مسعد والبارودة – قصة : وليد رباح ( نشرت هذه القصة في الاداب اللبنانية سنة 1975) وكتبت في تونس الخضراء

القصة ….
قصة : وليد رباح – نيوجرسي …
نشرت هذه القصة في الاداب اللبنانية سنة 1975 وكتبت في تونس الخضراء .
فجأة .. نبت من الفراغ .. لوى عنان فرسه واتجه نحو البيت .. طرق بعنف فلم يفتح له احد .. وعندما ولج الباب قسرا طالعه وجه امه محنطا مثل تمثال مرمري اخرس .. بكى على صدرها وشمه بعنف .. لكنها ظلت ممددة تنبع من حواف ثوبها رائحة زكية نفاذة .
تفقد جسدها عله يعثر على خرق مفتعل فيه لكنه توقف فجأة .. وهنا ادرك ان الموت نهاية كل شىء حي .. فقام بتكفينها ودفنها على الطريقة التي يراها العرف لائقة بموت عظيم .. ثم عض باسنانه على ثوبه الفضفاض وحمل بارودته واطلق ساقيه للريح .
***
منذ زمن .. والناس تحشو بواريدها بالملح الذي يقتطعونه من خبز الاطفال .. كان مسعد فلاحا ينام على ارض غرفة محرك الماء الذي يسقي البيارة .. وعلى ذمة اصحاب الالسنة الطويلة .. احب مسعد ( تفاحة) تلك التي كانت حمرة خديها تصرع شبان القرية .. وعلى ذمتهم ايضا .. ان اباها طلب مهرا لها ثلاث ليرات ذهبية وقطعة من ارض ابيه .. اما الليرات فوعده ابوه بتدبيرها .. لكن الارض كانت عزيزة .. فاحتدم الخلاف بين الاب وابنه الى ان كان يوم .. عاد فيه مسعد الى البيارة ليرى جثة والده تعوم فوق مياه البركة .. صرخ واستنجد لكن الناس رفضوا ان يصدقوا موت الرجل الا على يد ابنه .. وانتقلت العدوى الى ( تفاحة ) فداست على قلبها وحلفت يمينا ان تتبرأ من حب مسعد امام امه .. وهكذا انتقلت الجرثومة الى امه فعزمت على الا تكلمه مدى العمر .
قال شبان القرية : يا جماعه ٍ, مسعد شيخ الشباب .. ولا يعقل ان يفعلها .. وقال آخرون بان الحب اعمى .. وفئة ثالثة قالت ان الذي يحمل روحه على كفه ويخترق المستعمرات يربأ بنفسه ان يفعلها .. وسمع الذين يعرفون مسعد .. فوضعوا اصابعهم على شفاههم وطلبوا كتمان امر مسعد والباروده .. فالانكليز يجوبون القرى بحثا عن الثوار ، والكلمات تنقل مع الريح الى المندوب السامي فيقص عمره .. واحتد عدد من الحاضرين فقالوا .. مسعد رجل .. فلنقاطع كل من يحكي على مسعد .. اما هو .. فقد كان في القرية يبحث عن ملجأ يأوي اليه وعندما يئس اتجه نحو البيت وحفر رماد الطابون واستل البندقية ثم تمنطق بالسلحلك ويمم وجهه شطر الفراغ .
***
أه ايها الليل الممرغ بالدفء . فليأكل الصقيع وجهي ، لكن النسيم اذا ما داعبه سوف اقصه بهذا الخنجر نصفين .
جلس على تلة تشرف على القرية .. خفتت الاضواء حتى لم يعد يميزها . داعبت انفه رائحة طوابين القرية فسحت من عينيه دمعة مسحها بعنف ونهض .. ثم عاد ليجلس بعد ان قرر معرفة موقع بيتها لكنه لم يستطع تمييزه .. فبكى ..
سأل نفسه ان كان يستطيع العودة ليملآ جرابه بالخبز لايام .. لكن وجه امه المتجمد ساعة رحيلها اوقف فيه هذا الخاطر ..
قال لها . وحياة عمري يا يما .. هذا زور وبهتان .. لكنها ظلت صامته .. قال لها لقد فقدت زوجك فلا تفقدي ابنك يا يما .. لكنها ظلت صامته .. حدثها عن طفولته وعن حبها له وعذابها من اجله عله يستميل قلبها لكنها ظلت صامته .. ثم يئس عندما تذكر فجأة يوم جاءوها باخيها ملفوفا بقطعة خيش وقد قد جسده بالسكاكين فقالت .. يا رجال وين النخوه .. تقدمت صفوف تسعة جاءوها باثنين من مستعمرة مشمار .. حدث نفسه بان قلبها كالصخر ولن ترق او ترجع عما عزمته .. ثم قبلها في جبينها فرأى خطوطه تتقوس اشمئزازا .. ورحل .
الى أين .. فلادفنها نهارا واعود اليها في الليل .. فرجال الشرطة مثل الجراد .. والطعام , آه من هذا البطن الدنس .. لو كان بامكاني بقره ما قصرت .. وتفاحة .. ما اقسى قلب تفاحة يا مسعد .. لم تصدق رغم اني حلفت لها بخديها .
جف حلقه واشتاق لبعض الماء .. عول ان يسير الى قرية مجاورة يبيت في المضافة .. لكنه خشي الوشاية فعدل .. احس بالجوع فشتم نفسه .. حاصره البرد فاحتد وارخى قبضته في الهواء .. انثالت عليه تفاحة قبل النوم قلعنها .. تذكر امه فبصق .. رأى وجه ابيه فلعن الدنيا ..ثم قام من فوره يخب في العتمة .
لم يسر طويلا .. عاد وكأنه قطعة من التله .. فلتفارقني روحي ان فارقتك يا تفاحه .. وعندما يبدأون ستصبح خطواتي واسعة .. فاقتحم البيت واحملها على ظهري واغادر .
وفي الهزيع الاخير اخذت خطواته تقترب من البيت وبخقة صعد الى سطحه .. ومد بصره نحو ساحته .. وهناك رأى الاجساد مصفوفة مثل عنبر العساكر .. اصطدمت عيناه بوجهها .. حاولت ان تصرخ لكنه همس .. انا مسعد يا تفاحه فلا تجزعي .. تحركت امها فاطبق شفتيه .. اشارت له ان يغادر فاستعطفها بان بسط لها كفيه .. تسللت من مكانها وارتقت السلم اليه .. لماذا جئت الى هنا ؟ يا تفاحه .. وحياتك ما عملتها .. ليغضب مني كل الناس ولتقاطعني امي لكني احتاج اليك .. ما هكذا يفعل الرجال يا مسعد .. ان افاق اخوتي قطعوك .. كل شىء يهون الا رضاك يا تفاحة .. بدأت اشك في شهامتك التي تحدث عنها الناس .. لكني ابيع كل شهامتي لقاء اقتناعك ببراءتي .. لم افعلها يا تفاحه .. قد اصبحت كالكلب الاجرب .. كلهم يطردونني ويتغاضون عن كل ما قدمت لهم .. لقد سمعوك تهدده قبل موته بيوم واحد .. كانت ساعة شيطانية .. وعندما اقدمت على قتله كانت ساعة شيطانية ؟ يا تفاحة .. ابي قطعة مني .. فكيف اقص لحمي بيدي . اني احبك فلا تخذليني .. واحبك مثلما تحب الشجرة العطشى قطرات الماء .. لكني لا احتمل رؤية الناس وهم يقولون قد تزوجت من قاتل ابيه .. يا تفاحه .. وحياة حبك برىء انا .. غادر والا قطعوك .. سمعا ثغاء شياه فقالت له طلع النهار .. قال لها ساغادر .. لكني احلف لو ان كل مسامير الدنيا قد غرست في جسدي فلن انساك .. راى دمعة على خدها لمعت رغم سواد الليل .. ثم اتجهت نحو السلم واخذت تهبط بتؤدة .
***
يا يما المشوار طويل والدنيا لا تعرفني .. وقد سدت كل المنافذ في وجهي حتى انت .. ضحكت بسخرية ولم تجب .. انسحب الى الطابون وحمل رزمة من الخبز الساخن وغادر .. وصل الى البيارة والعصافير تنط على حواف البركه .. فلآظل هنا افلح الارض وازرعها .. وفي الليل اغوص على مستعمرة مشمار .. يا ويلي .. ان غادرت جف الزرع ويبس البرتقال وماتت الحياة .. وان بقيت قالوا تنعم برزق ابيه .. ايتها العصافير دليني على الطريق .. لكن العصافير لم تدله ..وبقيت تزقزق فرحة بطلوع النهار ..
***
بكت امه فمسحب تفاحة دمعتها .. قالت لها : يا ولدي جاءني جائعا فما اطعمته .. واتاني مقرورا فما دفأته .. لقد رحل يا تفاحه . لكنه سيعود .. وفي جعبته ما يشفي غليلي .
نظرت اليها تفاحة مشفقة .. قالت : كثيرا ما حدثني قلبي ان مسعدا مثل شعاع الشمس بريء ونظيف ..
قالت امه : انما فعلت ذلك لابعث فيه العزم واحضه على معرفة اليد التي امتدت الى ابيه .
غصت .. انحبست الكلمات في حلقها .. حاولت ان تتكلم لكنها لم تستطع , بكت بحرقه .. ثم انها لما هدأت قليلا ضربت خديها براحتيها مرات ومرات حتى استحالتا قطعة من الحرير الهندي المورد .. وانسحبت من الدار تتعثر وشفتها السفلى ترتجف بعنف .
***
قال اصحابه : قد اختفى مثل كومة ملح يقصفها الذاذ .. اخبار تقول بانه احترف زيارة المواخير في المدن .. لا يخرج منها ابدا .. ذهبنا الى المواخير لكنه لم يكن هناك .. اخبار اخرى تقول انه في القرية بحثنا عنه فلم نجده . الولد خضر الذي اصطلح الناس على تسميته مهبولا قال لنا مرة انه هنا .. واشار الى قلبه .. رمت القرية اجدع شبابها الى الموت ..
***
طرق الباب بتؤده .. ففتحت له امرأة عجوز .. القت اليه نظرة عجلى .. كان السلحلك يتدلى من وسطه ويصطدم بفخذيه .. وعين البندقية شاخصة نحو السماء .. اما لباسه فقد لوثته الوحول وتدلت منه المزق والشرائط .. قالت له مرحبا بالثوار يا ولدي .. يا ويلي .. الان قلب امك مثل النار .. دخل الى غرفة يعوزها كل شىء .. رمى بنفسه على حصير ومد ساقيه . جاءت اليه وكأنما تعرفه منذ القدم سلم لها قياد البارودة والسلحلك .. ثم ان يديها امتدتا الى نعله فخلعته ورمت به الى عتبة الغرفة .. وتسللت اناملها الى قميصه تفك ازرته بصبر واناة .. نهضت وعادت بقمباز رمته اليه وقالت : البس .. انت في النهار حارس لمحرك الماء والبئر وفي الليل لا اعرفك ولا تعرفني .. ضحك بوهن ثم حط مرفقه تحت رأسه ومضى في نوم عميق .
افاق والشمس تطل على رؤوس الاشجار . بحث عنها في كل موضع فلم يجدها .. ارتاب قليلا , لكن وجه البندقية اخذ منه الريبة .. وعند المحرك وجد فاسا ومنكاشا وحذاء مطاطيا لا يخترقه الماء ..
انساب الماء الى جذور الشجر عبر القنوات كافعى تسعى دون توقف .. وعندما انتصف النهار كان عرقه على القمباز يرسم غيوما بيضاوية اخذت شكل الخرائط .
عاد الى الغرفة .. وهناك وجد رغيفا من الخبز وشيئا من الزيتون الاسود .. جلس فوق الحصير واخذ يمضغ بتؤءده .. سمع صوتها تناديه فاصغى ( قد اتفقنا على ان تكون حارسا لا مزارعا ) .. ضحك .. وحياتك لاخلي لك البيارة جنة .. ضحكت عن اسنان مهترئة وقالت : جنة هنا وجحيم هناك .. واشارت الى مستعمرة مشمار ..
بزغت اعين النجوم ما بين الغيوم الرمادية .. ثم طلع القمر حييا يسير فوق صفحة السماء ببطء . انثالت عليه ( تفاحة ) مثل النعاس .. جاءته وفي يدها السلة تحوي دجاجا مشويا وبضعة ارغفة .. جلسا عند البركة فاطعمها واطعمته .. مدت اصابعها تتحسس ذقنه ومد اصابعه فخلل شعرها الفاحم .. وعندما انتقلت يده الى عنقها فرت كغزالة .. لحقها .. لكنها طلبت اليه بحزم ان يقف .. وقف مبهوتا .. وحياتك لابني لك غرفة وسط البيارة ونعيش احسن من المندوب السامي .. يا ولد يا شيطان .. تحاول ان تغريني لتمسكني .. احبك يا تفاحة مثلما احب المطر .. تقدم اليها فصاحت وحذرته ان يقف ولا يضايقها .. افاق على صوت العجوز وهي تقول . قد قرب الليل ان ينتصف ولم ترحل .. ابتسم لها .. نظر الى عين السراج فرأها تحترق .. اضاف اليه بعض قطرات من الزيت ثم ودعها ومضى .. وعندما امتزج الوقت بصوت الطلقات البعيدة .. ضحكت حتى الحصير.. ثم نامت .
***
حدثتني احدى عجائز القرية قالت :
لما اختفى مسعد ذبلت خدود تفاحة .. جاءها عمها يوما وقد تأبط عريسا غنيا له ثلاث بيارات .. رفضته تفاحه .. قالت امها : البنت لا ترغب في الزواج فلا تجبروها ، حلف والدها بشواربه ان لم تقبل فسيطلق امها ويجعلها تشحذ في الازقة .. احتدم الخلاف فاعترف صغير اخوتها انه قتل والد مسعد كي لا تتزوج من ابنه .. سمعت تفاحة فطار عقلها .. ولم تنتظر حتى يطلع النهار فطافت في القرية وقد حلت شعرها ولوحت بزنارها وهي تهتف : مسعد برىء .. قتله اخي يا ناس .. مسعد برىء .. ضربوا على اكفهم .. واجتمعت النساء حلقات في البيوت يتحدثن عن جنون تفاحه .. ولم ينتصف النهار حتى عثر الناس على جثتها غريقة في البركة التي قتل بها والد مسعد ..
***
قالت له العجوز قد اجدت الغاره .. ضحك وقال : غدا سترين .. قالت له : يا مسعد .. لماذا تغير اسمك ولا تحكي لي قصتك ؟ وقف مبهوتا .. قال لها : كيف عرفت اسمي ؟ قالت : ول يا مسعد ,, قصتك وتفاحة تخترق الرؤوس مثل الرصاص .. لكني يا بني احمل لك اخبارا مزعجه .. لقد ماتت تفاحة وهم الان يعدون لدفنها .. ابتسم بسخرية وقال : لكننا نبعد عن تفاحة ثلاث قرى .. قالت : اغيب في النهار فاتلقط اخبارها في كل يوم .. نظر اليها فرأى علامات الجد على وجهها . عض على شفته السفلى .. غضب .. ابتسم .. ضحك .. وضحك .. ثم اعتلى ظهر الفرس ووكزها وطار .
كانوا يهيلون التراب عليها .. تراجعوا لما رأوه .. نظر الى وجه ابيها واخوتها فغضوا من ابصارهم .. راى الدموع في عيون النساء لا تسقط .. ثم لوى عنان فرسه واتجه نحو البيت .. طرق الباب بعنف فلم يفتح له احد .. وعندما ولجه قسرا طالعه وجه امه محنطا مثل تمثال مرمري اخرس .. بكى على صدرها وشمه بعنف .. لكنها ظلت ممدة تنبع من حواف ثوبها رائحة زكية نفاذه ..
تفقد جسدها عله يعثر على خرق مفتعل فيه لكنه توقف فجأة .. وهنا ادرك ان الموت نهاية كل شىء حي .. فقام بتكفينها ودفنها على الطريقة التي يراها العرف لائقة بموت عظيم .. ثم عض باسنانه على ثوبه الفضفاض وحمل بارودته واطلق ساقيه للريح .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة