مؤتمر الأمن في موسكو والفوضى الدولية- بقلم : منير شفيق

دراسات ….
بقلم : منير شفيق – الاردن ….
لعل أهم مؤتمرين دوليين يُطلان على العلاقات العسكرية فيما بين الدول الكبرى، فضلاً عن أهم التحديات التي تواجه العالم، هما مؤتمر ميونيخ للأمن العالمي، ويشرف عليه الحلف الأطلسي (الناتو). ومؤتمر الأمن الدولي الذي يُعقد في موسكو. وقد بلغ في هذا العام ثماني سنوات. أما مؤتمر ميونيخ الذي ولد عام 1963، فقد بلغ من العمر ستاً وخمسين سنة.
والسؤال: ما حاجة روسيا – بوتين لعقد مؤتمر موازٍ لمؤتمر ميونيخ للأمن، في الوقت الذي لم يفعل الاتحاد السوفياتي مثل ذلك؟ وفي الوقت الذي تستطيع فيه روسيا أن تقول كل ما تريد في مؤتمر ميونيخ؟ الجواب ببساطة أن روسيا بوتين أخذت تتحول إلى دولة كبرى تعمل على اختراق العالم كله، وليست محصورة في حلف وارسو كما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي.
ولهذا حشدت في مؤتمرها الأخير هذا العام ممثلين عن 111 دولة بينهم 35 وزير دفاع، وعشرات من رؤساء الأركان وقادة عسكريين بارزين. أي وصلت إلى الثقل العالمي نفسه، تقريباً، عدا تعمُّد حلف الناتو عدم المشاركة الفاعلة فيه (المشاركة على مستوى السفراء)، ما يدل على جدية المنافسة الدولية.
على الرغم من أن الفارق الزمني بين مؤتمر ميونيخ ومؤتمر الأمن في موسكو لا يتعدى شهرين ونصف الشهر (بين شباط/فبراير ونيسان/إبريل 2019)، فإن التركيز الذي وضعه الوفد الروسي في مؤتمر موسكو اتجه إلى تحذير “الناتو” من سياسته المتجهة شرقاً وصولاً إلى الحدود الروسية. كما تم التحذير من الخطر الذي يحمله نشر صواريخ الباتريوت في أوروبا، ما يشكل تهديداً خطراً على أمن روسيا. ويجعل من الهجوم النووي المفاجئ ضدها أكثر احتمالاً. الأمر الذي جعل الصواريخ الروسية تطل على العواصم الأوروبية التي زرعت الباتريوت في أراضيها.
وكان اللافت في الموقف الروسي في مؤتمر الأمن في موسكو، بعد تركيزه على الأمن في أوروبا، والدعوة للتخلص من الأحلاف القديمة التي أصبح استمرارها أكثر خطراً، ما راح يبديه سكرتير مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف من اهتمام شديد في أفريقيا مستنكراً مسعى “اللاعبين الخارجيين” الذين يستهدفون “إعادة رسم موازين القوى” فيها، وملاحظاً اندلاع قتال على مواردها الطبيعية “من دون مراعاة إرادة الأفارقة أنفسهم”.
وكان وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أكثر وضوحاً وصراحة، إذ أكد على استعداد موسكو للتعاون مع بلدان أمريكا اللاتينية وأفريقيا، مطمئِناً كل الأصدقاء القدامى بأن روسيا “منفتحة لتوسيع الاتصالات في جميع الاتجاهات”. وخصّ بالذكر من هؤلاء الأصدقاء القدامى: “الجزائر وأنغولا وجمهورية غينيا، ومصر، وزيمبابوي، والكاميرون، وجمهورية الكونغو، ومالي، ومدغشقر، وموزمبيق، وناميبيا، ونيجيريا، والسودان، وأوغندا، وأفريقيا الوسطى، وجنوب أفريقيا”.
ثم مال وزير الدفاع إلى منطقة آسيا مبتدئاً بالعلاقات الاستراتيجية مع الصين. ثم ليخصّ الهند، فيصف التعاون العسكري التقني معها “بالمميز والمتوسع أبداً”، ولا سيما بعد “تعاون لسنوات طويلة في المجال النووي”.
وجاء تدخّل وزير الخارجية سيرغي لافروف ليضع النقاط على الحروف مؤكداً الخطر الذي يتهدد الأمن العالمي في أوروبا من خلال توسيع الناتو شرقاً لتطويق روسيا، وزراعة الباتريوت على نطاق واسع في أوروبا، بما يؤجج المواجهة في أوروبا وحلف الناتو. ويهدد بظهور “أزمة ثقة جدية في المنطقة “الأورو أطلسية”، وقد نبّه لافروف الأوروبيين إلى أن “ثمن الخطأ غير المقصود، أو سوء الفهم، سيكون مرتفعاً جداً، خصوصاً في حال انعدام الحوار العسكري بين روسيا وحلف الناتو”.
باختصار إن الصورة التي يعكسها مؤتمر الأمن في موسكو تشير إلى أن العلاقات الأمريكية-الروسية والعلاقات الروسية-الأوروبية فيما يتعلق بالأمن والاستعدادات العسكرية متدهورة، ومؤذنة بأسوأ العواقب. الأمر الذي يفسر لماذا وضع مُعدّو مؤتمر ميونيخ لهذا العام عنواناً رئيسياً له يقول “إلى الهاوية… والعودة”.
على أن الشيء اللافت للاهتمام من جانب الروس في مؤتمر الأمن في موسكو عدم التفاتهم البتة إلى تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي دعا إلى “أن تنطلق في المستقبل محادثات مشتركة بينه وبين نظيريه الروسي فلاديمير بوتين، والصيني شي جينغ بين، لوقف سباق التسلح بين الدول الثلاث”. وقد عد سباق التسلح “مكلفاً جداً” وقد “خرج عن السيطرة”. وضرب مثلاً قائلاً: “الولايات المتحدة أنفقت في هذا العام 716 مليار دولار. جنون.
طبعاً يحق للقادة الروس عدّ تصريحات ترمب آنفة الذكر “غير جادة”. ومن ثم عدم التهافت على الاستجابة لدعوته. وذلك لسبب بسيط كوْن الممارسة الأمريكية حتى اللحظة ذاهبة إلى تصعيد سباق التسلح وعلى كل المستويات وفي كل المجالات. إضافة إلى أن سباق التسلح يستجيب لجشع الاحتكارات الرأسمالية الأمريكية المتحكمة أصلاً بجانب مهم في الاستراتيجية الأمريكية، والعدوانية العسكرية الأمريكية. فاستراتيجية التسلح في النظام الرأسمالي الغربي (الأوروبي – الأمريكي) صاحبته منذ الولادة وطوال عهود المراهقة والشباب والكهولة إلى الشيخوخة الراهنة.
ولكن على الرغم من هذه الحقيقة فلا بد من أن يُفتح من جديد باب التفاوض حول الحد من سباق التسلح، أو تنظيمه، في الأقل، ولا سيما بعد أن “خرج عن السيطرة” و”ذهب إلى حد الجنون”. وفقاً لوصف دونالد ترمب.
الأمر الذي يؤكد كم أخطأ الذين راحوا يتحدثون عن سلم عالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وقد رأوا أن قيام نظام أحادي القطبية يعني “نهاية التاريخ” بمعنى سيادة حضارة واحدة، ونظام ديمقراطي (غربي) واحد. فهؤلاء أسقطوا من حسابهم، أولاً، عدم قدرة أمريكا على الانفراد في السيطرة على العالم، ونسوا، ثانياً، أن السُنَّة العالمية، أو القانون العالمي، يقتضيان أن تشيخ الإمبراطوريات والحضارات، ثم يأتي من يحلّون محلها من قوى ناهضة وشابة. هذا وقد غفلوا، ثالثاً، عن أن البديل القادم مع العجز والشيخوخة، ربما يكون الفوضى العارمة. وأخيراً وليس آخراً، إن النظام الرأسمالي العالمي لا يعيش إلا بالحرب، أو بسباق تسلُّح يُغني عن الحرب، كما حدث في مرحلة الحرب الباردة. لأن سباق التسلح هو حرب لا تراق فيها الدماء

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة