التمييز المتنامي ضد الغجر عار على أوروبا – بقلم : أ.د ألون بن مئير

دراسات …..
بقلم: أ.د. ألون بن مئير – كاتب يهودي من نيويورك …
تعرضت قبل أسبوعين امرأة من الروما (الغجر) تبلغ من العمر 29 عامًا لهجوم جسدي في منتصف النهار في كوسوفو بعد انتشار اتهام كاذب بأن الضحية كانت تختطف أطفالًا. وقدمت وسائل التواصل الإجتماعي منبراً لخطب الكراهية والمعلومات المضللة والتي غالباً ما تؤدي إلى العنف ضد أبناء الغجر الأبرياء. بشكل عام ، الكراهية والإزدراء تجاه الغجر من قبل دول البلقان مترسّخ بشكل ٍ مؤسف في نفسيتهم وتوجههم الثقافي. هذا يشرح إجمالا ً سبب ضرب امرأة غجرية في شارع مدينة وحشد من الشباب يشاهدون ذلك بلا مبالاة مطلقة. ويستغرب المرء لماذا لا تتخذ الحكومات الأوروبية كلّ التدابير والإجراءات اللازمة لمنع هذا النوع من السلوك المروّع، خاصة في البلدان التي تطمح إلى الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي.
ووفقًا للمفوضية الأوروبية ، هناك 10-12 مليون من الروما (الغجر) يعيشون في أوروبا، منهم مليون يعيش في دول غرب البلقان. إنهم أكبر أقلية عرقية في أوروبا ومعظمهم يعيش في فقر وهم ضحايا للتحيز والعنف والإقصاء الإجتماعي وإساءة معاملة الأطفال والعبودية الجنسية. أفيد في عام 2018 أنه تم الإتجار بمئات من أطفال الغجر في هولندا وحدها كعبيد جنس. وعلى الرغم من حظر دول الإتحاد الأوروبي التمييز ضد مجتمع الروما ، إلا أنهم لا يزالون يواجهون عقبات كبيرة في التعليم والحصول على الرعاية الصحية ، وبالتأكيد فرص العمل.
وفي سياق ردود الفعل على الهجوم على الإمرأة الغجرية شاركت فلورا سيتاكو، سفيرة كوسوفو لدى “دي.سي” بحكاية شخصية تصف كيف كان مجتمع كوسوفو يميّز ضد شعب الغجر منذ عقود من الزمن. وكتبت: ، “كان نوريجي وفيتيمي في صفي. كانا يجلسان دائمًا في الجزء الخلفي من الفصل الدراسي على الرغم من أن المعلم طلب منهما الجلوس معنا. لكننا سخرنا منهما ، وكنا لا نلمسهما أو نلعب معهما أو نتحدث إليهما. وفي يوم من الأيام عندما مرضت نوريجي ولم تأت إلى المدرسة لأسابيع … حاول معلمنا أن يجعلنا نلعب سويًا وقال بأنه سيعاقبنا إذا جرحناهما أو سخرنا منهما. لقد توقفا عن الذهاب إلى المدرسة لأننا أصبحنا لا نُطاق … وهذا كله خطأنا “.
ندد ممثلو تحالف الحقوق المتساوية للجميع (ERAC) في كوسوفو بشدة بالهجوم والمعلومات المضللة التي أدت إلى ذلك وطلبوا من المجتمع بألاّ يشجعوا أعمال العنف.
يشرح تقرير البنك الدولي بعنوان: “كسر دورة استقصاء الروما (الغجر) في غرب البلقان” ، الذي نُشر في مارس 2019 ، كيفية مواجهة الروما الحواجز والقيود المتعددة التي تؤثر على قدرتهم على الإستفادة من رأس المال البشري والمشاركة في سوق العمل على قدم المساواة و الإستفادة اقتصاديا. يقول التقرير: “إن عدم كفاية مخزون وتراكم رأس المال البشري والمادي والمالي والإجتماعي قد أعاق قدرة أسر الروما على تكوين دخل طوال دورة الحياة”.
يعيش العديد من الروما / الغجر في مجتمعات معزولة وغالبًا ما يكونون غير مدركين أوقادرين على الوصول إلى الخدمات والبرامج الإجتماعية. فالأمية وعدم الوصول إلى المعلومات وغياب الثقة في السلطات المحلية وحتى عدم وجود إدراك للحاجة هي من بين الحواجز التي يواجهها الروما.
وللأسف، لا تواجه مجتمعات الروما التمييز والعنف البدني في منطقة البلقان فقط. ففي العديد من دول الإتحاد الأوروبي ، بما في ذلك المجر وإيطاليا والمملكة المتحدة ، يقتصر وجود الروما على مناطق منعزلة حيث يُحرمون من التعليم ألأساسي وفرص العمل ويعانون بشكل روتيني من اعتداءات عنصرية في شوارع المدن ومواقع المخيمات، وغالبًا ما يتم ذلك بالتواطؤ مع الشرطة.
لقد سعى المهاجمون إلى الخروج والإعتداء بوحشية على عائلات بأكملها فأحرقوا منازلهم وكادوا يقضون على مجتمع بأكمله يعيش في مستوطنات في جميع أنحاء أوروبا. لا يتم الإبلاغ عن العنف ضد الروما إلاّ بشكل ٍ ضئيل جدّا ً وغالبًا ما يُنظر إلى الروما على أنهم كبش فداء للأمراض المجتمعية الأوسع نطاقًا وينظر إليهم غالبا ً كغرباء ومواطنين أقل شأناً وغير مرغوب فيهم في مجتمعاتهم.
تعرّض مجتمع الغجر للإضطهاد على يد النظام النازي وكان يُنظر إليه على أنه تهديد للجنس “الآري الأعلى”. وأعلن هيملر أن الغجر ” على نفس مستوى اليهود ووضعوا في معسكرات الاعتقال”. وبعد مرور 74 عامًا على سقوط النازيين ، لم يتحسن وضع الغجر كثيرا ً في أوروبا. وعلى الرغم من أن الغجر لم يعودوا ضحايا للإبادة الجماعية ، إلا أنهم ما زالوا يواجهون مستويات عالية من التمييز والإيذاء والعنف.
قُتل في المجر في عام 2009 رجل من طائفة “الروما” مع ابنه البالغ من العمر 5 سنوات بالرصاص أثناء فرارهما من منزلهما الذي أحرقه المهاجمون. وفي شهر مارس / آذار 2019 في باريس اندلعت سلسلة من الهجمات من خلال تقارير كاذبة عن محاولات إختطاف. وأسفر هجوم عنيف على أحد مخيمات الروما الصيف الماضي خارج مدينة لفيف في أوكرانيا عن مقتل شخص وإصابة أربعة آخرين ، من بينهم صبي وامرأة حامل.
لم يتحسن الوضع على الرغم من تركيز الإتحاد الأوروبي لسنوات عديدة على منع التمييز ضدّ الروما (الغجر). ففي عام 2011 وضعت المفوضية الأوروبية إطار عمل للاتحاد الأوروبي “للإستراتيجيات الوطنية لدمج الروما” مقيّمة سياسة كل دولة وتدابير لسياسة الإندماج. وتبنى المجلس الأوروبي منذ عام 2013 توجيهات بشأن تدابيرفعالة لدمج الروما في الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي، وهي الأداة الأولى القانونية على مستوى الإتحاد الأوروبي لاحتواء الروما (الغجر).
يقول كمال أحمدي وهو صحفي ومؤرخ من مقدونيا إنه وفقًا لآخر التقارير المنشورة من قبل منظمات حقوق الإنسان فإن الغجر هم الأكثر تضرراً في رومانيا وبعض دول البلقان مثل صربيا ومقدونيا.ويقول “يتمّ إستغلالهم أيضا ً من قبل السياسيين، خاصة خلال الحملة الإنتخابية. فعندما يحتاج [السياسيون] إلى حشود من الناس، فإنهم يستغلون مجتمع الروما بأموال قليلة للحصول على دعمهم الإنتخابي “.
وبالنظر إلى الإنتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان لأفراد طائفة الروما ، يجب على كبار مسؤولي الإتحاد الأوروبي على وجه الخصوص إعطاء الأولوية لسوء المعاملة الروتينية للروما (الغجر) لأنها تشكل انتهاكًا أساسيًا لحقوق الإنسان الأساسية والتي من المفترض أن يتبناها الإتحاد الأوروبي. ينبغي تعبئة المجتمع المدني ووسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية للقيام بحملات ضد التمييز ضد الروما وزيادة الوعي بالممارسات التمييزية الفظيعة والأضرار التي تسببها للمجتمع.
يجب أن تُعامل قضية مجتمع الروما والمعاملة التي يلقونها بجدية من قبل المفوضية الأوروبية ، وخاصة دول البلقان المرشحة لأن تصبح أعضاء في الإتحاد الأوروبي. يجب على الإتحاد الأوروبي أن يوضّح لهذه الدول بما لا لبس فيه بأنه يجب عليهم فورا ً إتخاذ إجراءات فورية ومهمة لمعالجة التمييز ضد الروما (الغجر) في جميع نواحي الحياة، وبالأخصّ في مجالات التعليم والرعاية الصحية والمهارات المهنية. وإلاّ ، فإنهم سيخاطرون بعملية الإنضمام المستمرة ، إن لم يكن احتمال الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي .
ووفقًا لآخر تقرير للبنك الدولي الصادر في شهر مارس/ آذار 2019 “لا يعتبر دمج الروما حتمية أخلاقية فحسب….بل إنّ هذا الدمج مهمّ بشكل ٍ خاصّ في مجتمعات الشيخوخة لأنّ إستيعاب الغجر الوافدين في القوة العاملة من شأنه أن يساعد في مواجهة تقلّص السكان في سنّ العمل. الغجر شعب شابّ ويمكن تحويل هذا الشباب إلى عائد ديمغرافي من خلال الإستثمار المناسب في التعليم والخدمات الأساسية. “
التمييز على أساس العرق أو الطائفة أو المعتقد الديني أو الجنس متأصل للأسف في نظامنا كبشر. إن تمييزنا عن “الآخر” بسبب إيماننا بتفوقنا أو تفردنا يمنحنا شعوراً بالتمكين الخاطئ الذي نستمتع بممارسته ، حتى وإن لم نتسبب في ألم ومعاناة لا يطاقان للآخرين.
وحيث أنه لا يمكننا تغيير الطبيعة البشرية، غير أنه يمكننا تغيير سلوكنا لنصبح أكثر تسامحًا ونسهّل عملية دمج الغجر في جميع نواحي الحياة. ولا ينبغي علينا فعل ذلك من أجل الوئام الإجتماعي والسلام فقط ، ولكن من أجل الإنتاجية والتقدم الشاملين اللذين يمكن تحقيقهما عندما تسود المساواة والعدالة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة