الثقافة ما بين التحليق والتعليب – بقلم : بكر السباتين

آراء حرة ….
بقلم : بكر السباتين …
من المحزن أن يقدر الجهلاء والسذج الإبداع والثقافة بالمال دون أي اعتبار يذكر للجانب الروحي أو المعنوي.. ففي نظرهم تصبح الثقافة نوعاً من الفشل المقنَّع ومضيعة للوقت ما لم يجنِ المبدعُ مقابلَ جهده مالاً وفيراً.. والأنكى أن تجدَ هذه الأحكام السطحية على المنجز الثقافي لأي مبدع كان، منتشراً بين بعض المتعلمين في الأوساط الاجتماعية كافة؛ وهذا بحد ذاته هراء وناجم في الغالب عن مرتب نقص ومثير للشفقة إلا من رحم ربي وخاصة أصحاب الرؤية الواقعية ممن يبنون آراءهم على مبدأ الربح والخسارة.. ويُعَدُّ ذلك إذا ما بولغ فيه من علامات السقوط الحضاري والجهل أحياناً كثيرة.. فالإبداع لدى المجتمعات الراقية في محيطنا والشعوب المتحضرة في العالم من شروط الرفعة والسمو والنجاح.. والمبدعون في نظر تلك المجتمعات رافعة فكرية للتغيير إلى الأفضل، لا بل أنهم يمثلون لديهم حالة استثنائية من النجاح المبهر والتحليق الذي لا يطوله إلا من يجتهد على نفسه، ويثقفها معرفياً ثم يصقلها تجريبياً مع تعزيزها بالقيم الأخلاقية والروحية؛ لبناء الشخصية المبادرة والخلاقة، ذات الرؤية الإنسانية، ويسعى بالطبع لتحقيق أهدافه الشخصية؛ على أن يكون فيها منفعة للناس، في إطار من الموضوعية التي تتوخى الأخذ بالمثاليات المتاحة، باذلاً هذا المبدع الجاد لأجلها ما بالوسع من جهد ومال لغايات معنوية سامية، ترقى به نحو العلا؛ وإن كوفئ في سياق عطائه مادياً وهذا لا غبار عليه.
إن مستقرَ هؤلاءِ المبدعين الحقيقيين من حملة الرسالات الفكرية والإنسانية، هو منطقة المركز، حيث طاقة التأثير الإيجابية.. فيما يهيم الجهلاء والوصوليون ومنهم المطبعون وسماسرة الكلمة وأصحاب المآرب المشبوهة الأخرى ،في هامش الحضارة حيث تعلّبُ الثقافة هناك وفق الأمزجة والمصالح الخاصة أو القائمة على التحالفات الإقليمية لتسويقها كمنتجات رخيصة! حتى لو كان أصحاب الرؤية المادية للثقافة من أصحاب الثروات الطائلة أو المناصب الكبيرة في الدولة.. فلا ريب أنهم في أعماقهم يتمنون الوصول إلى المستوى الإبداعي الثقافي الراقي وقد يبذلون لأجل ذلك المال من باب الدعاية؛ لأن من شأن هذا المستوى مساعدتهم في الانفتاح الواعي على الآخر وسيسهم في إضفاء طابع روحي ومثالي على مسيرتهم الحياتية ويكسبهم محبة الناس.
الثقافة ليست تجارة مثل البطاطا بل هي قيمة معنوية وأخلاقية لمن يؤمن بسموها…. فمن الجميل أن تكون صاحب مصلحة ناجحة أو منصب وجاه أو حتى موظفاً أريباً، ثم تكون إلى جانب ذلك مبدعاً حقيقياً ومثقفاً صاحب رؤية تتبنى قضية إنسانية، تبذل من أجلها الجهد والوقت والمال دون أن تكون المادة كل هدفك ولو حظيت منها بمكافأة مجزية في بعض الأحيان..صباحكم نقاء أصدقائي..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة