غادرنا ياسين جابر – بقلم : منير شفيق

فضاءات عربية ….
منير شفيق – الاردن …
ياسين جابر عبر هذا العالم وعاش فيه ما نيف عن ثمانية عقود، وغادره أمس إلى رحمة ربه بصمت وهدوء. وذلك بالرغم من أن حياته كانت تعج بالنضال والمقاومة، وكان في الوقت نفسه، خائضاً في خضم الثقافة والشعر والفكر والنظرية، والخط السياسي الصحيح. وكان باعه طويلاً في كل هذا، ولكن بصمت وهدوء. ولم يسعَ لصخبٍ وضجيج. وهو في قلب الصخب والضجيج. كان قائداً، وقد ظنه أقرب الناس إليه مناضلاً فحسب. وكان شاعراً ولم يحسب أقرب الناس إليه بأنه من أهل القلم والبيان ناظمٌ للشعر. وكان مثقفاً لم يشعر أحد بما قرأ وحفظ وأكثر.
عرفته منذ بدايات تأسيس التيار الذي قاده أبو حسن قاسم وسعد جرادات، وحمدي وأبو خالد جورج، ومروان الكيالي وعلي أبو طوق وجميعهم انتهوا بالاستشهاد. وكان ياسين جابر من السابقين معهم وبينهم. ومن دون أن يتوانى يوماً أو يتقاعس، ولا حتى “أن يتحرف إلى قتال”. ولكنها مشيئة الله التي أمدت بعمره حتى نيف عن الثمانين. وهو الذي رثا كل هؤلاء بقصائد تضع ياسين جابر في مصاف الشعراء المعاصرين الكبار. وقد طُبعت في ديوان شعر حمل عنوان “مواويل”.
بدأ ياسين جابر قائداً طلابياً ومناضلاً في صفوف حركة فتح، وما إن تعرف على أبو حسن قاسم وسعد جرادات حتى أصبح من المؤسسين الأوائل للتيار الذي انبثقت منه السرية الطلابية، فكتيبة الجرمق. وكان النشاط الرئيس الأول للتيار قبل ذلك، وفي أثنائه وبعده، هو مجال المقاومة في الأرض المحتلة. وهي أساس تكوين التيار الذي كان الأكثر أمانة لمنطلقات فتح وأهداف الثورة العربية.
وكان ياسين جابر مثل أكثر الذين خرجوا من الأردن بعد أحداث تموز/يوليو 1971 إلى دمشق ولبنان يتساءلون حول ما ارتُكِب من أخطاء. وقد راحوا يواجهون الذين أخذوا ينظرون، بصمت وحذر، في أوساط بعض قادة فتح وكوادرها، حول ضرورة “مراعاة” الظروف الدولية والأوضاع العربية. وذلك باتجاه التقدم ببرنامج “أكثر واقعية”، وإمكاناً للتنفيذ، من منطلقات فتح وميثاقي منظمة التحرير الفلسطينية 1964، 1968. وهو تيار أخذ يتعزز ما بين 1972-1975 مع دخول الخط السوفياتي والبحث عن تحالف مع الاتحاد السوفياتي، وكان بريجنيف في أول لقاء مع ياسر عرفات قال له و”اللبيب من الإشارة يفهم”: تذكر يا رفيق “أنكم خرجتم من الأردن بقرار دولي” يعني بموافقتنا أيضاً.
كان ياسين جابر مع الاتجاه الغالب، في ذلك الوقت، داخل “فتح” وعلى المستوى الفلسطيني قد عارض بشدة أية تنازلات عن المنطلقات الأولى لفتح وفي مقدمها تحرير كل فلسطين وتبني الكفاح المسلح، وقد شكلا العنوانين الأساسيين لفتح والثورة الفلسطينية.
أضف إلى هذا الموقف الفتحاوي- الوطني- العروبي المبدئي، ما توّلد عن النقمة على القيادة نتيجة ما ارتُكب من أخطاء في إدارة الصراع في الأردن. وقد اعتبرها الكثيرون بأنها كانت السبب في إنهاء وجود الثورة الفلسطينية في الأردن.
وجد ياسين جابر ضالته في خلال تلك المرحلة المضطربة بالصراعات الداخلية، في الموضوعات التي كانت تتبلور حول رفض أي تنازل عن المنطلقات كما ضد تدوير الزوايا لتمييعها من جهة، وحول ألاّ يتحول ذلك الرفض إلى مجرد معارضة سياسية داخل الثورة، أو إلى تشكيك بالقيادة إلى حد قد يوصل إلى ترك فتح وأكثر، من جهة ثانية، أما من جهة ثالثة ضرورة تبني نظرية تعمل على حمل كتف في القتال (المشاركة المباشرة فيه من قبل ما كان يسمى “يسار فتح”  وليس الدخول في معارك معها. ولكن مع إبداء الرأي المعارض لكل توجه تأخذه القيادة نحو الانخراط في اللعبة السياسية التسووية.
ولهذا أصبح ياسين جابر من النواة السياسية التي عملت جنباً إلى جنب مع أبو حسن قاسم، وحمدي ومروان كيالي وعلي أبو طوق حتى استشهادهم، واستمر أميناً على هذا التراث حتى آخر لحظة من حياته. ولم يبدل تبديلا. وقد أصيب بشلل عام في أخر أيامه، لم يبق عضواً “نشطاً” فيه غير جفنيه وعقله الذي استمر على التلقي وعلى التعبير أو الحضور من خلال السمع والجفنين والعينين، وما يمكن أن ينطبع على وجهه من تعبير أو انفعال.
كان الجزء الأساسي من حهد ياسين جابر مكرساً للعمل فلسطينياً، والجزء الآخر كان مكرساً عربياً حيث أفرزه أبو حسن قاسم ليعمل في مصر ويتحرك بين طلبة الجامعات والنخب هناك. فهذا النهج المقاتل داخل فتح وتشكيله للتيار الثوري يتسع يوماً بعد يوم كان يرى، في الوقت نفسه، حاجة إلى نهج عربي ثوري مواز وداعم. فالثورة الفلسطينية بلا ثورة عربية أو بلا رأي عام عربي وقوى ثورية عربية داعمة لها، ومغيّرة في أقطارها، ومن ثم قائدة ومواجهة للعدو الصهيوني، ستظل ضعيفة ومتعثرة وعرضة للتصفية أو الانحراف.
وهذا ما فرض على ياسين جابر أن يتنقل بين الممارسة القتالية مع إخوانه سواء أكان في الجبهة المفتوحة في لبنان أو في الداخل الفلسطيني تارة، وطوراً كان عليه أن يكرس وقتاً طويلاً في العمل العربي في أرض الكنانة. وهو عمل كان يجهد ليصب في الجهد العام للتيار ككل. وقد راح أبو حسن وسعد يتابعانه باهتمام شديد لا سيما في المرحلة التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية في لبنان.
هذا البعد المتعلق بياسين جابر يجب أن يُذكر له مع وفاته التي توازي الاستشهاد إن شاء الله، ويجب أن يعرفه كل من عرفه من إخوانه في التيار. فرحمة الله عليه رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جنانه. ولأهله جميعاً ولا سيما الذين خدموه بعد أن أصبح طريح الفراش كل العزاء والاعتزاز بهم.
وختاماً أحسب أن من الوفاء له أن تختم هذه الكلمة المتواضعة التي لا تفيه إلاّ بعضاً مما يستحق، أن تختم ببضعة أبيات من قصائده في ديوان شعره “مواويل” وقد سوّغ نشره ذلك الديوان بالقول:
“وكنت خشيت انقضاء الزمان  وفي النفس من جامحات الذحول اشتهاء” (الذحول: الثأر والانتقام).
ومن قصيدة “سادن البرق” (أول قصيدة في الديوان وأهداها إلى الشهيدين سعد جرادات وأبو خالد (جورج عسل):

يا سادِنَ البرقِ
ثًمّ ضيوفٌ تراوِحُ خيلهمُ
بين وجدِ القصيدِ وقلبي المعنّى
تبتل قلبٌ وللقلب فيما يروم
طقوس ونسكُ
تُخاتلهُ شفرات السيوف
مخالب نسرٍ
يقين وشكُّ
يُجدّف في زرقة لا يَحدُ مداها الحنين
وظِلّ البنفسج يطفيء لون السنين
فتقسو علينا
*************
ومن قصيدة “التوأمان صنين وأبو الطيب” (الشهيد جمال القرى)
مقابرُنا على ساحاتِكُم حَيرى،
مُدمّاةٌ شواهِدُها
نُهاجرُ وهي باقيةٌ
بلا وردِ ولا أزهارَ نتركُها
لنمنح للتلالِ الخُضْر من أرضِ العروبة وجبةً أخرى
***********
وفي “أغنيات للحب والحياة” أهداها لـ: أبوحسن قاسم وحمدي سلطان التميمي ومروان كيالي
آه يا جمرَ الغضا
كلما أغْراك بالقلبِ حبيبٌ
زادك اللهُ اشتعالاً وأوارا
*********
يا حبيبي
بعضهم يهزمُهُ الموتُ
وبعضٌ موتُه يأتي انتصارا
**********
عجبتُ
أتعجبُ أنك طِقتَ اصطبارا؟
وأنّ المراكبَ حين تُغادرُ
تنسى المنائرَ مأخوذةً بالمحيطِ انبهارا
وأنّ سُهيلاً وفيّاً على البُعدِ
يدنو شعاعاً ويسمو اقتدارا
تباركَ هذا الضياءُ
يؤجّجُ كلَّ المنافي اشتعالاً
ويُلهبُ عطرَ الورودِ انتشارا
********
تطاولَ ليلُ الجحودِ وناءَ بكلكَلهِ
واستفاقَ الرياءُ
وأنتَ على صهواتِ العتاقِ
تُراهِنُ بالدّمِ أنَّ الحدودَ افتراءُ
وأنَّ الطوائفَ في الشرق زورٌ
ومجدُ القبائلِ فيهِ هُراءُ
وقُدْسُ الجهادِ لدى عتباتِ الشقيفِ ابتداءُ
*********
ومن قصيدة “تعبت في ساعدك الأصفاد” (مهداة إلى الأسرى)
في زمنٍ تتصاهرُ فيه الأضداد
تعبت في ساعدك الأصفاد
**********
حين تعرّى الظلُّ
تنزّت عقدة التاريخ على المرآةِ
احتقَنَ القفلُ مُساومةً
قلتُ، يُراوغُ هذا الصدأُ الأصفرُ
أيُّ مساومةٍ بين القِفل وبين الشفتين!
لا تُلقحُ هذي الأرضُ بغير السيفِ
يؤججها خِصباً وعطاءً
***************
هذا الزّمنُ تمكّن منّا
والعُمرُ تجاوز خطَّ العُمرِ وأنتَ تكابرُ
لا يلبثُ هذا النوْءُ الراشدُ أن ينهلَّ
جداولَ في كفّيك
***************
أما قصيدة مواويل فتحمل السردية كلها شعراً جميلاً يقول فيها:
أفــــــق
كان حُلماً جميلا
تناقَلَه ليلًك اللازوردُ
لدى منبعِ الريحِ
واختلطتْ بالضحى الأمسياتُ
وأنت تسدّدُ خطوَ المعانيَ في سيرها
أن تَؤولا
************
قُلتُ:
تطوّحَ ظلُّ امرئ القيسِ في شمسِ قيصرَ
ماذا يُساومُ هذا الغريب!
فقيصرُ يملكُ عِقْدَ المجرَّةِ
قد قتلوكَ بثأركَ
ها قد خسرتَ القصيدةَ والحُلمَ
صار حوارُ الكلامِ المُرمَّدِ
ينسخُ منك الذُّحولا  (الدحول: الانتقام والثأر)
*************
ملحوظة: هذه اللقطة من قصة امرئ القيس وإسقاطها على عصرنا الراهن تجعل من ياسين جابر شاعراً يُصفق له ويستحق كل اهتمام. بل أن ما ورد من أمثلة من شعره أعلاه حُصر بأحبته المعروفين الذين عمل معهم. ولكن آفاق قصائده الأخرى في ديوان “مواويل” فيها ما يزيد على ذلك في شاعريته وعمقه ومعه نظرته وصرامته في صنع الصورة الشعرية مما يجعله من المبتكرين المجددين وإن ظلمه عمله النضالي مع الشهيدين أبو حسن قاسم وحمدي ليكون مقلاً في الشعر وأكاد أحسبها موهبة فذة كبتها التفرغ في العمل مع تيار جعل الإثخان بالعدو قصائده العصماء.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة