التنمية الإقتصادية المركزية بالدول الفقيرة – بقلم : فؤاد الصباغ

دراسات ….
بقلم : فؤاد صباغ ….
مما لا شك فيه تعد إستراتيجيات التنمية الإقتصادية و مخططاتها الإستشرافية في مجملها من أهم الركائز الأساسية للإقتصاديات الوطنية في معظم دول العالم. فالرؤية الإستشرافية البعيدة الأمد من أجل تحقيق أهداف معينة و في وقت معين طبقا للمكاسب الوطنية المتوفرة أو للإنجازات المستقبلية المزمع إنجازها في البنية التحتية تمثل في جوهرها القاعدة الأساسية لتنفيذ المخططات التنموية الرباعية أو الخماسية. كما تتفرع إستراتيجيات التنمية إلي ثلاثة أنواع رئيسية و هي كتالي الإستراتيجية التنموية الرأسمالية الليبرالية و الإستراتيجية التنموية اللامركزية لتحقيق الحاجيات الأساسية و الإستراتيجية التنموية المركزية و هي الأهم في هذا السياق بحيث تساهم في تحديد ملامح الإقتصاديات الشيوعية و الإشتراكية. إن مركزية القرار الإقتصادي المختزل لدي القطاع العام الحكومي يمثل أفضل بديل لتلك الإقتصاديات الرأسمالية داخل الدويلات الصغيرة التي يدريها لوبي رجال المال و الأعمال.
إن التنمية الإقتصادية في الدول الفقيرة تحتاج إلي عناية و إهتمام أكبر من تلك المنجزة في الدول الغنية. بالتالي نظرا لإفتقار البنية التحتية المتطورة و المواد الأولية اللازمة لمجابهة المتغيرات العالمية أو لتغطية هشاشة المنظومة المالية و البنكية تكون في المقابل نظريات تطبيق الإقتصاد الإشتراكي و الشيوعي هي الأفضل في محتواها و أهدافها المستقبلية. فالتنمية في مفهومها الكلي لا تعني فقط تحقيق نمو إقتصادي جزئي بل هي تشمل الشريان الحيوي للإقتصاد الكلي بحيث تتفرع إلي تنمية مالية, صناعية, تجارية و أيضا إلي تنمية مستدامة. ففي هذا الإطار يجب تحديد القاعدة الإقتصادية الأساسية و الإمكانيات المالية المتوفرة لتلك الدول الفقيرة لمجابهة إندماجها العالمي في فضاء المبادلات التجارية و المعاملات المالية. فبالنتيجة إذا كانت تلك الإقتصاديات تعاني من هشاشة هيكلية في بنيتها التحتية منها المالية و المصرفية, فلا يمكنها بأي حال من الأحوال مجابهة القدرة التنافسية الشرسة في الأسواق العالمية نظرا للضرر الذي يمكن أن تتكبده مؤسساتها و شركاتها الصناعية و لو أنها تعتمد علي السياسات الحمائية. فيمكن القول أن أسواق رؤوس الأموال تتلخص في تلك المقولة “حوت يأكل حوت و قليل الجهد يموت” بحيث تتحول المنافسة الصناعية و الإقبال علي الأسواق الإستهلاكية إلي ساحة صراع إقتصادي تسقط من خلاله العديد من الشركات الخاصة ضحية للإفلاس و الإغلاق نتيجة لضعف مجابهتها لتحرر الأسعار. إذ من واجب حكومات الدول الفقيرة وضع معيار المصالح الوطنية أولا و الفردية ثانيا قبل إختيار مناهج السياسات الإقتصادية المعتمدة لإدارة شؤونها الإدارية. كما يجب عليها إتخاذ مواقف سيادية قوية و عدم الإنجراف نحو الإملاءات الأجنبية خاصة منها لصندوق النقد الدولي و غيرها. إن التجربة الإقتصادية أثبتت فشل تلك السياسات الإقتصادية التحررية بحيث كانت نتائجها وخيمة علي جميع الأصعدة بحيث تسببت في كوارث إجتماعية حقيقية و في سلسلة أزمات متتالية نذكر منها سيناريو أزمات الديون السيادية بدول أمريكا اللاتينية أو الأزمات المصرفية بدول جنوب شرق آسيا.
إذا تعد إستراتيجية التنمية الإقتصادية المركزية بالدول الفقيرة في جوهرها الضامن الرئيسي لإستقرار و لإزدهار تلك الدول الفقيرة و رخاء شعوبها المهمشة و المحتاجة. بالتالي تتلخص هذه الإستراتيجيات التنموية في التوزيع العادل للثروة الوطنية بالتساوي علي جميع أفراد المجتمع, تدخل الدولة مباشرة في جميع القطاعات الحيوية الإقتصادية, إعتماد القطاع العام كمحرك رئيسي للتنمية, ضبط الأسعار بالأسواق و تحديد سعر صرف عملة مستقر من أجل تحقيق العدالة الإجتماعية عبر التعليم العام المجاني, الصحة المجانية و النقل المجاني. إن الدول الفقيرة غير قادرة علي تحمل عبء تطبيق النظريات الرأسمالية التي لا تراعي للحد الأدني من مصالح الطبقات الإجتماعية الفقيرة المهمشة و تقتصر مزاياها فقط علي تلبية الحاجيات الأساسية لقلة قليلة من أفراد المجتمع. كما لا يمكن أيضا بتحرير الأسعار و الأسواق في منظومة تعاني من الهشاشة المالية و الهيكلية و غير قادرة علي مجابهة المصاعب و الأزمات التي تتكبدها عجز ميزانياتها بحيث تتحول في معظمها إلي ثورات إحتجاجية نتيجة لتدهور المقدرة الشرائية و الظروف المعيشية لأغلب الطبقات الفقيرة. إن فرنسا المريضة تعاني اليوم من تراكم للأزمات الإقتصادية و من إحتجاجات شعبية متتالية تحت مسمي حركات أصحاب السترات الصفراء التي كانت في معظمها من نتائج تلك الإفرازات المعتمدة للمنهج الإقتصادي الرأسمالي الليبرالي السيئ علي مدي السنين الماضية. أما في المقابل تعد مستعمراتها السابقة بالقارة الإفريقية و ذلك في إطار “نظرية فرنسا التراب و فرنسا الإمبراطورية” مازالت هي أيضا تعاني الأمرين من جهة لعدم الإستقلال الإقتصادي و المالي التي هي مندمجة فيه مباشرة مع تلك الإمبراطورية العجوز التي هي حاليا تمر بمرحلة إحتضار لسياساتها الرأسمالية التعيسة و من جهة أخري لتراكم تدهور الأوضاع الإجتماعية و الإقتصادية.
عموما يعد الإقتصاد الإشتراكي و الشيوعي من أفضل المناهج الإقتصادية المركزية المعتمدة في الدول الفقيرة و خاصة منها بالدول الإفريقية نظرا لتراكم الأزمات الإقتصادية و الإجتماعية. بالتالي تكون لتوزيع الثروة الوطنية علي مختلف الطبقات الإجتماعية و لتدخل القرار المركزي للدولة في القطاعات الحيوية الصناعية و الخدماتية نتائج إيجابية تسمح لها بتحقيق نمو إقتصادي جيد و إنجاز قفزة نوعية و تحفيزية علي مستوي تطوير البنية التحتية و إنجاز أهداف المخططات التنموية الإستشرافية.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة