الفلسطيني الجديد ما بين “رئيسنا قدوتنا” وصواريخ المقاومة. بقلم : بكر السباتين

فلسطين …..
بقلم : بكر السباتين …
الشعب الفلسطيني يحتفل هذا العام بالذِكرى الواحدة والسبعين لنكبة فلسطين وهو أشد عنفواناً؛ لما يمتلك من خيارات كانت محرومة عليه منذ اتفاقية أوسلو التي رُتِّبَ لها على خلفية خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 1982. وكان من بين هذه الخيارات المقاومة بكل وسائلها المتاحة، بعدما أحرقت كل الفرص النضالية القائمة على خيار الكفاح المسلح منذ الخيبة وتداعياتها التي جلبتها اتفاقية أوسلو للشعب الفلسطيني منذ عام 1995.
وفي الوقت الراهن تأتي الروح الفلسطينية الجديدة لتحلق عالياً بقوة وعنفوان حينما تفجرت روح المقاومة في أعماق الفلسطيني الجديد، كبرمجة لغوية وعصبية نتيجة التجارب القاسية والأزمات التي عصفت بالثوابت الفلسطينية بسبب اقتحام ترامب المشهد السياسي الأمريكي بعقلية المقامر وتبنيه للمشروع الصهيوني “صفقة القرن” دون أن يجد من يردعه إلا محور المقاومة.
وكان القائمون على تنفيذ هذه الصفقة الصهيونية يذللون كل الصعوبات التي تعترضها من خلال دفع الرئيس الأمريكي دوناند ترامب لفرضها كأمر واقع، فنقل لأجل ذلك سفارة بلاده إلى القدس مطلع العام الجاري. ثم توالت الضغوطات العالمية على الأردن ليتنازل عن رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس لصالح السعودية التي تبنت تسويق صفقة القرن على صعيد عربي؛ توطئة للتنازل عنها نهائياً.. لكن جهودهم باءت بالفشل الذريع.
ولعله من محاسن الصدف أن يكون مجيء ترامب إلى المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط قد ساهم في تعرية ما خفي من المشهد السياسي العربي أمام الفلسطيني الجديد.. وباتت الوجوه العربية دون أقنعة، في حين أخذ يتعلم ذاتياً من التداعيات المريرة ذات الأخطار التي تحيق به؛ لتوضح له آخر المطاف توصيفات جديدة لمفهوم العدو الحقيقي دون رتوش مُمَوِّهَة، وفي ضَوْءِ ذلك خرج اللاعبون من الغرف المغلقة ليمارسوا أدوارهم المشبوهة في وضح النهار الأمر الذي سهل على الفلسطيني الجديد مقارعة العدو والتصدي لمشاريعه السرطانية.. فصار بوسع هذا الفلسطيني الجديد أن يحدد بوصلته الواضحة باتجاه تبني خيار المقاومة بعد أن أثبت فاعلية موفقة في الردع وخلق معادلات توازن جديدة قائمة على قواعد اشتباك فرضتها المقاومة المحاصرة في أكبر سجن عرفه العالم بما يسمى “سجن غززة”؛ ليتحول هذا الفلسطيني المتحرر من طاقة اليائس السلبية إلى مقاوم متمرد يتمتع بطاقة الصهيل ويتمتع بحيوية الخيل الجامح، ليمتلك القرار الفلسطيني الحقيقي والنافذ على أرض بات يشعر بوزنه عليها فلا تميد به، لا بل صار بوسعه أن يصنع الأحداث وفي يده خياراته التي ضربت صفقة القرن في الصميم، وأحرجت موقف ترامب وحلفائه من الإسرائيليين والعرب.
كل ذلك أكسب الفلسطيني الجديد القدرة على المناورة الميدانية والسياسية بكل ثقة، ومن منطلق القوة الرادعة، وتخطي الصعوبات التي تعترض طريقه نحو نيل حقوقه المشروعة بعد أن أميط اللثام عن الأقنعة وصار بوسعه إيجاد الحليف الذي سيدعمه في برنامجه المقاوم.. وخاصة أنه بات قادراً على تمييز العدو من الصديق، بعدما تكشفت له أوراق القضية الفلسطينية والدور العربي في المتاجرة بالحق الفلسطيني منذ عام 1948.. هذا بالإضافة إلى تفاصيل صفقة القرن وتداعياتها الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية من خلال إنهاء ملفاتها لصالح المحتل.. وبات هذا الشعب القابض على الجمر أيضاً قادراً على أن يميز فلسطينياً بين المطبعين الخونة والشرفاء المقاومين حتى على مستوى قياداته، وخاصة رئيس سلطة (أوسلو) محمود عباس الذي ما فتئ يدعو إلى قتل كل من يحاول من الفلسطينيين ضرب الكيان الإسرائيلي بالصواريخ، انطلاقاً من الضفة الغربية التي انتشرت في أنحائها المستعمرات الإسرائيلية كالسرطان، حتى اعتبرها الفلسطينيون أرضاً محتلة بالوكالة من قبل الكيان الإسرائيلي وعملائه في السلطة الفلسطينية التي تبنت حماية المستوطنات الإسرائيلية من المقاومة الفلسطينية وخلاياها النائمة في الضفة الغربية من خلال التنسيق الأمني الفلسطيني الإسرائيلي.. لا بل أن السلطة ذهبت أبعد من ذلك، بمساهمتها التآمرية في محاصرة غزة حيث يصف رئيسها صواريخ المقاومة ب ” الكرتونية”.. هذا الرئيس الذي يحاول تعليم طلاب المدارس في الضفة الغربية مبادئ الخنوع من خلال اعتماد كتابه الركيك التافه “قدوتنا رئيسنا” في مناهج الدراسة التي حذف منها كل ما يحث على المقاومة والجهاد.. لتتبنى أخيراً كتاب الرئيس عباس الذي انتقده الفلسطينيون وسخروا منه على نطاق واسع.
الشعب الفلسطيني أصبح قادراً على التصدي لصفقة القرن دون مساعدة من العرب معتمداً على محور المقاومة فقط.. فقد بات يمتلك أدوات الردع الفاعلة، من خلال انتمائه لمحور المقاومة، ما جعله بذلك يشكل رُعباً لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وداعمي غطرسته من العملاء الرعاديد، لما تضمنته ترسانة المقاومة من مئات آلاف الصواريخ بمختلف الأوزان والأبعاد والموجهة كلها نحو تل أبيب بعد أن حيدت القبة الحديدية وأصابت الكيان الإسرائيلي ونظريته الأمنية في العمق.
وفي سياق القدوة الحسنة وتهميش دعوة محمود عباس إلى بث الطاقة السلبية في الأجيال الفلسطينية الواعدة، من خلال كتابه التافه، ينبغي التذكير بأهم مصر بناء الطاقة في عقل الفلسطيني الجديد من خلال ما قاله السيّد إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الاسلامية “حماس”، على خلفية انتصار المقاومة الأخير على الكيان الإسرائيلي باعتراف العدو نفسه، عندما أكد مؤخراً أنّ بنيامين نِتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، هو الذي سارع إلى مصر طلباً لوقف إطلاق الصواريخ التي تجاوزت غلاف القطاع ووصلت إلى أسدود وعسقلان، وريمون واقتربت من بئر السبع؛ لأنه يدرك جيدًا أن تل أبيب باتت الهدف التالي وهو ما دفع نتنياهو للاستسلام فوراً مدفوعاً بضغوطات داخلية أحرجت موقفه السياسي.
صواريخ المقاومة لم تعد عبثيةً مثلما كان يصفها ويسخر منها رئيس السلطة محمود عبّاس بل صنعت محلياً باستخدام تكنلوجيا إيرانية بتقنيات عالية جعلتها أكثر دقة، وبوسعها حمل رؤوس متفجرة يبلغ وزنها 100 كلغ، وربما أكثر، وبوسع فصائل المقاومة لو رغبت بالتصعيد في مرحلة مناسبة، قتل الآلاف من الإسرائيليين وتعطيل الموانئ الإسرائيلية ومحطات سكك الحديد وغلق مطار تل أبيب، ولكنها فضّلت التريث انتظاراً للوقت والظرف الأنسب استراتيجياً. وأخيراً فقد تعلم الفلسطينيون الدروس والعبر من واقع الحال المزري وصاروا مطالبين بمحاسبة السلطة الفلسطينية الفاسدة ورئيسها الذي يفتقر إلى روح المبادرة الثورية ويتصرف كملك لا يؤمن إلا بالبروتكولات الاحتفالية، ويخلط بين مفهومي السلام والاستسلام، ويعتبر “السلام” الذي يؤمن به هدفاً استراتيجياً لا يجوز المساس به حتى لو تنازل لأجله عن كل الثوابت الفلسطينية التي باتت مهدورة من قبله، ومنها القدس وحق العودة والحق بالمقاومة المكفول وفق الشرعية الدولية.. ورغم كل هذه التنازلات المخجلة والتي لا يعترف بها على نطاق فلسطيني.. يُكافأ بـ”صفقة القرن” ونقل السّفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة ويطوح ترامب بالملفات الفلسطينية في وجه الريح كي تضيع في خريف المشهد السياسي الإقليمي فيختلط الحابل بالنابل.. لولا الفلسطيني الجديد الذي خرج من بين الرماد كطائر الفينيق، فيؤازر المقاومة الفلسطينية، ثم يعيد جمع أوراق قضيته المهدورة. يصهل بأعلى الصوت كالخيل الجامح، فتنهار بفعل ذلك قبة العدو الحديدية، ومن ثم يعيد هذا الفلسطيني ترتيب أوراق قضيته من جديد قبل أن تبعثرها رياح الخريف في عالم مكفهر الوجوه.. عجبي.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة