قراءة في رواية يد فاطمة للأديب الإسباني إلديفونسو فالكونس – بقلم : عبد الحي كريط – المغرب

اصدارات ونقد ….
عبدالحي كريط :كاتب وباحث مغربي …
إستأثرت رواية يد فاطمة للأديب والكاتب التاريخي والمحامي الكتلاني الإسباني إلديفونسو فالكونس يوم صدورها منذ سنوات عديدة باهتمام واسع من قبل النقاذ ونسبة قراءة غير متوقعة في الذكرى المئوية الرابعة لطرد الموريسكيين بإسبانيا، والتي هي إمتداد لروايته الأولى كاتدرائية البحر la catedral del mar التي حققت هذه الأخير أرقاما قياسية في عدد بيع نسخ هذه الراوية و التي تدور أحداثها في برشلونة وفي زمن أهوال محاكم التفتيش على خلفية بناء كنيسة سانتا ماريا دل مار.
وبعد شهر ونصف تقريبا من القراءة المتواصلة لرواية يد فاطمة la mano de Fátima قراءة متأنية وعميقة فقد انتهيت من قراءتها وتركت في أعماق نفسي أثرا قويا مابعده أثر فالرواية تتألف من أربعة أجزاء مقسمة بين 69 فصل وأتمنى في المستقبل القريب أن تترجم الرواية إلى اللغة العربية لكي تكون متاحة لكل قراء لسان الضاد ولم أراد الاطلاع أكثر على عمق الرواية وأحداثها وشخصياتها فاءنها متاحة بلغتها الأصلية الاسبانية إلى جانب الفرنسية والإنجليزية، وإرتأيت مشاركتم حول تصوري العام حول هذه الرواية ذات الأبعاد والزوايا التاريخية والتي تنقلك بين سراديب الماضي والحاضر،خاصة وأن الأدب التاريخي أو الرواية التاريخية تحتاج إلى إستعمال منهج وأسلوب صارم في التوثيق واسقاط الأحداث على الشخصيات التي تبتكرها لكي تكون كرقعة الشطرنج تتحرك حسب منسوب احداث الراوية وفي مقاربة موضوعية بحصر الأحداث التاريخية من خلال الاستعانة بالكتب والمراجع ،ولعل ولع فالكونس مؤلف الرواية بتاريخ حقبة الموريسكيين أدى به إلى الاستعانة على مايزيد من 200 كتاب إضافة إلى قراءته لعدد من كتب التراث والفقه الإسلامي ومجموعة من المخطوطات والرسائل التي تناولت هذه الحقبة المفصلية في تاريخ اسبانيا وأوروبا والعالم.
فأخرج لنا فالكونس بعد هذا البحث والتنقيب في بطون أمهات الكتب والمصادر ،يد فاطمة هذه اليد التي أضحت رمزا بين جميع الديانات الإبراهيمية في الشق اللاهوتي التراثي.

أحداث الرواية
تدور أحداثها حول حياة شاب موريسكي يدعى إرناندو رويز بطل القصة يبلغ من العمر 14 عام ويعيش في بلدة خوبيليز Juviles بغرناطة في القرن السادس عشر مع والدته عائشة واخوته الأربعة وزوج والدته إبراهيم الذي كان يبغض إرناندو وينظر إليه بنظرة دونية،ملئها اﻹحتقار بسبب أنه إبن كاهن مسيحي إغتصب والدته عائشة فكان إرناندو نتيجة هذه الثمرة المغمسة بالدم والنار والعار وهذا ماتناولته الرواية في جزئها الأول حيث كان إرناندو غير مرغوب وغير محبوب بين أبناء شعبه الموريسكي من جهة ومن جهة أخرى منبوذ من قبل المسيحيين بسبب أصول إرناندو المسلمة من جهة والدته وأنه يحمل ثقافة وعادات العنصر الموريسكي انها قصة شاب محاصر بين ثقافتين وممزق بين عقيدتين في صراع متحمس من أجل التسامح الديني والعيش المشترك خاصة بعد الواقع الذي فرض في عهد الملكة إيزابيل الكاثوليكية وزوجها فرناندو اﻷراغوني والذين أحدثوا نوعا من الشرخ الاجتماعي بالنسيج الاسباني بشقيه المسيحي والمسلم ولم تكن الجزيرة اﻹيبرية في عهد حكم المسلمين تعرف قضية العرق أو الانتماء الديني حيث كانت إسبانيا مثالا يحتذى به في العصور الوسطى بمدنيتها السابقة لزمانها وبتنوع مجتمعها وتمازج أعراقها ومنارة علمية أضاءت أرجاء أوروبا والعالم بعد بغداد.
وفي خضم تسارع وتيرة الأحداث بعد سقوط آخر معاقل الحضارة الأندلسية بغرناطة في عهد أبو عبدالله الصغير، كان هناك أمل يحذوا عند بعض الموريسكيين في دفع فظاعات الحرب التي ذاقوا مرارتها،فاشتعلت ثورة البشارات Alpujarras من عام 1568 بعد سقوط غرناطة، فانتفض الشعب الموريسكي على إسبانيا القشتالية في وديان وجبال وسهولة جبال البشارات بعد أن سئموا الظلم والنهب والسلب واﻹذلال،فكانت صرخة للماضي وحنين جميل إلى الفردوس الأندلسي المفقود.
فانضم إرناندو الى جحافل الثوار تحت تأثير الفقيه حميد الذي اعتنق المسيحية عنوة وظل يعلم أولاده أصول ومبادئ الإسلام سرا بعد فقدانه زوجته فاطمة وقتلها على أيدي القساوسة لعدم خضوعها لهم بعد إتهامها بالسرقة وقطعت يدها ويعتبر الفقيه حميد بمثابة الأب الروحي ﻹرناندو فوجد إرناندو في هذه الحرب فرصة سانحةللتعبير عن إخلاصه لشعبه الذي ينبذه فبدأت الحرب وبدأوا نضالا غير متكافئ وفي حرب كانت إرهاصاتها الأولى خاسرة لثوار البشارات، وفي خضم هذه المعارك وفي إحدى البعثات الاستكشافية عبر البشارات التقى إرناندو مع عبيد الذي يسوق عربات الحيوانات والذي لايثق فيه فوضع إرناندو له فخا أدى إلى الحكم على عبيد بقطع يده بقرار قضائي، كما قابل إرناندو ابن أمية قائد ثورة جبال البشارات وملك الأندلس المستقبلي ويكسب وده وثقته ،وفي إحدى جولات الكر والفر بدأت تلوح بالأفق خسارة الحرب وميل الكفة لجانب السلطة القشتالية المتعصبة وفجع إرناندو بموت إثنين من شقيقاته والتقى بمحبوبته فاطمة مع طفلها والتي فقدت زوجها في هذه الانتفاضة وتزوجها وكانت تحتفظ بقلادة على شكل كف( خميسة ).كما أنقذ إرناندو إثنين من المسحيين أحدهما تدعى إيزابيل وهي فتاة أسيرة وقشتالي من النبلاء يدعى دون ألفونسو.
وفي الجزء الثاني من الكتاب يتناول فالكونس فصول المعاناة ومشاهد التهجير القسري وإجبار الموريسكيين على الذهاب للعيش في قرطبة وهنا تبدأ فصول أخرى من حياة إرناندو بعد انتهاء الحرب حيث إضطر للرحيل عن بلدته والعيش في قرطبة.
وقرر إرساء مبادئ روح التسامح والتعايش بين الديانتين من خلال دبلوماسيته الناعمة وفي ظل الواقع المرير الذي يعيشه شعبه بعد إخماد إنتفاضة البشارات.
وفي الجزء الثالث من الكتاب يتطرق إلى دون ألفونسو النبيل الذي أنقذه إرناندو من الأسر خلال الحرب،فيقرر دون ألفونسو أن ينتقل إرناندو بالعيش معه في قصره الفاخر بقرطبة كعربون عن الشكر والتقدير والامتنان على إنقاذ حياته ،وخلال هذه الفترة استغل إرناندو وقته في الاطلاع والقراءة بمكتبة القصر لكسر حاجز الثقافة الجديدة واختراق ميكانيزماتها وعناصرها التي تمكن من تحقيق مواصلة الوجود الموريسكي على دينهم وتقبل الأمر الواقع بالرغم من أن الجناح الثوري داخل الشعب الموريسكي كان يؤمن بضرورة مواصلة المقاومة والنضال حتى تحقيق الهدف المنشود باعتبار انهم أصحاب أرض أيضا وأن أغلبهم كانوا من أصول إسبانية قحة فامتزج الدم الإسباني بالإسلام واضحى جزءا لايتجزأ من منظومة الهوية الوطنية داخل الجزيرة اﻹيبرية، لكن إرناندو كان غير مقتنع بإمكانيات شعبه من خلال قراءته للواقع الجيوسياسي وربما نظرته هذه مامكنته من إيجاد موضع قدم داخل المجتمع الجديد في إسبانيا وهو في نظر بعض الموريسكيين انهزامي منكفئ الذات وربما هذا راجع إلى طبيعة شخصية إرناندو التي كانت تعيش صراع داخلي هوياتي وممزق بين إنتمائين بسبب أصوله الدينية الهجينة كما سبق ذكره آنفا.
فيما بعد يرسله دون ألفونسو إلى غرناطة فاشتعلت رغبة الشوق داخل إرناندو إلى هواءها وخرير مياهها ولذة فواكهها وخضرواتها وعطر أزهارها وورودها الفواحة، حيث كان دون سانشو راعي غرناطة والقائم بأعمالها مهتما بمعرفة إرناندو بسب إنقاذه إيزابيل أثناء حصار البشارات خلال فترة طويلة ،والتي تزوجت بدون سانشو،وعندما وصل إرناندو إلى غرناطة ورأى المرأة التي أنقذها وكيف تغيرت ونضجت مع مرور الأيام والسنوات وقع في غرامها وبادلته نفس الشعور حيث كانت إيزابيل غير مخلصة لزوجها دون سانشو ،فطارحت إيزابيل الفراش مع إرناندو وأفضى بعضهم إلى بعض سرائر خفايا نفوسهم الملتهبة .
وخلال مدة إقامته في غرناطة في ضيافة دون سانشو دعت السلطات إرناندو الى ان يلقي بيان الهزيمة النهائية ولإعطاء الوقائع والمعطيات والمجازر التي ارتكبها شعبه الموريسكي خلال الحرب،في فيحاول إرناندو في حشرجة وانكسار أن يفعل ذلك بطريقته الخاصة لكي لاتلصق له تهمة الخيانة في نظر شعبه.
وفي أحداث الجزء الرابع والأخير من الكتاب يواصل إرناندو مع شركائه الذين يؤمنون بنفس منهجه وطريقه في المواصلة لقراءة الأديان والبحث عن النقاط المشتركة التي تمكن من إتحاد الديانتين لكنهم لايرون النتائج المرجوة التي يسعون خلالها.
فمرت السنون وتوفي دون ألفونسو وتزوج إرناندو برفائيلا التي كانت القائمة على القصر وأنجب منها أطفال وكان يحبها حبا شديدا.
ومع تغير مزاج السلطة الجديدة أصدر الملك فيليب الثالث قراره القاضي بطرد جميع الموريسكيين من إسبانيا تجاه المغرب،وعلى إثر هذا القرار يغادر إرناندو مع أبناءه إلى إشبيلية للشروع في مغادرة إسبانيا، ومالا يعرفه أن حبه الأول وزوجته الأولى فاطمة مازالت تنتظره مع أبناءه فرانشيسكو وإينيس وتلتقي فاطمة بزوجها إرناندو في الميناء وهي كلها أمل في أن تبدأ صفحة جديدة في تجديد حبها وعندما عرفت رافائيلا قصة ماضي زوجها إرناندو يطلب منها هذا الأخير ألا تتخلى عنه بالرغم من حب إرناندو الجامح لفاطمة التي مازال شعلة حبها في قلبه لم تنطفئ أبدا رغم كل هذه السنوات.
وأخيرا تستقر فاطمة وأبنائها في منزل بغرناطة كمسحيين جدد.

اﻹستنتاجات وتقييم الرواية
بعد قراءتي لهذه الرواية المثيرة للإهتمام يمكن إستخلاص مجموعة من النقاط التي تكشف لنا مجموعة من الحقائق التاريخية خاصة للقارئ الإسباني والقارئ الغربي والعربي بشكل عام، فأفضل شيء في هذه الرواية أنه يكشف ويجلي عن الثقافة الإسلامية والعربية للموريسكيين فكاتب الرواية بنى قصته من خلال خطى وايقاع متسارع الهدف منه عكس مأساة الموريسكيين ويجعلنا نراها بعيون أوضح وليس كعدو تاريخي وكأن لسان حال مؤلف الرواية يرسل برسالة واضحة إلى الوعي الجمعي لبعض قراء ومثقفي إسبانيا الذين يدعون الى القطيعة التاريخية للذاكرة المشتركة بين الثقافة العربية والاسلامية وبين المسيحية فلايمكن نكران ارتباط الثقافة الموريسكية بالجزيرة الايبيرية والتي أضحت رمزا قويا في تأثيرات مناحي الحياة الاسبانية خاصة بجنوب إسبانيا بالأندلس لايزال تأثيرها ساريا إلى يومنا هذا ،فالرواية تساعد بشكل كبير في معرفة المسلمين وطريقة عيشهم وتفكيرهم وتاريخ طردهم ولقد أحب فالكونس أن يعكس ثقافتهم بشكل أقرب إلى الموضوعية وهذا ربما راجع إلى ثقافته وخلفيته الكتلانية وهذا يمكن لمسه من خلال روايته الاولى كاتدرائية البحر ،بالرغم من أنه في بعض الأحيان يساوي بين الضحية والجلاد في فظاعات الحرب والمعارك.
أحيانا وانت تقرأ بداية الرواية ربما تحس نوعا من الضجر فيما يخص بالحروب الدينية وبسبب أنها طويلة جدا ولكن بمجرد أن يتم تمرير الصفحات المائة اﻷولى يصبح الكتاب ممتع للغاية وباءيقاع متسارع وفي حبكة درامية بين مختلف شخصياتها وتناقضاتها.
الرواية تزيد في الإثارة والحماس من خلال قصة الحب التي جمعت بين إرناندو وفاطمة فهي تشغل بال القارئ وأيضا مغامرات إرناندو الجنسية مع إيزابيل ودخوله في حب جديد مع رافائيلا والتي توجت بزواجهما،فالرواية تحافظ على توقعات القارئ وتتجنب أيضا إمكانية التنبؤ وتقترب من إيديولوجية الكتاب الفرنسيين والإيطاليين فيما يخص بالعاطفة المتمثلة في أشكال الحب المتناقض لدى بطل القصة وفي الانتقام المتمثل في شخصية عبيد وفي قيمة العدالة والأمل المتراقصة على جنبي طرفي الصراع بين الموريسكيين والمسيحيين.
ومن ناحية أخرى تتميز شخصيات الرواية بالمرونة وبطريقة موجزة ومحددة بشكل جيد مما يعطي واقعية كبيرة للرواية التاريخية ويجعلها أقرب إلى الواقع وهي سلسة القراءة وهو نفس أسلوب جرجي زيدان في رواياته التاريخية المتعددة مثل ممالك الإستبداد وفتاة القيروان وعذراء قريش …الخ .
تطور الحبكة الروائية أعطى للرواية حماسا عاطفيا ودينيا في سلوك الشخصيات لأنه هو المحدد والمنظم في الرفع من مستوى التشويق الدرامي .
اختار فالكونس جامع قرطبة باعتباره مركزا ورمزا عالميا لثقافتين وعقيدتين مختلفتين، وتركيزه على غرناطة باعتبارها بذرة الوطن الموريسكي الأخير.
الكاتب وصف الكنيسة الكاثوليكية في الرواية من خلال الأحداث ذكرها بصورة قاتمة في إسبانيا ساردا كل أشكال العذاب وصنوف التعذيب التي لاتخطر على بشر التي كان القساوسة يتفنون فيها ضد الموريسكيين.
الكاتب اعتمد على أسماء عربية موريسكية خاصة الشخصيات النسائية وكأنه إستلهمها من أغنية las morillas de Jaén فتيات جيان المسلمات المعروفة أيضا بأغنية عائشة فاطمة مريم وهي من التراث الأندلسي وقد كان أحياها الشاعر والمسرحي والكاتب الإسباني غارثيا لوركا.
باختصار هي رواية لكل زمان ومكان تتجدد فصولها ومشاهدها وإن إختلفت في الشكل والمضمون.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة