تهب الرياح من كل اتجاه : هكذا افكر أنا – بقلم : ادوارد جرجس

آراء حرة ….
إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك …
لم أشعر بالخجل في حياتي وأنا أمسك بالقلم قدر شعوري به الآن وفي هذه اللحظات بالتحديد ، شعور انتابني بأنني ثمل أسير في موكب للسكارى ، حتى تصل العربدة مداها فنتساقط جميعا فوق الأرض في ليلة غائمة ممطرة ، نتقلب فيكسونا الوحل من كل جانب ، أنهض لأستعرض ما أنا به كنوع من الانتقام النفسي ، أحسست بالإهانة وأنا أقدم إحدى رواياتي هدية لأكبر أحفادي ، الذي بلغ العاشرة ، فيقول لي أنه لا يقرأ العربية ، يذبحني السؤال ، هل أنا المسئول ، قد أكون مظلوما ، ربما لو كنت أراه بصورة يومية كنت استطعت أن أسقيها له كتابة وقراءة ، إذاً من هو المسئول ، هل الأب والأم ، قد ألتمس لهما العذر أيضاً فكلاهما يعمل ، ليس أمامى سوى هذه الجالية لأوجه لها الاتهام كاملا ، جالية لا تفعل أي شئ سوى السلبية، نعم قد يتبرعون لبناء مسجد أو كنيسة ، لكن لم يأت في ضمائرهم أبدا أن نضع المدارس التي تعلم اللغة العربية على قدم المساواة مع دور العبادة ، مدارس تعلم اللغة العربية كلغة في وقت الفراغ وفي العطلات ، سويعات قليلة كل أسبوع ، كثيرون يمكن أن يقدموا خدماتهم مجانا ، لكننا جالية أثبتنا فشلنا في أن نحتفظ بلغتنا كهوية وشرف الانتماء لأوطاننا ، فالحروف هي التي تشكل الفكر والشخصية والقومية .. المرادفات والمعاني هي التي ترسم فينا التاريخ والهوية ، والذي يفرط في لغته تضيع منه وتتشوه معاني الوطنية . بالتأكيد أشعر بالألم لأنني أمسك بقلم لغتي ، لكنني فشلت أن أعلمها لأحفادي ، لكن الألم أكبر لما يحدث في الوطن وهذه الأجيال الجديدة التي تركت لغتها وتعوجت ألسنتهم في مباهاة الحديث بلغات أخرى ، وأسأل أيضاً بحزن ، إن كانت الظروف في المهجر لعبت دورها ، فما هي الظروف التي تلعب داخل الوطن لتفقدنا لغتنا ، كيف فات على المسئولين أهمية اللغة في صناعة الشعوب وتأكيد أصولها ونحت أفكارها ، كيف فقدوا الأهتمام حتى وصل الأمر إلى التعامل مع اللغة بطريقة مهينة ورخيصة ، والتلاعب بالمعاني والمفردات فتحولت إلى لسان باهت تتضارب فيه المعاني وتنقلب فيه موازين الكلمات وتتداخل في عباراته اللغات الأجنبية ليصبح مسخاً بلا قامة ولا قالب ، مجرد أداة للتواصل أقرب إلى ” التهته ” ، أعلنا باستخفاف عن ضجرنا بالصرف والنحو وقواعد الإعراب . شجعنا أولادنا على ذم اللغة ووصفها بالتعقيد والجمود وعدم مواكبة العصر والعلم . افتخرنا بإتقاننا التمثيلي الأجوف لبعض اللغات الأجنبية لنعوض نقصا نفسيا وشذوذا حضاريا لم أستطع حتى اليوم فهم أسبابه ، هل تصورنا أن اتقانها سيخرجنا من فصيلة النسانيس ويجعلنا بشراً ؟! ، لم ندرك أنه حتى النسانيس لها لغة تحافظ عليها وعلى هويتها وأننا أصبحنا أشبه بالفصيلة التائهة التي قطعت جذورها وهرولت لتزرعها في أرض غريبة . ولا نزال في التيه ووزير التعليم يبتكر من أساليب التعليم ما هو يشتت أذهان الطلبة ، فأحضر لنا المدرسة اليابانية ويبذل مجهوداته ليعممها أكثر وأكثر ، وغدا سيحضر لنا المدرسة الكوالا لامبورية  ، أنا لا ألومكم ولا أعاتبكم لكنها الغيرة على لغتنا ، فأنا أيضا عجزت أن أعلم أحفادي في المهجر لغتنا ، لكنني قررت أن أكرس ما بقى من العمر لأعلمهم اللغة ، اللغة التي أتنفس حياتي من خلالها .
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة