الإسلام والدولة التي نريد – بقلم : د. احمد محمد كنعان

دراسات ….
د. أحمد محمد كنعان – كاتب سوري مقيم في امريكا …
في بحثنا عن الدولة في الإسلام نجد أنفسنا في مواجهة جملة من الأسئلة الشائكة:
•فلماذا أقام النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – دولة، بينما لم يعمل الأنبياء الذين سبقوه على إقامة دول ؟!
•لماذا أقام النبي دولة بالرغم من عدم وجود نص صريح في القرآن الكريم يدعوه لإقامة دولة ؟!
•لماذا لا نجد في سنته صلى الله عليه وسلم نصاً صريحاً لإقامة دولة؟ بل لم ينصب صلى الله عليه وسلم من بعده من يخلفه في تسيير الدولة التي أسسها !؟
أسئلة إشكالية تحتاج الكثير من النظر والتأمل والبحث، وأزعم أني من خلال البحث طويلاً في هذه المسألة، وما يتعلق بها في الكتاب والسنة وفي سيرته صلى الله عليه وسلم، وفي تاريخ النبوات وجدت بعض الأجوبة التي أطرحها هنا للمناقشة :
1– إن عدم وجود نصوص صريحة في الكتاب والسنة تدعو لإقامة دولة، وعدم إقدام الأنبياء السابقين على إقامة دول، هذه الحقائق تؤكد اهتمام الرسالات السماوية ببناء الإنسان، لا بناء الدول، بدليل كثرة النصوص التي تدعو لبناء الإنسان الصالح المصلح، لأن الإنسان إن لم يكن صالحاً مصلحاً كانت الدولة التي يبنيها وبالاً على المجتمع، وهذه الحقيقة نجد لها شواهد كثيرة في سجلات التاريخ .
2عند البحث في عدم إقدام الأنبياء السابقين على بناء دول، نجد أنهم بعثوا في بلدان تحكمها إمبراطوريات قوية (الرومانية، الآشورية، الفرعونية ) وهذا ما جعل الأنبياء في غنى عن إقامة دول، كما أن وجود الأنبياء في كنف تلك الإمبراطوريات القوية لا تسمح لهم بإقامة دولة .
3في مقابل ظروف الأنبياء السابقين الذين بعثوا في كنف إمبراطوريات قوية متماسكة نجد النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – قد بعث في بلد لا دولة فيها ولا قانون، تتنازعها قبائل متناحرة، أرهقتها الصراعات الداخلية وجعلتها لقمة سائغة للخارج (الرومان والفرس) فكان هذا الواقع المرير هو العامل الأساسي الذي دفع النبي صلى الله عليه وسلم لإقامة دولة؛ بهدف توحيد الأمة، وتقويتها، وتحريرها من الهيمنة الأجنبية، وحماية الدين الجديد .
4هكذا نرى أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد أقام الدولة لدواعي أملتها الظروف التي وجد فيها، فإذا أردنا اليوم التأسي بالنبي، وجدنا أن العوامل التي دفعته لإقامة دولة، غير متوافرة في معظم بلداننا العربية والإسلامية، فنحن نعيش اليوم في كنف دول ذات قوى عسكرية وأمنية طاغية، لا ترقب في الناس إلاً ولا ذمة .. دولاً مستعدة لإحراق كل شيء، وتدمير كل شيء، ما يجعلنا في ظروف تشبه الظروف التي وجد فيها الأنبياء السابقون الذين لم يعملوا على إقامة دول، ولهذا نرى أن عمل بعض الجماعات الإسلامية اليوم على إقامة “دولة” أو “خلافة” هو عمل ينطوي على مخاطر كثيرة، رأينا بعض ويلاتها خلال العقود القليلة الماضية، وهذا ما جعل فقهاءنا يتوقفون طويلاً أمام قضية التغيير والخروج على الأنظمة القائمة !
5وقد أدركت بعض الجماعات الإسلامية الراهنة هذه الحقائق، فتحولت عن محاولات إسقاط الأنظمة القائمة إلى العمل على إصلاحها، وتحويلها إلى دول تتوافر فيها المواصفات الدستورية التي تحترم القانون والمواطن، وهذا ما فعله مثلاً “أردوغان” في تركيا، وما فعله “مهاتير محمد” في ماليزيا، وهو ما يحاوله “راشد الغنوشي” في تونس .
6فإذا كانت هذه هي الوجهة القادمة للعمل الإسلامي؛ فما هو شكل الدولة التي نريدها :
@ إننا نريدها “دولة مدنية” لا دولة عسكرية، نريدها دولة يقودها نخبة من أصحاب الكفاءات ذوي الخبرة والاختصاص (= تكنوقراط) لا دولة عسكرية كالتي تسلط فيها العسكر وأجهزة الأمن على البلاد فنشروا الرعب في كل مكان، وكتموا كل الأصوات الوطنية التي تنادي بالحرية والعدالة .
@ نريدها “دولة انتخابات” لا دولة استفتاءات تفرض علينا الزعيم الأوحد لنقول له (نعم!) بحجة أن البلد تضيع من دونه !!!
@ نريدها “دولة مؤمنة” تتقي الله عن رضا، لا دولة دينية (ثيوقراطية) تفرض الدين على الناس بالإكراه والقهر من خلال رجال دين يعتقدون لأنفسهم العصمة، ويزعمون أنهم يتحدثون نيابة عن الله، فيسكتون كل صوت معارض، بحجة أنه يخالف صاحب الشريعة سبحانه !
@ نريدها “دولة إنجازات” لا دولة شعارات، كما فعل الانقلابيون الحزبيون العقائديون الذين تسلطوا علينا زهاء قرن من الزمان، وأتخمونا بشعارات زائفة لم تزدنا إلا تخلفاً وتبعية وضعفاً .
@ نريدها “دولة القانون” لا دولة الشخص، نريدها دولة يحكمها القانون، دون تمييز، لا دولة يحكمها الزعيم الأوحد الذي يعتقد لنفسه العصمة، فلا يسمح لأحد أن   يناقشه في ما يراه، على طريقة فرعون ( لا أريكم إلا ما أرى … أنا ربكم الأعلى ) لا نريدها دولة الشخص الذي يحكم الوطن بمزاجه ونزواته وشهواته غير عابئ بقانون ولا أخلاق ولا دين ولا منطق إلا منطق مصالحه الشخصية !
@ نريدها “دولة الديمقراطية” التي ترجع إلى الشعب في كل ما يتعلق بالشؤون العامة، لا دولة “الفرمانات” التي تُفرض من “الباب العالي” على الشعب دون مناقش
@ نريدها “دولة الحرية” التي تفتح كل النوافذ للشمس، لا دولة القهر التي تضيق بالرأي الآخر فترفع شعارات الحرية لكنها تمارس أبشع اشكال القمع !
@ نريدها “دولة الرجل والمرأة” حيث يتكامل دور الرجل والمرأة، دولة تنهي إلى غير رجعة ذلك التمييز النكد الذي دفعت فيه المرأة ضريبة باهظة من حريتها وكرامتها وحقوقها لصالح الرجل الذي عمل طويلاً على تشكيل المجتمع وفق منطق ذكوري يزعم أنه هو الأصل، وأن المرأة خلقت لخدمته وتحقيق نزواته وإشباع رغباته !
@ نريدها “دولة المواطٓنة” التي يتساوى فيها الجميع بالحقوق والواجبات دون تمييز تحت أية ذريعة أو حجة !
@ نريدها “دولة صالحة مصلحة” تحمي البلاد والعباد من الهلاك (وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْم وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) سورة هود 117 . دولة تسير على نهج الأنبياء الذين كان شعارهم : (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) سورة هود 88 . فالصلاح والإصلاح هما الضمانة الحقيقية لسلامة البلاد والعباد، وتجنب الكوارث التي تنجم عن التغيير بالقوة، كما هو ديدن العسكر الانقلابيين!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة