قراءة في نصّ للشّاعر التّونسيّ يوسف الهمّامي – بقلم : مادونا عسكر

اصدارات ونقد ….
بقلم : مادونا عسكر/ لبنان ….
– النّصّ:
يَذْكرك الماء
عند ظلاله..
يجدّد لك
تحت كلّ شجرة بَيْعة
..
منزلة النّور
دفقة حليب في خمرة الظّلمة..
فصاحة العشق
ضحكة عشب في العينين
منذ أن أنشأ الله
شجرةَ الخلق
وأنا ألملمك في ابتسامتي..
..
عند سَهْوِي
تخاطبك باسمي الأشياء
تعرب لك عن خلاصة روحي ..
عند نَوْمِي
تأتيك روحي على شكل إلاه شَدْوٍ
تغنّي لك في الرّحاب
..
الصّمت يغرقني فيك
يغرقك
وطأة الكون ترتفع..
تثرثرني التّلال
تومئ بي الحقول
إذْ يتّقد شَيْبُ خضرتها ..
..
خاب ظنّ الأرضيّين جميعا
وَصَدَقَتْ نجمتي:
اسْمُكِ قبل البدء كان يوسف
– القراءة:
“ليس النّص بالشّيء المغلق على ذاته، بل هو مشروع كون جديد منفصل عن الكون الّذي نعيش فيه”
(بول ريكور)
يشتغل الشّاعر في هذا النّص لا على مشروع كون جديد منفصل عن الكون الّذي نعيش فيه وحسب، بل إنّه يرى ذاته في الوجود الأصل، منبع الوحي والإلهام وموطن النّور. فينفتح النّصّ على عالم الأنوار العلويّة في افتتاحيّة تتماهى والنّور الحاضر في قلب الشّاعر وذهنه.
تجتمع في النّصّ ثلاثة عناصر وهي في واقع الحال عنصر واحد: الماء، النّور، الله. ويعي الشّاعر تماماً هذه الوحدة فيما بينها، إلّا أنّه يبيّن حالة خاصّة أرادها  كوناً مفتوحاً يُخرج القارئ من ذاته ليتعرّف على كون الشّاعر من جهة، ومن جهة أخرى ليستدلّ على كينونة الشّاعر الحاضر في العالم القدسيّ. فيمتزج الشّعر في ما يشبه النّبوّة أو الرّسوليّة ليتحدّد للقارئ قيمة النّصّ الشّعريّ الممتزج بالعالم العلويّ. بمعنى آخر، لا يكون الشّعر شعراً إلّا إذا مازج الأنوار العلويّة، بل إنّ هذه الأنوار هي منبعه ومصدره.
لعلّ افتتاحيّة الشّاعر في السّطور الأولى مرتبطة بالآية القرآنيّة “والله خلق كلّ دابّة من ماء”. لكنّ هذا العنصر، أي الماء، يخفي ضمناً المرافقة الإلهيّة للشّاعر (يذكرك الماء). فينبّه القارئ إلى تصوّف خاص أو اختبار خاصّ معني به  يعبّر من خلاله عن خصوصيّة العلاقة مع الله الّتي تفيض شعراً. (يذكرك الماء/ عند ظلاله). لفظ  (الظّلال) عائد إلى الله المحتجب في رمز الماء الّذي يذكر الشّاعر. “أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (الفرقان/ 45)، ولفظ (الشّجرة) الدّالّ على النّفس بحسب التّعريف الصّوفيّ يظهر رسوليّة الشّعر أو الشّاعر نفسه حيث يقول: (يجدّد لك تحت كلّ شجرة بيعة). وما هذه العبارة إلّا دلالة على انفتاح الشّاعر على النّور الإلهيّ، ليكون الشّعر شعاعاً يعكس بعضاً من الأنوار ولكن بحالة متجدّدة ومستديمة.  فكأنّ النّور الإلهيّ يفيض عليه بغزارة يعبّر عنها التّجدّد، وإن أحالت القارئ إلى حادثة “بيعة الرّضوان” ودلالتها الإيمانيّة القويّة بين الرّسول محمدّ وأصحابه، وورد ذكرها في القرآن الكريم: “لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا”/ الفتح (18). إنّ للآية رجعا كذلك في العمليّة الشّعريّة الّتي تتّخذ نزعة الإلهام والفتح الإلهيّ.
يتبيّن حضور الشّاعر بشعره في هذا الكون حضوراً سماويّاً، أو بمعنى أصحّ يرى الشّاعر نفسه من خلال هذه الحالة العلويّة. (منزلة النّور/ دفقة حليب في خمرة الظّلمة)، الحليب شراب أهل الجنّة بحسب القرآن الكريم، وهو لفظ يشير هنا إلى دفق الخير في ظلمة النّفوس أو ظلمة العالم، يستكمله  بتحديد هذا الحضور الكائن في فكر الله (منذ أن أنشأ الله/ شجرةَ الخلق/ وأنا ألملمك في ابتسامتي.. ) فالشّاعر حاضر في فكر الله قبل الخلق كأيّ إنسان، لكنّ التّميّز هنا في قدرة الشّاعر على الانفتاح  القلبيّ على النّور ليصير شاعراً.
نتلمّس في العبارة (وأنا ألملمك في ابتسامتي) صوتاً خفيّاً مخفيّاً يدلّ عليه الشّاعر بضمير المتكلّم (أنا). لعلّه صوت الإنسان المكتشف لكينونة الشاعر كفعل تأمّل بحالته الصّوفيّة وما بلغه من استنارة.  أو لعلّه  شعور خاص عصيّ على اللّغة. أم إنّه صوت آخر نابع من عمق الشّاعر، لكنّه ليس صوت الشّاعر. وإنّما هو صوت هادئ ساكن يمازج صوت الشّاعر. وكأنّي به تنكشف له أسرار لا ينطق بها. فيخفيها في ظلّ ابتسامة صامتة عميقة تحيلنا إلى لحظات الخلق الأولى الّتي تسبق المعصية. فالشّاعر أتى على ذكر شجرة الخلق دون ذكر الأكل منها.
عند سَهْوِي
تخاطبك باسمي الأشياء
تعرب لك عن خلاصة روحي ..
عند نَوْمِي
تأتيك روحي على شكل إلاه شَدْوٍ
تغنّي لك في الرّحاب
لا ينفصل هذا المقطع عمّا سبقه. فهو مرتبط به ضمنيّاً. فالصّوت يتمدّد في نفس الشّاعر مانحاً إيّاه الطّمأنينة والأمان؛ لأنّ مصدره نورانيّ (تأتيك روحي على شكل إله شَدْوٍ/ تغنّي لك في الرّحاب) وإن دلّت هاتين العبارتين على أمر، فهما تدلّان على كونيّة الشّاعر وحضوره الصّامت المتمدّد في الكون. لكنّ هذا الصّمت فاعل ومدوٍّ، وهو الّذي جعله منصتاً إلى صوته الدّاخليّ، فكانت القصيدة. (الصّمت يغرقني فيك / يغرقك/ وطأة الكون ترتفع..)، بقدر ما يشتدّ الصّمت تتوهّج القصيدة ويغرق الشّاعر في كونه ويقوى حضوره الشّعريّ (تثرثرني التّلال/ تومئ بي الحقول)، ويتّحد بالصّوت الّذي يكشف عنه في نهاية القصيدة. إنّه الصّوت العميق في قلبه الّذي عرفه وعرّفه سرّ الحضور الّذي تاه عن محيطه.
خاب ظنّ الأرضيّين جميعا
وَصَدَقَتْ نجمتي:
اسْمُكِ قبل البدء كان يوسف
يعيدنا  القسم الأخير من القصيدة إلى بدايتها مكرّساً الحضور السّماويّ. فباستخدام الشّاعر للفظ (الأرضيّين) انفصال عن الكون الّذي يعيش فيه. ترافقه نجمته الّتي حضرت  في القصيدة كلّها إلّا أنّها لم تظهر بوضوح إلّا في الختام. لكنّ حضورها يمنح النّصّ آفاقاً جديدة مفتوحة على الأعماق السّماويّة. هي الّتي تعرفه لأنّها  هو. فالاثنان معاً منفصلان عن الكون اللّذان يعيشان فيه. هما اثنان في الظّاهر، واحد ضمناً (نجمتي) “لأن النّجمة الّتي في السّماء هي النّجمة الّتي في القلب.” (أنسي الحاج)

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة