محمود درويش في ذكرى حياته بعد موته : سجل انا عربي ورقم بطاقتي خمسون الف (أ) بقلم : وليد رباح

فضاءات عربية …
بقلم : وليد رباح – نيوجرسي
لن ارثيك كما فعل الاخرون .. فاني لاتخيلك تنظر من عل وتلقي بقصائدك السماوية  على مسمع من نزار قباني وعبد الكريم الكرمي  ومن سبقوك من العباقره .. انك لترثي من عاش ومات دون ان يفعل شيئا حزنا على تعثره في الحياة الدنيا .. اما الدرويش فلم يزل حيا .. ودليلي على ذلك ان المتنبي والبحتري  والمعري وغيرهم ما زالوا احياء بيننا يرزقون ..
ولن ادخل في فلسفة الموت فاشرحها  وانظر لها وافلسفها .. انها بسيطة كما الماء والهواء .. فمن يعش في هذه الحياة لا بد وان يفارقها يوما .. لذا فعلى كل مبدع ان يكتب رثاءه قبل موته .. فمن قبل الدرويش اتسعت هذه الارض لتحتضن من كانوا قبلنا .. واحتوت على  الملوك والوزراء والكهنة والعرافين  والانبياء والطالحين من البشر .. اختلطت عظامهم بالارض فغدت هشيما نطلق عليه التراب .. ولقد سأل احدهم فقيها وهو يحتضر ( كيف رأيت الدنيا ) فقال الفقيه : رأيتها بيت خرب له بابان .. دخلت من الاول ثم مشيت الى الثاني فخرجت منه ؟ او كمال قيل .
لن ادعي صداقتي لدرويش او التصاقي بقصائده  فامجده او امتدحه .. فمحمود  اسمى من ان تقال فيه الكلمات.. ولقد  تزاملنا سويا في بيروت لسنوات ربما كانت ثلاث .. ويومها كان مديرا لمركز الابحاث الفلسطيني .. ولكني لم اجلس اليه هناك سوى مرتين .. احداهما عندما جاءنا مهاجرا قسرا من الوطن فسألته : لم غادرت  يا محمود ؟ فقال : كان يجب ان تسألني لم اتيت الينا ..قلت : لا فرق .. قال : الفرق شاسع في ان يركلك البعض فتقع  ويعفر وجهك بالتراب .. وان يتلقاك احدهم قبل ان تقع  فيحتضنك .. ولم ازد على ذلك .. لكني دعوته للغداء في مطعم قريب  فقال : هل في المطعم ( عرائس) وهي اكلة لبنانية تشبه اللحم بالعجين .. قلت نعم: هو متخصص في ذلك .. قال : لا بأس .. ثم اكلنا يومها ودفعت ثلاث ليرات لبنانية  (يوم كانت الليرة اللبنانية معافاه )  كانت رصيدي لليوم التالي ..
أما الثانية فكانت   عندما استشهد غسان كنفاني .. أو احدهم لا اذكر او ادري .. جلسنا فقلت له : كيف ترى الموت ؟ : فقال : انه فرصة لاكتشاف عالم نسمع عنه ولا نراه .. وتداخل الحديث وابتعد حتى وصل الى  الفتيات وحلاوة بيروت وجمال النسوة فيها ..
أما الثالثة فكانت في تونس .. حيث عقد مؤتمر اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين  .. فقد جلست واياه في فندق افريقيا حيث استضافتنا الدولة التونسية .. وجاء مندوب جريدة الصباح  الينا كي يسألنا بعض الاسئلة .. لكن محمود عزف عن ذلك فتطوعت  بالرد وهو يبتسم ابتسامة عريضة واسعة وقال فيما قال : سنقابل الرئيس بورقيبة هذه الليلة فقد دعانا لقصره ..قلت ادري .. قال : خذ بالك .. الرئيس يسأل الشعراء عن الشعر .. والادباء عن القصة.. والصحافيون عن حرية الكلمة .. فجهز ردودك منذ الان .. قلت : ربما اهتم الرئيس بالمشهورين من الكتاب .. لكني لم ازل فجا ولم يسمع بي مطلقا .. فهو مشغول بامور الحكم والسياسه .. ضحك وقال : انت لا تعرف بورقيبه اذن .. وعندما  ذهبنا الى مقابلة الرئيس وقفنا سويا متلاصقين للسلام عليه .. ثم تنقل محمود مثل النحلة الى مكان آخر ولم اره حتى احتضن بورقيبه محمودا وبدا انه يسأله بعض الاسئلة بصوت خافت ومحمود يجيب ويضحكان .. اما انا فقد سألني من اي بلد انت في فلسطين : قلت : من بلد اسمها العباسيه ..قال اتعرف انني اقمت فيها ليومين واستضافني اهلها عندما هربت من تونس الى فلسطين ايام الاستعمار الفرنسي لبلدنا .. ووصفها الرئيس لي : لكني لم اكن اعرفها فقد غادرتها صغيرا .. وهكذا افترقنا انا ومحمود ولم نتقابل مطلقا حتى سمعت  بموته في امريكا ..
لكني تابعت ( محمودا) وقصائده .. فلم تعجبني قصائده الجديده .. واعترف انني اخذت بقصائده القديمة ربما لاني جاهل فيما يقول الشعر والشاعر ..  وكنت افضل عليه الشاعر ( خالد ابو خالد) أمد الله في عمره .. فقد كانت كلمات خالد مثل النيران المشتعلة .. لا تغفو ولا تخفت .. أما محمود( وهذا فهمي لقصائده) فقد تغيرت في جديدها عن ذي قبل .. ونحن كما وددنا ان نتعلم  ان الشاعر موقف سياسي  فان  جنح الى المجموع احببناه .. وان ابتعد عن الجمع عزفنا عنه.. وربما كان هذا هو سبب عزوفي عن شعره الجديد.. وفي ذلك لا اقلل من قيمة قصائده فنيا .. فهو فحل دون منازع .
محمود احبه الناس .. ولا يضيره ان احببت شعره الجديد ام لم احببه .. ولكن  الدرويش كأنسان اضعه تاجا على رأسي وافخر به كلما جاء  ذكره ..
رحمك الله يا محمود ..فقد كتبت رثاءك في حياتك .. اما الكثير من شعراء اليوم .. فانهم يسارعون لنشر قصائدهم( المخيفة) في مواقع كثيره .. ولكنها لا تحرك فينا المشاعر كما كان شعر محمود الاول .. ويظنون انهم سيعيشون ابد الدهر .. أنت باق في قلوبنا ..وعزاؤنا ان دواوينك الشعرية لم تزل بين ايدينا ..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة