المَقامة الكَلْبيّة – بقلم : د . منير لطفي

سخرية كالبكاء …
بقلم : د . منير لطفي – مصر …
حدّثنا أبقراط بن قحطان، قال:
ذات سوادِ ليلٍ غابر، وفي أكناف الخليج العامر؛ رقد ابنُ البنجال (سليم)، وغطّ في سُباتٍ عميق، فرأى فيما يرى الوسنان، بأنه غدا (شهريار)، يعْتمّ بالشماغ والعقال، ويتزيّا بالطيلسان والصولجان، بل ويطوف بالمرسيدس باريس، ويلتهم الكافيار في أمستردام؛ بعدما غرقَت بنجالُه في النفط والغاز، وفاض فيها الجُمان والماس، ونعمَ الناس بالعيش الرغْد، ورفلَوا في ثوب السعْد!
ولمّا أقبل الفجر ولاح، وكزه رفيقُه فاستفاق. ليهوي من علِ السكْرة، إلى أدنى قاعِ الفكْرة. وبقلبٍ كَسير وجناحٍ مَهيض؛ هجَر الوِساد وبَرِح المهاد، وأَوْدع حلمَه النسيان، بعدما طواه طيّ السجل للكِتاب. ثمّ ازدرد فطوره الفخْم، جرعة ماء وحفنة تمْر! وعصَب رأسَه واحْتزَم، وبأسماله ائْتزَر، و في أرجاء المزرعة انطلق. يهرَع كفأر مذعور، يلاحقه قطٌّ موتور. فيجزّ الحشيش ويروي النخيل، ويحلب البقَر ويسوم الغنَم. وخلفه يعدو جرْو صغير، في اللون أسود غربيب، وفي الحركة أهْيج من عفريت. يَنبح كحاطب ليْل، ويسيل لعابُه كالسيْل.
يقول الرواي: وفي غفلةٍ نهشه الكلبُ وأَبق، وأَدمى له الأَدَم والعضَل؛ فرفع صوتَه بالعويل، حتى تفصّد بالعرق الجبين، وانقطع منه حبلُ الوتين، ومال الجِيدُ إلى اليمين. وعلى عجَل تداعى القوْم، ليتداولوا بينهم الأمْر؛ فحضر القَضُّ من البنجال والباكستان، والقَضيضُ من الهنود والنيبال؛ حتى تَعاظم الجمْع من الشّغِّيلة، وودُّوا لو حضرَت (البي بي سي) و (الجزيرة). فحكى سليمُ ما تمّ، بعقيرةٍ مغموسة في الغمّ، وعيونٍ غارقة في الدمْع، وعقَّب بأنّه كالطريد، وفي المزرعة كالسجين؛ فشمّر كلٌّ عن ذيله، وأدْلى بخيْر دلوه؛ بين قائلٍ: لا ضيْر، فالجرْو فتى غَرير، وقائلٍ: لا خوْف، فالجرْح قريب الغوْر، وقائلٍ: البدار البدار، فالسمّ يسري في النخاع، وقائلٍ: خذوا حذركم وانفروا في ثُبات، فتدقيق الهويّات على قدمٍ وساق. وبعد أن لجب الجمْع، وحانَت ساعة الحزْم، أزمعوا بالمريض السيْر، مستترين بغبشة الليْل، ولْيفعل الله ما يشاء، بعبده اللائذ المُلتاع.
وبعد أن قادوه كالضّرير، أوقفوه بحضرة الطبيب؛ الذي تلقَّاه بالارتياح، ومحا من قلبه الارتياع، ومازحه كابن العمّ والخال، إذْ تبيّن أنه (إقبال)، من الجارة باكستان، والذي أمر من فوره بتطهير الجراح، وحقْنه في غمضة عيْنٍ باللقاح، وواعدَه مثلها ثلاثا مفترِقات، لا مجتمِعات، ثمّ منحَه مِن النقديْن، ما لا ذهَب فيه ولا لُجيْن، بعدما رآه أنْحل مِن قلَم وأفْقر من عوَز. فانصرف القومُ فرِحِين، وآبوا غانمِين سالمِين؛ بل زاد الفرحُ أضعافا مضاعفة، حين لمحوا الجرْو صريعا قبالة المزرعة، فحمدوا الله ثلاثا وثلاثين، ومِثلها في التكبير والتهليل، إذ نجّى الله الشِّبل (سليم)، مِن مخلب داءٍ مُميت!
يقول أبقراط: وداء الكَلَب داءٌ وبيل، يَفنَى فيه البدنُ ويَبيد، بعدما ينتقل مِن حيوانٍ إلى إنسان، إثر عضّة كلْبٍ أو هرٍّ أو حتى خفّاش. وفيه يلتهب الدماغ، ويحلّ بداره السّعار، بعدما يمسّه الفيروس، بمسٍّ من جنون. كما يُرهَب الماءُ كالموْت، ويَعسُر النفَسُ والبلْع. أمّا الدواء والعلاج ، فليس سوى الوقاية والاجتناب، على نهْج بناء السدود تحسُّبا للطوفان، وملْء الكنائن قبل الرِّماء. وصدقَت العرَب إذْ أخبرَت: ” درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج”.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة