90 عاما على ميلاد العندليب الأسمر (1-2) بقلم : زياد شليوط – فلسطين المحتلة …

فن وثقافة ….
بقلم : زياد شليوط – فلسطين المحتلة …
شرع الصديق الشاعر سيمون عيلوطي، مؤخرا بكتابة حلقات متتابعة على صفحته الشخصية، تتناول حياة وفن الملحن المصري المميز بليغ حمدي، وصدف أن التقيت به قبل شروعه بكتابة السلسلة وحدثني عن الموضوع، وروى لي حادثة الخلاف بين الصديقين المطرب عبد الحليم حافظ والملحن بليغ حمدي من وجهة نظر حمدي، وأشرت له أن عبد الحليم لم يكن بتلك الصفات وليس من عادته خيانة أصدقائه، لكنه أصرّ على نشر الرواية، وحذرته مداعبا بأني سأقوم بنشر رد معاكس في حال نشر القصة، ويبدو أن اعجاب الصديق سيمون عيلوطي بالملحن بليغ حمدي وصل به الى حد المصادقة على كل ما رواه المؤيدون له وتجاهل الرواية المغايرة. نشر عيلوطي عن علاقة الملحن الموهوب بليغ حمدي وخلافه مع صديقه المطرب عبد الحليم، وملخص ما جاء في روايته أن الخلاف الذي حصل بينهما ” بسبب تفضيل حليم للأغنية التي لحَّنها له محمَّد عبد الوهاب، عن الأغنية التي لحنها له بليغ لتقديمها في مهرجان “شمِّ النَّسيم” الذي كان يقام سنويًا في القاهرة، ويُعتبر بمثابة تظاهرة فنيَّة، حضاريَّة تحضرها جماهير غفيرة من مصر ومن مختلف الأقطار العربيَّة والمهجر. اصرار حليم على عدم تقديم أغنية بليغ في هذا المهرجان بسبب أنَّ حالته الصِّحيَّة لن تسمح له بتقديم أغنيتين، كما نصحه الأطبَّاء، لم يقنع بليغ لأن عَشَمَهُ بحليم كان أكبر من ذلك بكثير، إذ لم يخطر على باله أنَّ من أعطاه أغنية “تخونوه” التي لحَّنها لليلى مراد، أو قبوله لشرطه بأن لا يلحِّن أكثر لمحمَّد رشدي، حين يغنّي هو من ألحانه الشَّعبيَّة، والأهم من هذا وذلك، منحه أغنية “أيِّ دمعة حزن لا” بعد أن سحر لحنها وردة التي أرادتها لنفسها، لكنَّه أصرَّ على منحه الأغنية، معتذرًا لحبيبته التي قضى عمره يحلم بها في منامه ويقظته، إضافة إلى رحيل أم كلثوم، وحزنه الشَّديد على فراقها الذي أفقده أيضًا مواصلة التَّخطيط لابتكار ألحانٍ جديدةٍ لها، رغم الخلاف الذي وقع بينهما. هذه الأمور مجتمعة أعاقت متابعته لإتمام مشروعه في تطوير الفولكلور، أو إبداع ألحان جديدة من وحيه”.
ان تبني الصديق سيمون لرواية بليغ، دون العودة الى ما رواه عبد الحليم في مذكراته، يتناقض والبحث الموضوعي، وهذا يوجب عليّ أن أورد ما قاله عبد الحليم حول هذه الواقعة في مذكراته التي رواها للاعلامية ايريس نظمي، ونشرتها في كتاب ذكريات حليم ” قصة حياتي”، حيث كان عبد الحليم يستعد لتقديم أغنية ” نبتدي منين الحكاية” من تلحين محمد عبد الوهاب، واتفق مع بليغ على تقديم أغنية أخرى من ألحانه، لكن بليغ ماطل في انهاء اللحن بينما عبد الوهاب يجتهد في تلحين اغنيته التي انتهت وجهزت قبل أن ينهي بليغ لحنه، وفي هذه الأثناء سافر بليغ الى باريس، وعاد بعد مدة ليبلغ حليم أنه انتهى من التلحين، وبعد الاستماع الأولي له رأى حليم كعادته أن اللحن يحتاج الى تعديلات ومراجعات، وهذا يتطلب وقتا لا يكفي لموعد الحفل خاصة وأن حليم مريض ويحتاج الى مواعيد للعلاج والأدوية كما هو معروف. وحذره طبيبه على ضوء التحليلات ألا يجهد نفسه كثيرا فاكتفى بتقديم أغنية عبد الوهاب الجاهزة، وهنا غضب بليغ وقاطع حليم، وهذا أثر في نفسية عبد الحليم الذي شعر بأن بليغ غير مهتم بصحة صديقه وهو يعرف حقيقة وضعه، ورد حليم على اتهامات بليغ له بالقول ” أية خيانة يا بليغ، أنا لا أخون أبدا، لكنك أنت الذي تلكأت في البداية ثم تركتني وسافرت فجأة الى باريس. أية خيانة يا بليغ، الذي لا نعمله اليوم نستطيع أن نفعله غدا”. (قصة حياتي، ص 129-132).
ومن جهتي أميل الى تصديق رواية عبد الحليم، وخاصة أن قصة مرضه باتت معروفة لنا بكل تفاصيلها بعد وفاته، وكم عانى في حياته من الاشاعات المغرضة حول ادعائه للمرض، وهنا لن أتوقف عند هذا الموضوع لأنه قيل فيه الكثير وكشفت وقائعه. لكني أتحفظ أيضا مما أورده صديقي سيمون حيث يظهر وكأن بليغ صاحب الفضل في شهرة حليم من خلال الألحان التي قدمها له، والجميع يعلم أنه عندما انطلق عبد الحليم في عالم الغناء ووضع قدمه بثبات في هذا الملعب أمام الكبار، لم يكن بليغ قد ظهر في عالم الفن بعد، والملحنان اللذان رافقا عبد الحليم في البداية ويعود لهما بعض الفضل في انطلاقته وشهرته، هما صديقاه كمال الطويل ومحمد الموجي، ومن ثم صديقه وراعيه الفنان محمد عبد الوهاب، أما بليغ فظهر في مرحلة تالية، وهذا لا ينقص من قيمة الألحان العظيمة والمميزة التي قدمها له، والتي لم تكن لتلاقي الشهرة والانتشار بدون صوت عبد الحليم.
ويورد الصديق الشاعر سيمون عيلوطي واقعة أخرى استهجنها أيضا، وفيها إساءة لعبد الحليم ومحاولة لاضفاء الوعي السياسي عند بليغ وانعدامه عند حليم. وهذا يتجلى في الموقف السياسي من الرئيس المصري أنور السادات، وفيها مغالطات غريبة ومستغربة، فيذكر الشاعر عيلوطي واستنادا إلى كتاب مكَّاوي سعيد، “القاهرة وما فيها” أن السادات “أرسل لبليغ بشكل مباشر، أو غير مباشر عبد الحليم حافظ يطلب منه أن يلحِّن له أغنية لصانع نصر 1973، زعيم الأمَّة محمَّد أنور السَّادات، بليغ رفض الفكرة جملة وتفصيلا، معتبرًا بأنَّه من الخطأ الفادح أن ننسب النَّصر لأيِّ شخص مهما علا شأنه، وأوضح لحليم بأنَّنا إذا أردنا أن نغنّي للنَّصر، فلتكن أغنيتنا لصانعيه الحقيقيِّين من المقاتلين والشُّهداء” .
وأظن أن الإشارة هنا يقصد بها أغنية “عاش اللي قال”، فعودة سريعة الى أرشيف الأغاني تثبت أن بليغ حمدي لحن الأغنية المذكورة والتي أنشدها عبد الحليم في أعقاب نصر أكتوبر وعبور الجيش المصري الى سيناء، ويقال أن هذه الأغنية قيلت في السادات، مع أن اسمه لم يذكر فيها بتاتا، واذا ما دققنا النظر في كلماتها نجد أن الحديث لا يدور عن السادات (مع إمكانية رؤية ذلك لمن يريد) انما عمن قام بالتحرير وإعلان الحرب واعداد الجيش، وهذا يعود فضل كبير فيه للزعيم جمال عبد الناصر الذي أعاد تسليح الجيش المصري وتجهيزه لحرب التحرير قبل أن يموت، وكذلك للجيش نفسه والقيادات التي كانت حينها والتي أعلنت جميعها أنها تسير على طريق عبد الناصر.
ويروي كاتب كلمات أغنية “عاش” الشاعر الغنائي محمد حمزة، في لقاء صحفي مع مجلة ” السينما والناس” المصرية، العدد 598، الصادر يوم 28 مارس 1998 وخصص للذكرى الـ 21 لرحيل العندليب، واقعة تأليف وتلحين الأغنية قائلا ” كان عبد الحليم قد انتهى من تسجيل عدة أغنيات وطنية عقب نصر أكتوبر مباشرة.. ثم سألني أنت لم تكتب لي حاجة لنصر أكتوبر، فأجبته لقد كتبت أغنية.. فأخذ الكلمات ونزلنا لمنزل بليغ ودخلنا نحن الثلاثة غرفة وأغلقنا الباب الى أن انتهى بليغ من تلحينها في الصباح، ثم ذهبنا للإذاعة وسجلها حليم في اليوم التالي مباشرة..” وهكذا لم يذكر مؤلف الأغنية أن بليغ امتنع عن تلحين الأغنية أو أن حليم طلب ما ذكر، وهذه شهادة كاتب الأغنية الذي لم يشر من قريب أو بعيد الى السادات كما لم يذكر الأمر عبد الحليم.
أكتفي هنا بتوضيح تلك النقاط، خاصة أن المساحة المتاحة لا تكفي للحديث عن مواقف عبد الحليم السياسية، وأغانيه للثورة المصرية بقيادة عبد الناصر، وانكفائه عن الغناء الوطني بعد الغناء لنصر أكتوبر، واذا دعت الضرورة سأعود لهذه المواضيع في مقالات قادمة.
(شفاعمرو- الجليل)

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة