوف اكون داعية سلام في هذا الاطار .. ووفقكم الله واتمنى ان ارى المرأة الفلسطينية ضاحكة مبتسمة بفعل السرور الداخلي .. وليس بفعل الالم الذي تعانيه فترقص مذبوحة من الالم ………..وافترقنا الى حين !!!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة