جديد الأدب العربي .. بيان معاني الآيات بالقافية والروي – بقلم : د . نضير الخزرجي

دراسات …..
د. نضير الخزرجي – لندن ….
كقارئ هاو ولع بالأدب منذ نعومة أظفاره تعرفت على الشاعر الإيراني أبو الفتوح عمر بن إبراهيم الخيام (1048- 1131م) من خلال رباعياته التي تطير بالقارئ على بساط الهوى والهيام تقودها رياح الحكمة تارة ورياح الفكرة تارة أخرى، والنظر في ملكوت السماوات والأرض، وما تخفيه نفس الإنسان وكوامنه.
وكناشط ومراقب انتظم في العمل الحزبي والسياسي في أول سني البلوغ تعرفت على الصيدلاني والشاعر والمنجِّم الفرنسي ميشيل دي نوستردام (Michel de Nostredame) الشهير بـ “نوستراداموس (Nostradamus) (1503- 1566م) مع اندلاع حركة الشعب الإيراني عام 1978م بالضد من النظام الشاهنشاهي التي انتهت إلى قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979م، عندما راحت الأقلام تنبش في رباعياته للوقوف على تنبؤاته فيما إذا كانت الثورة الإسلامية جزء منها، فأثبت بعض ونفى آخر.
وحيث لرباعيات الخيام ترجمات متنوعة وبلغات مختلفة، وفي كل لغة ترجمات عدة مثل الترجمة العربية التي بلغت أكثر من عشرين ترجمة لشعراء من بلدان مختلفة مثل ترجمة الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي (1897- 1977م)، وترجمة الشاعر اللبناني أمين نخلة (1901- 1976م)، وترجمة الأديب المصري عباس محمود العقاد (1889- 1964م)، فإن لرباعيات نوستراداموس ترجمات كثيرة في لغات مختلفة وفي كل لغة أكثر من ترجمة.
وما يميز ترجمة رباعيات الخيام عن ترجمة رباعيات نوستراداموس، أن كلاهما خاضع لفهم المترجم لمفردات اللغة وتمكنه من اللغة وآدابها، وفي رباعيات الخيام يحضر المترجم بنفسه كأديب وشاعر ليفرض نفسه على الرباعيات فتشعر أنك تقرأ الأديب المترجم لا الأديب الناظم، وهذا ما يعطي للترجمات جمالية وتكشف في الوقت نفسه عن حجم شاعرية المترجم ومبلغ قدرته على السباحة في بحر القوافي، وأما في رباعيات نوستراداموس فإن الإسقاطات الزمانية والمكانية بما يراها المترجم أو يريدها أن تكون لها مدخلية كبيرة في الترجمة تبعا للغة التمويهية التي امتطى نوستراداموس صهوتها بما جعل تنبؤاته لها أن تصدق على هذا الحدث الكبير أو ذاك، أو أنها تعطي المرونة لدى المترجم في أن يلبس قميصها هذا الحدث او ذاك مما يشعرك أن التنبؤات لها صدقية أو قريبة إلى الواقع.
بالطبع لم يكن نوستراداموس بدعًا من المنجمين والضاربين بالرمل ولم يكن هو رائدهم، فقد سبقه كثيرون في عصور سابقة، وفي العصر الجاهلي المتصل بالعصر الإسلامي اشتهر أكثر من واحد في هذا المجال بما يعرف بالكهنة والسجاعة، الذين كانوا يخفون التنبؤات المزعومة في أبيات شعرية غير مفهومة أو كلام مقفى غير موزون شعريا فكل من يقرأه يفهمه على سليقته أو ما يرغب هو في فهمه وإن كان خلاف المراد ولا مراد له أصلا، وإذا عجز المرء عن فهم المراد نسبوه إلى قلب الشاعر وبطنه فيقال: (المعنى في قلب الشاعر) أو (المعنى في بطن الشاعر)، والقلب لا العقل ميال إلى هذا المعنى والمراد وإلى ذاك، والبطن دون العقل حمال ذو أوجه كبكرة خيوط التفت على نفسها أو كمعركة اختلط حابلها بنابلها.
وحيث تفاجأ عرب الجاهلية بما جاء به النبي محمد (ص) من قرآن موحى فيه قراءات للماضي ومبشرات للمستقبل وما بعد الحياة الدنيا رموه بالكهنة والسجاعة.
ومن أجل فهم الشعر على حقيقته وسجع الكهانة ونصوص القرآن الموحى والفروقات الشاخصة، ينقلنا الفقيه المفسر الشيخ محمد صادق الكرباسي في رحلة معرفية أدبية وقرآنية إلى فهم المراد وذلك عبر تفسيره النظمي للقرآن الكريم المسمى: (المختوم في التفسير المنظوم) الخاص بالجزء الثلاثين من القرآن الكريم (جزء عمَّ) الصادر حديثا (2019م) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن وبيت العلم للنابهين في بيروت في 459 صفحة من القطع الوزيري.

نظم التفسير لا القرآن
عندما تفاجأ عرب الجزيرة العربية بأدب القرآن الكريم ووحي السماء، رموا رسول الله محمد (ص)، بالكهنة والسجع والشعر رغم علم أهل مكة أن محمد بن عبد الله (ص) الذي عاش بين ظهرانيهم أربعين عاما قبل أن يعلن دعوة الإسلام لم يكن شاعرا ولا كهانا ولا سجاعا، لأن من عادة العرب أن تحتفي بالشاعر وتفتخر به على رؤوس الأشهاد ولم يكن النبي محمد(ص) منهم، ومن عادة العرب أن تذهب الى الكاهن يخبرها عن الحاضر والمستقبل، ولم يكن النبي محمد(ص) منهم، ولم يُعرف عن النبي أنه من السجاعين الذين يبطنون كلامهم المقفى أحاجي ونبؤات، واشتهر بينهم منذ نعومة أظفاره بالصادق الأمين.
فاتهام رسول الإسلام بهذه الأمور الثلاثة إنما هي وسيلة من لا حيلة له على معارضة ما جاء به من وحي السماء، وكبار القوم وشعراؤهم وخطباؤهم يدركون هذه الحقيقة وإنما أطلقوا التهمة ليضلوا بها عامة الناس وعوامهم ولكي يحافظوا على مكتسباتهم من عبادة الأصنام والشرك بالله، ولهذا كان منطقهم كما يصورهم القرآن: (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) سورة الصافات: 36، لكن القرآن الكريم ردّ عليهم بلسان الرسول الأكرم(ص): (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ. أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) سورة الطور: 30، وحيث عجزوا أن يأتوا بالقرآن أو بعشر سور أو بسورة واحدة خاطبهم بأن يأتوا بحديث مثله: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) سورة الطور: 33- 34، ولأن القرآن فريد نوعه فإن التحدي قائم حتى يومنا هذا لكلا الثقلين: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) سورة الإسراء: 88.
الفقيه الكرباسي يمهد في تفسيره النظمي للجزء الثلاثين من القرآن الكريم بجملة موضوعات ذات علاقة بالشعر والسجع والتقفية والكهانة، فيتابع العلاقة بين (السجع والتقفية) و(السجع بين الرفض والقبول)، و(القرآن والشعر) و(فوارق القافية والسجع) و(القرآن بين السجع والقافية)، و(الهدف والغاية) يوضح فيه حيثيات بيان معاني الآيات في قالب نظمي مقفى، ليؤكد استحالة وضع القرآن الكريم وتفسيره في قالب شعري حسب معايير الشعر، وإنما هو من النظم المقفى مع التفعيلة وإن تقولب في بحر من البحور الخليلية والكرباسية التي بلغت 210 بحور، من هنا فإن المفسر الكرباسي يؤكد: (إن الهدف الرئيس من نظم القرآن هو نظم تفسير القرآن، وإلا فإن نظمه كترجمته لا يمكن إلا من قبله تعالى، ووصف النصوص المنقولة إلى لغات أخرى غير العربية بالترجمة هو من باب المسامحة، والأدهى من ذلك أن نُسمِّي نظم القرآن بالشعر لأن الثاني أكثر استحالة من الأول بل هو المحال عينُه).
اما لماذا بدأ بنظم تفسير القرآن من الجزء الثلاثين ولماذا أطلق عليه المختوم؟
يجيب الشيخ الكرباسي: (بدأنا بالجزء الأخير من القرآن لأنه فيه ذكاء من الشعر ونفحة من النظم، فإذا ما أظهرنا فيه استحالة النظم وأبدينا التفعيلة المستخدمة فيه جرى في غيره بسهولة، ولاستحالة قلب النص القرآني شعرًا سمَّيناه “المختوم في التفسير المنظوم”)، والمختوم من ختم الرسالة وغلقها بالشمع أو الرصاص بحيث لا يعرف محتواها إلا المرسل والمرسل إليه، ومهما بلغ المفسرون قُلل المعرفة فإنهم حتى يومنا هذا قاصرون على الوقوف على حقيقة المراد من آيات القرآن الكريم، والأمر موكول إلى المُرسل والمُرسل إليه والموصى به: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) سورة آل عمران: 7، ولهذا استوجب التسليم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) سورة النساء: 59.

لا هذا ولا ذاك
وحيث عرف العرب النثر والشعر وما بينهما من سجع وتقفية، فإن مجموعة غير قليلة من آيات القرآن الكريم ذات مسحة من سجع وتقفية، وهو ما جعل كبار المشركين يلوون حقيقة الوحي الرباني ونسبتها الى الكهانة والسجع البشري، والفقيه والمفسر الكرباسي يوقفنا في التمهيد وفصوله بشرح مفيد عن مفهوم السجع والتقفية وتمثلاتهما من القرآن الكريم، كون السجع غير الشعر المقفى، فالأول: (هو الكلام المقفى، أي الكلام الذي يكون آخر مقاطعه من الحروف التي مخارجها متحدة أو متقاربة) وهو خاص بالنثر، والكلام الموزون المقفى هو خاص بالشعر، فالسجع من خواص النثر والقافية من لوازم الشعر، فما خلا من سجع فهو كلام منثور وصنوه ما خلا من قافية، وإنما سمي السجع سجعا لتقاربه في اللحن من سجع الحمام لتناسب فواصل لحن الكلام المنثور وتقارب آواخره بمخارج الحروف أو توافقها.
والسجع على أربعة اطوار كما يسترسل المؤلف والناظم مستشهدا بآيات من القرآن الكريم:
الأول: السجع المُطرّف: وفيه اختلف آخر الجملتين في التفعيلة واتفقتا في القافية (الروي)، ومن ذلك قوله تعالى في سورة نوح: 13 و14: (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً) (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً).
الثاني: السجع المتوازي: وفيه اتفقت المفردة الأخيرة من الجملتين فقط على تفعيلة وقافية، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الغاشية: 13 و14: (فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ) (وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ).
الثالث: السجع المرصّع: وفيه اتفقت مفردات إحدى الفقرتين في التفعيلة في معظم مفرداتها مع الأخرى كأنها صدر وعجز، من ذلك قوله تعالى في سورة الإنفطار: 13 و14: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ).
ومن المفارقات في الشواهد الثلاثة اتفاق أرقام الآيات الشريفة.
الرابع: السجع المشطَّر: وهو من التشطير الشعري المسجع، ومحله كما يضيف الناظم في الشعر وليس في النثر، حيث يلاحظ السجع في كل شطر من شطري البيت، من ذلك قول الشاعر أبي تمام حبيب بن أوس الطائي (179- 228هـ) من بحر البسيط:
تدبيرُ معتصِمٍ بالله مُنتقِمٍ *** لله مُرتَغِبٍ في الله مُرتقِبِ
ولا يخفى أن السجع من المحسنات اللفظية ومن بديع البلاغة، له منزلة طيبة في القلب والعقل، تتلقى النفس مفرداتها كما تتلقى الأرض الجدباء قطر السماء، وهو ظاهر في الأدب القرآني وبتعبير الناظم: (السجع شيمة الأدب القرآني الذي انتهل منه الرسول(ص) وآله(ع)، ومن أنكر ذلك حاله كمن ينكر الشمس في رابعة النهار، ومَن استنكر هذا النوع من الأدب ببعض الروايات الضعيفة أو الموضوعة فلا يُصغى له).
وإذا كان السجع في النص القرآني ظاهرًا فإنه في المأثور كثير، من ذلك ما جاء في مناجاة الإمام علي بن الحسين السجاد (33- 92هـ) بلسان حال التائبين: (إِلَهِي أَلْبَسَتْنِي الْخَطَايَا ثَوْبَ مَذَلَّتِي)، (وَجَلَّلَنِي التَّبَاعُدُ مِنْكَ لِبَاسَ مَسْكَنَتِي)، (وَأَمَاتَ قَلْبِي عَظِيمَ جِنَايَتِي)، (فَأَحْيِهِ بِتَوْبَةٍ مِنْكَ يَا أَمَلِي وَبُغْيَتِي)، (وَيَا سُؤْلِي وَمُنْيَتِي)، (فَوَعِزَّتِكَ مَا أَجِدُ لِذُنُوبِي سِوَاكَ غَافِراً)، (وَلَا أَرَى لِكَسْرِي غَيْرَكَ جَابِراً)، (وَقَدْ خَضَعْتُ بِالْإِنَابَةِ إِلَيْكَ)، (وَعَنَوْتُ بِالِاسْتِكَانَةِ لَدَيْكَ)، (فَإِنْ طَرَدْتَنِي مِنْ بَابِكَ فَبِمَنْ أَلُوذُ)، (وَإِنْ رَدَدْتَنِي عَنْ جَنَابِكَ فَبِمَنْ أَعُوذُ)، (فَوَا أَسَفَا مِنْ خَجْلَتِي وَافْتِضَاحِي)، (وَوَا لَهْفَا مِنْ سُوءِ عَمَلِي وَاجْتِرَاحِي)، (أَسْأَلُكَ يَا غَافِرَ الذَّنْبِ الْكَبِيرِ)، (وَيَا جَابِرَ الْعَظْمِ الْكَسِيرِ)، (أَنْ تَهَبَ لِي مُوبِقَاتِ الْجَرَائِرِ)، (وَتَسْتُرَ عَلَيَّ فَاضِحَاتِ السَّرَائِرِ)، (وَلَا تُخْلِنِي فِي مَشْهَدِ الْقِيَامَةِ مِنْ بَرْدِ عَفْوِكَ وَغَفْرِكَ)، (وَلَا تُعْرِنِي مِنْ جَمِيلِ صَفْحِكَ وَ سَتْرِكَ)، (إِلَهِي ظَلِّلْ عَلَى ذُنُوبِي غَمَامَ رَحْمَتِكَ)، (وَأَرْسِلْ عَلَى عُيُوبِي سَحَابَ رَأْفَتِكَ) إلى آخر المناجاة السجادية.
وينتهي المؤلف إلى التأكيد بأن السجع في ذاته ليس منهيا عنه: (وإنما المنهي عنه هو الحكم المتبوع في قول الكاهن، فقال رسول الله: أسجعًا كسجع الكُهان، أي أحُكمًا كحُكم الكُهان).

من منظوم التفسير
وإذا كان السجع مقرونا بالكُهان فإن المنبئين والمنجمين استخدموا الشعر مركبًا لهم، كما استقلَّ عدد من الشعراء لا كلهم ظهر الشعر لإغراء الناس بأكاذيبهم وإغوائهم، والشعر في المنظوم كالسجع في المنثور: (لم يرد فيهما نهي في القرآن) كما يضيف المحقق الكرباسي. بل إن الشعراء فقراء إلى القرآن الكريم فهو ليس من السجع وليس من الشعر وفوقهما، وبتعبير الناظم: (إنَّ الشعر يتسكّع على أبواب سور القرآن وآياته ومفاهيمه، ومنذ أن نزل القرآن أخذ الشعراء ينهلون من القرآن نهلا، وتغيرت صورة الشعر بعد الإسلام، إذ كان القرآن الكريم أحد أهم مصادر الإلهام لهم) من شعراء وأدباء وأمثالهما.
ومن نماذج الإلهام هذا التفسير المنظوم بعينه الذي يبدأ من سورة النبأ وينتهي بسورة الناس، فهو قريب من التضمين وما هو منه، وقريب من التشطير وليس منه، وأشبه بالإقتباس وهو غيره، وبتعبير الشاعر الجزائري الدكتور عبد العزيز مختار شبين في تقديمه للكتاب: (وديوان الكرباسي المختوم في التفسير المنظوم يمثل خطوة في هذا المنهج الذي يدعو إلى اقتباس القرآن الكريم واعتباره المورد الخالص للبلاغة، ومنه تنهل كل الينابيع مهما اختلفت مصادرها، وتنوعت اتجاهاتها، ووجد فسحة الوقت متاحة فأتى لنا بنسيج فريد في نظمه، فجعلنا نقرأُ القرآن نصًّا كاملا ومجوَّدًا في بيت منظم موزون مقفى، ولا أظن أحدًا سبقه إلى هذه الصنعة من قبل في أدبنا العربي، وإن وجدت فهي لا تتعدى اقتباسًا أو تأثرًا).
ومن الشواهد قول الناظم في تفسير البسملة والآيتين الاولى والثاني من سورة النبأ: (بسم الله الرحمان الرحيم. عمّ يتساءلون. عن النبأ العظيم)
بسم الله الرحمان الرحيم *** ذا نظمي تفسيرٌ للرقيمِ
يا رسول الله عمّا يتساءلونْ *** في حجازٍ هؤلاءِ المتقاعسونْ
هم عَنِ الإرسالِ طبعًا يتباحثون *** ما لهم يستغربوه ويعاندونْ
إنهم قد شكَّكوا بالنبأ العظيم *** فاستخفوا كلهم بالكَلِمِ القويمْ
ومن الشواهد في تفسير سورة الكوثر: (إنا أعطيناك الكوثر. فصلِّ لربك وانحر. إنّ شانئك هو الأبتر) صدق الله العلي العظيم:
فإننا أعطيناك درَّة كالكوثرْ *** فَصَلِّ دوما شكرًا لربك .. انهض وانحرْ
فإنّ نسل الداعي لفاطمٍ مِن حيدرْ *** فذاك مَن زكّى في صلاته إذ كبَّرْ
وشانئَ الهادي عند ربك المُسْتَنْصَرْ *** قضى عليه .. حكما هو القطيعُ الأبترْ
صدق الله العليُّ العظيمُ *** فيه قالَ الرسولُ الكريمُ
ومن لطائف التفسير المختوم أن المؤلف ألحق بخاتمة كل سورة منظومة نصًا منثورًا هو لسان حال السورة من حيث مكان النزول وسبب النزول وفيمن نزلت ومؤداها ومرادها والعبرة المستخلصة، وضمّ إليها 54 صورة تشكيلية تخيليّة من عمل الفنان المهندس محمد علي عبد الصاحب الأعرجي، مع بيان للعلامات المستخدمة، وعدد من اللطائف والنكات الظريفة من وحي أسماء سور القرآن الكريم، مع مجموعة فهارس متضمنة: فهرس الآيات، الأحاديث، البحور والقوافي، الأعلام، الأماكن، المتفرقات، الصورة والرسوم والملحقات، المصادر والمراجع، وفهرس المواضع.
وكما بدأ الكتاب بمقدمة لشاعر جزائري ختمه بتقريظ كريم جمع بين النثر والشعر لأديب عراقي هو الشاعر رحيم شاهر الربيعي الذي رأى في الكتاب: (شكل من أشكال التفسير الشعري للقرآن، ولكنه في هذه المرة جاء ترجمة جمالية من العربية إلى العربية، عبر إضافات عروضية جديدة لافتة، أي حاملة لوحة العروض الأبهى ومزدانة بحلته)، وختم تقريظه النثري بمقطوعة شعرية من ثمانية أبيات من بحر المتكامل، مطلعها:
هذا كتابٌ وحيه القرآنُ *** أهل المعارف أفصحوا وأبانوا
وخاتمتها:
فالدرُّ مختومٌ بلطف مواعظ *** وبلوحِهِ قد دلَّلَ العنوانُ
في الواقع يمثل كتاب “المختوم في التفسير المنظوم .. جزء عمّ” نقلة نوعية في الاستخدامات الشعرية وفيه وظّف الناظم القافية في تفسير معاني مفردات الآيات، وهو صنو كتاب “التفسير المسترسل .. جزء عمّ” للمؤلف نفسه الذي صدر عام 2010م الذي مثّل هو الآخر نقلة نوعية في التفسير المنثور على غير المعهود، وفيه وظَّف الكرباسي الكلمة الأدبية في تفسير مفردات الآيات بأسلوب ميسر سلس.
الرأي الآخر للدراسات- لندن

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة