خناس المخيم – قصة : وليد رباح

القصـــــة – الجالية العربية –
قصة : وليد رباح …
تنسرب الهوام الى سيقاننا بخفة كضباب صيفي , لتمعن في امتصاص الدم والتنقل ما بين الفخذين , نهرش حتى تتهرأ جلودنا .. تعاتق خيمتنا الاجساد المتلاصقة فنهرب الى العراء .. لكن كل نجوم السماء تتحول الى دقائق غير منظورة .. تعشش تحت جلودنا لندق الارض باقدامنا وكأننا في طوابير عسكرية تعمل على تنظيم الخطوات .. نعود ثانية حيث تلفح الانفاس وجوهنا .. فينسرب الينا صوت ( الخناس) بعيدا كأنما هو في جحر ردمت فوهته .. ينادي بصوته المنغوم على مسحوقه القاتل لكل انواع الحشرات .. نوزع انفسنا في المخيم بحثا عن ( الخناس ) كي لا ينفذ منه المسحوق قبل وصوله الى خيمتنا .

هوذا جاء .. تتمايل خطواته منسلا من خيمة ( ام فهيمة ) يلفه الظلام فلا نرى غير كيسه الورقي الابيض في يمناه ورزمة من الاوراق في يده الاخرى . يلف بها المسحوق الذي يشبه طحين ( وكالة الغوث) لقاء قرش واحد .
ما قصتك الليلة يا خناس ؟
لن احدثكم بشىء هذه الليلة .. فزوجتي يغالبها النعاس وقد وعدت ان أعود اليها قبل ان يغزوها النوم
يضحك ثم يتابع …
عندما تكبرون سوف تعرفون قيمة ليلة الجمعة
.. نعود ادراجنا نحمل احزاننا الى الخيمة .. ونعلن في براءة امام ابي ان الخناس يرفض ان يقص علينا شيئا ليلة الجمعة .. يضحك ثم يعبث بغرة امي فتضرب يده بتثاقل ..
يا رجل عيب .. اولادك ( اباليس)
نعفر رؤوسنا ووجوهنا بالمسحوق ويضحك كل منا على الاخر .. تعلق امي .
انتم كالقرود التي تعفر نفسها بالرماد

في البدء كان مفعول المسحوق اكيدا .. نعد البراغيث المنطرحة فوق الارض عند الصبح وندعو للخناس بطول العمر وربح التجارة .. لكننا بعد اشهر صرنا نشتمه علانية .. ذلك ان البراغيث اخذت تكبر وتزداد لسعتها وجعا كلما اشتمت مسحوقه .. وازداد المطالبون امام خيمة الخناس كي يعيد اليهم قروشهم .. ومع مرور الايام كسدت تجارته ولم نعد نسمع صوته يمجد المسحوق ويتغنى بمفعوله .
\***
انتشر العساكر في المخيم .. سألت ابي فقال هم الفرسان الذين يطعمون خيولهم لوزا وسكرا .. رأيت الناس يدخلون الى خيامهم مسرعين .. نفذ صهيل الخيل الى رأسي فتبعت العساكر .
” في الصف الاول قال لنا المدرس ان حاتما الطائي ضحى بفرسه عند قدوم ضيوفه وكانت كل الشياه في المرعى .. كيف يضحي مجنون بفرس  تكتنز بالشحم وترفع ذيلها الى مستوى رأسها وتسير مجانبة كلما وكزها الفارس ”
توقفوا عند خيمة الخناس .. خرجت زوجته فوشى وجهها برعب حقيقي وتحول الى لون شمعي دون دم او حياة .. تخاذلت ركبتاها فاستندت الى عامود الخيمة .. ترجل قائدهم ووكزها بعصاه على صدرها فابتعدت مذعورة .. ولج مسرعا فسمعت صراخا حادا وابتهالا محترقا يخرجه الخناس من انفه .
بعد دقائق خرج الخناس والدماء تعفر وجهه .. ربطوا وسطه بحبل شدوه الى فرس وسار خلفهم ينوح ويبتهل .. لحقته زوجته واولاده فنزل آخر العساكر واوسعهم ضربا بسوطه حتى ادخلهم الخيمة .

في المخيم .. قيل قد سجن الخناس لانه يبيع ال د.د. ت مخلوطا بالطحين .. وقيل بانه يجتمع الى شباب المخيم في المقهى يحدثهم كل ليلة عن قريته وبيارته وبارودته والارض الحمراء التي تخلو من البراغيث والحشرات وتعطي بالقدر الذي ينغرس فيها المعول الى الاعماق .. وقيل ايضا ان الخناس يدعي ان ( الفرسان) سرقوا بارودته وستة امشاط من الفشك عند الحدود ووعدوه بان تعاد له عندما يرجع الى قريته .. قيل الكثير .. لكني استرقت السمع يوما قرب خيمة مختار المخيم فعلمت ان الخناس متهم باختراع الاقاصيص التي تخرب عقول الاطفال وتدعوهم للتمثل بعبد القادر الحسين وعز الدين القسام وغيرهما .

ارقت كثيرا في تلك الليلة .. وتساءلت لماذا يسجنون الخناس وكل كتبنا المدرسية تحكي قصص خالد بن الوليد وصلاح الدين الايوبي .. لماذا لا يحبسون كل الذين يكتبون قصص البطولة ويحشون بها عقولنا .. وتوصلت اخيرا الى ان اولئك ربما كانوا رفاقا للخناس في سجنه .. من يدري .

عند الصبح حدثت ابي عما سمعت في خيمة المختار فوبخني وصفعني وحلف اغلظ الايمان ان يطلق امي اذا ما فتحت فمي بكلمة مما سمعت .
عولت على ان لا افوه بكلمة .. ورغم افتقاد الخناس واقاصيصه وسريان امر حبسه بين الاولاد .. وتضارب الروايات .. فقد عقدت العزم ان لا ارى امي مطلقة مثل ( فرحة) التي كانت ترسل اولادها الى الجنود العراقيين الذين يعسكرون قرب نابلس غير بعيد عن المخيم يحملون الاوعية كي يعبئوها بقليل من التمن وشىء من المرق وبعض فتات الخبز .. وكثيرا ما حاول لساني ان ينزلق فاتصور نفسي اقف في برد الشتاء وتحت المطر امام خيام الجنود انتظر فراغهم من الطعام كي اعبىء وعائي بفضلاتهم .. لكني في بعض الاحيان كنت احن الى قطعة خبز من ( الفينو) الابيض الذي يحضره اولاد فرحه من عند العساكر ويجودون علي بشىء منه .. اتذوقه فتنسرب فتاته الى معدتي بيسر ونعومة فاحلف ان ابوح بالسر الكبير كي يطلقها وينتهي امر حشو خبز الشعير في معدتي قسرا .ٍ

ذات يوم .. رايت زوجة الخناس تقود عربة صغيرة قد وضعت فوقها طفليها .. وتمد يدها للمارة طالبة ان تطعم الزغاليل ( هكذا كانت تسمي ولديها) وتكررت رؤيتي لها فبت اسير وراءها كلما رأيتها للتمتع بما تحويه العربة من الوان الاطعمة قرب الطفلين فيتحلب ريقي واشتم امي في سري لانها لا تعمل مثل زوجة الخناس .. كانت العربة لا تخلو من بعض ارغفة الخبز وحبات من الطماطم وصحن مملوء بالارز والوان من (الطبخ) وبعض قطع الحلوى .

.. مرة عولت ان امد يدي لاسرق بعض ما تحويه العربة .. لكني بعد لاي فكرت ان ابوح لها بسر فانال الطعام دون عناء ..
عندما ولجت عربتها الخيمة كنت كظلها واسرعت في رش الكلمات متلاحقة عن سر حبس الخناس وعيناي مركزتان حول قطعة حلوى تقطر عسلا .. ربتت على كتفي بحنان واعلمتني انها تعرف ذلك فخذلت .. قالت انها زارته بالأمس في سجنه فاخبرها عن التهمة .. جمعت شجاعتي واعلنت لها انني بحت لها بالسر كي آكل من بعض ما تجمعه فضحكت حتى كادت تستلقي على ظهرها وطلبت الي ان اختار ما اريده .. ومنذ ذلك اليوم ولاشهر طويلة .. كان طعامي كعشاء الملوك اصنافا والوانا لا يحصيها عدد .
***
دامعة ابدا .. ليس بفعل الحزن لكن ذرات التراب اتخذت من عينيها عشا تتكىء اليه ايام الحصاد فتورمتا وغدت تقطرهما بالشاي الخالي من السكر عملا بوصفة جارتنا ( ام فهيمة)
تخب في وحل المخيم تحلم بحذاء يقيها شر صقيع الفجر اذ تحمل جرتها وتتجه نحو عين الماء كي تملآها .
وادريس الذي يؤم الناس في الجامع ويغسل الموتى ويتلو آيات من القرآن على قبورهم لقاء قرش نحاسي اللون يحلم ان يموت الناس جميعا كي يطعم اولاده .. يقطع عليها طريق العودة حاملا هراوته يمازحها ويضحك عن فم ادرد يصيح بها ان تفرغ الجرة في برميل الجامع كي يتوضأ الناس فتحلف ان ارواء عطش الاولاد خير من كل صلاة .. لكنه يحاذيها في السير يتحدث عن الجنة والنار والثواب والعقاب فتلعنه وتتجه نحو البرميل وتفرغ جرتها ثم تعود ثانية الى العين تملآها .
طلب اليها يوما ان تصلي فافرغت جرتها فوق الوحل وضمتها الى صدرها ولحقته راكضة امام تندر الناس فلم يعد ثانية لمثلها .
عندما كانت نذر المطر تطل تهدأ مثل قطة قرب مدفأة .. كلما تحدث اليها ابي هزت رأسها موافقة دون اعتراض .. لكنها ايام الحصاد تقف امامه بهامتها التي تشبه نخلة عتيقة وتضع كفيها على خصرها تلعنه وتلعن اليوم الذي عقد فيه قرانهما .. وكان يدرك ذلك فيهدأ في الصيف كهدوئها في الشتاء .. لان غضبها يعني ان تقول له في كل يوم ( فتش عن عمل) كما تعني ان لا تذهب الى الحقول تلتقط السنابل خلف الحصاين فيحرم نفسه من قروش يحولها الى تبغ ينفثه في الهواء ويحلم .
***
يا خيبتي يا بنات .. زوجة الخناس تشحذ
انطلقت صيحتها في ( العين) فاحدثت دويا بين النساء .. وتزعمت خمس منهن تقودهن الى الجامع كي يطلب ادريس من المصلين في يوم الجمعة ان يكفوا المرأة ذل السؤال .. لكنه نظر من فوق لحيته الكثة غاضبا وقال انهن يسعين لوضعه مكان الخناس حتى يعفن اولاده ..
حاولت افهامه وتذكيره بانه يدعو الناس لكي يكونوا اسرة واحدة اذا ما اصاب احد افرادها وصب تداعى الجميع لنصرته .. فقال لها انه يقرأ ذلك في الكتب القديمة .. ولكن تلك الكتب لم تأت على ذكر السجون والفرسان .. وعدن الى جرارهن لكن ادريس علم انهن يخفين امرا فعول ان يخبر المختار لينال الحظوة عنده

عند المساء تجمعن في خيمتنا .. ثرثرن كثيرا وابدت كل منهم اقتراحا لكن الساعات مضت والزعيق والصراخ يطغى على الكلمات .. عاد ابي من المقهى فوجد النقاش على اشده فحلف يمينا ان يطلقها عند الصبح ليستريح من ( زعرنتها) لكنها وقفت امامه بتحد وقالت ( حتى الكلاب في هذا الزمان تعيش , ولسنا احسن حالا من الكلاب )
سمع ابي صوت المختار قرب الخيمة فارتعد .. خرج اليه باشا يخفي عن وجهه ظل الكآبة .. قال المختار :
انت تعرف ان الحكومة لا ترضى عما يجري .. اذا ما علموا فسيطوقون المخيم غدا ويعلنون منع التجول فنخمج في الخيام
قال ابي : اقسم انني لا اعلم عن هذا الامر شيئا .. وقد جئت الان من المقهى فوجدتهن يثرثرن على ما تسمع
– انت تعرف انني بذلت كل جهدي للعفو عن الخناس .. لكنهم في النهاية قالوا لي نريد بديلا له .. وانا لا اظلم احدا
خرجت النسوة فرأين المختار وابي .. وقفت واجما للحظات لكنها شقت طريقها رافعة رأسها فتبعتها ..
عند المقهى نظمن صفوفهن وكأنهم في معركة .. المذياع يصدح باغنية ( على النجده هيا يا رحال) رفعت امي عصا نسلتها من تحت ثوبها وهجمن على المقهى .. تطايرت بعض فردات الاحذية في الهواء .. صرخ بعض الشباب .. رأت احداهن زوجها في المقهى فوجدتها فرصة لا تعوض فهوت على ام رأسه بالقبقاب .. فانفجر دمه يغطي وجهه .. وفي خلال دقائق كان رواد المقهى  يركنون مذعورين الى الزاوية ..
زوجة الخناس تشحذ وانتم تجلسون هنا .. تفو عليكم
قالت حاملة القبقاب وهي تجفف دم زوجها بحنان
غدا اذا ما حبست سوف اشحذ يا خايب .. هل فكرت في هذا ..
تجرأ احد الشباب وسأل .. ولكن .. ماذا تردن منا ان نفعل ؟
ضحكت امي واتجهت اليه فانكمش على نفسه .. : ماذا تفعل يا ( مدلع) لو ارسل كل واحد منكم رغيفا في كل يوم الى زوجة الخناس ما شحذت .. تقو عليكم … جميعا
قالت بعد ان خرجت من المقهى بصوت عال كي يسمعها الرواد .. غدا اذا ما رأيت زوجة الخناس تشحذ سوف نجعل ليالي ( القهوة ) سوداء .
تفرقن كل الى جهة .. كانت الساعة تقارب منتصف الليل .. وعدت متعلقا باذيالها نخب في وحل الطريق .. عندما وصلت الى الخيمة سمعت صوت المختار يضاحك ابي ويمازحه .. دخلت واشاحت بوجهها فقال المختار :
الا تسلمين .. ذكرتني ( بالختيارة) يوم كانت تخبىء الثوار في بيتنا ويأتي الانجليز للبحث عنهم فتبصق في وجوههم وتمنعهم من الدخول ..
قالت منفعلة : امك .. لا يمكن للزهرة ان تخلف شوكة .. ثم ان هناك مثلا اؤمن به كما اؤمن بسنابل القمح (تكشف الكذبة من ضخامتها)
ضحك المختار ثم استأذن بالرحيل .. وفي تلك الليلة صنع ابي لها جرحا في وجهها ينزف كلما قالت آه .
***
سلامه ابو الريش : رجل يهمه ان ترضى الحكومة عنه .. يعيش امام عربة الخضار وخلفه الخيمة تئن من الجوع والوجع .. لا خطر منه يا شاويش
كم يدفع ؟
خمسة قروش عند كل مساء
حسن .. غيره
ايليا عبد الاحد
تعرفه يعمل في جمع القمامة يتقاضى ستة دنانير شهريا من وكالة الغوث .. قلت له زد خشية ان تتهم بما اتهم به الخناس ..
كم يدفع ؟
خمسين قرشا في الشهر
هذا حسن .. دعنا من البقية واجمع النقود واعطني حصتي .. لكن مهلا .. لم تأت على ذكر ( سعده)
ضحك المختار طويلا وقال : ليلة الامس افرغت جيوب زوجها ..
قال الشاويش : قد خدمتنا فيما صنعت سيقل عدد رواد المقهى ويخفت الهمس .. ولكن .. كم وجدت في جيبه
قال المختار :حلف لي انه لا يملك سوى عشرين قرشا .. لكني فتشت جيوبه فعثرت على دينار آخر فظفرت به
ابتسم الشاويش ومد يده الى المختار فانسابت القروش الى راحته .. كنت اقف الى جوار خيمة المخفر .. دسست رأسي من زاويتها وسمعت كل ما دار بين المختار والشاويش .. لكن السعال انتابني فجأة فذعرا وخرجا من الخيمة مسرعين بينما اطلقت ساقي للريح .. آخر كلمة قذفها المختار ( انه احد اولادها .. ابن سعدة والله
عند الصبح قال لي أبي ان الحبل يقترب من عنقه .. وانه سيشتري لي صندوقا لطلاء الاحذية كي اغوص في شوارع المدينة اقبل احذية الناس قبل مسحها كي لا اعود ( لشيطنتي) والتجسس لحساب امي .. فرحت في سري لان صندوق الطلاء سوف يخلصني من صفعات المدرس .. ثم اعلنت له ذلك فركلني وفرك اذني وحلف بالسموات اني ابن حرام .. وتحسست جلدي الذي صنعت منه العصا اخاديد ترتع فيها البراغيث فلا اشعر بلسعاتها .
***
الخناس اقبل يا اولاد
كنا نلعب الكرة ام الشرائط .. وبصوت واحد صرخنا .. افرجوا عن الخناس .. عادت ايام الحكايات والقصص .
وانطلقنا كفراخ مذعوة نخترق الازقة نتحاشى التعثر بحبال الخيام كي نرى وجه الخناس .. لكنا بعد لاي نظمنا مظاهرة صغيرة اطلقت شعارات ترحيبية .. تعمدنا الوقوف امام خيمة المختار وصراخنا يمتد حتى المقهى .. خرج المختار من خيمته
اين هو الخناس ؟
قرب المقهى
لملم المختار عباءته على كتفه وانطلق يركض نحو المقهى .. وعلى بعد رأيناه يحتضن الخناس ويقبله ويشده من يده حالفا بالطلاق ان يزوره قبل ان يذهب الى خيمته .. لكن الخناس كان يتمنع .
سار نحو خيمته تتقدمه مظاهرة الصبية .. تبرع احدنا باخبار زوجته قبل ان يصل كي تعطيه ( البشارة) جاءت على عجل حاسرة الرأس حافية القدمين والقت نفسها بين ذراعيه تنشج .. وخلفها وقفت انظر الى وجه الخناس الذي رمى برأسه على كتفها وقطرات الدمع تنساب من عينيه .. لم يكن الخناس الذي عرفته ؟؟ عظام وجهه ناتئة كأنما قد بعث من القبر لتوه .. وقرب عينه اليمنى هالة سوداء كقطعة من اللحم المحترق .. اتكأ على كتف زوجته وسار متمهلا .. لاحظت انه يسير مجانبة فتذكرت الخيول الاصيلة وحاتم الطائي والفرسان والعسكر والشهور الخمسة التي أكل القبو فيها من جلده .. وولجت الخيمة معهما فقبل الاولاد واحتضنهم .. اخذ يبكي ورمى بجسده المنهك فوق حشية من الخيش .. وفي الخارج .. كانت اصوات الصبية تطلق كلمات الترحيب بالخناس .
قال الخناس : سمعت انك تشحذين .. قالها لي الشاويش عندما فك قيودي
قالت : فشر . الفضل لسعدة وشباب المخيم
حانت منه التفاتة الى زواية الخيمة .. راى علب السردين مكدسة والخبز يرسل بخاره الحار الى اجواء الخيمة .. بكى وفح بكلمات متقطعه .
***
وزع المختار بعض الاوراق مهروها ببصمات اصابعهم .. كان المساء قد نشر ظلاله فوق المخيم .. ومع هبوب نسمات المساء الطرية تعالت الاصوات من جوف الخيام كمجموعة اعراس في وقت واحد في مكان واحد .. حاولت استراق السمع لكني لم افهم شيئا .. بعضهم كمن مسه الجنون فغدا يصرخ في وجه زوجته واطفاله .. ابي فتح قرب عينيها بعض الشروخ الدائرية كثقوب الشبابة .
ساقوهم الى المخفر .. ميزت من خلال الجمع ابي والخناس وخماسية نسوة المقهى .. وعندما خرجوا بعد ساعات جمعهم المختار في ساحة المخفر والقى فيهم خطبة عصماء عن الحكومة والمخيم والامن ومنع التجول , ختمها بالطلب الى المجتمعين ان لا يغادروا خيامهم من مغيب الشمس حتى مطلعها .. وان يثبتوا وجودهم في المخفر يوميا مرات ثلاث ..
عندما تفرقوا تبعت الخناس الى بيته .. كانت زوجته تقف غير بعيد .. وعندما رآها قال لها اني احمل في جعبتي لاطفال المخيم قصصا تغنيهم عن جداتهم سنوات طويلة .. وضعت يدها على صدرها وقالت ( يا خيبتي) لكنه ربت على كتفها بحنان واشار الي .. خلل شعر رأسي باصابعه واتسعت ابتسامته حتى انفردت على كل الخيام .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة