المنطقة الرمادية والوجودية – بقلم : د. نعيمة عبد الجواد

دراسات ….
د. نعيمة عبد الجواد
الحديث عن “المسكوت عنه” حرفة لا يعلم خباياها ولا يجيد التحدث عنها إلا من تجرع مرار الوقوع تحت طائلة ويلاتها، شريطة أن يتميز الحديث بالحيادية والصدق. ولتحقيق ذلك يجب البعد بمسافة كافية عن بؤرة الأحداث، حتى ولو فكرياً.
فعندما انطلقت الوجودية في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حاولت الإجابة على أسئلة لطالما أصابت جميع البشر بالحيرة، لكن لم يستطع أحد ولو حتى التفوه بتلك الأسئلة على الملأ، وكذلك كان هو الحال بالنسبة للتفكير في الوصول لإجابة لها. وعلى هذا، صارت هذه الأسئلة هي “المسكوت عنه” الذي يختلط فيه السؤال بالإجابة، ويمتزج بداخله حدود الخير والشر، والصواب والخطأ. ومن ثم انطلقت الوجودية في أوروبا كمحاولة للإجابة على تلك الأسئلة، لتصير بعدها “المنطقة الرمادية” التي يستطيع بداخلها الفرد التعبيرعما يجيش به من أحلام وهواجس.
فتيار الفلسفة الوجودية يصرخ بالتعبير عن السؤال: “ما المغزى وراء ميلادنا؟” فهي محاولة للتعبير عن ماهية وجود الإنسان الذي يموج به قوى عارمة، وأياً لتوكيد ولأول مرة، وبالتصوير الواقعي، عن حقيقة وجود الفرد، والخوض في تفاصيل حدود وجود الفرد، وحرية الفرد، وحق الفرد في الاختيار. أي أن الفرد، دون غيره، هو أولى أولويات هذا التيار الفكري، وعدا ذلك فهي أشياء لا أهمية لها، بل بالعكس قد تكون ذات تأثير سلبي على الفرد، وحرياته، واختياراته. ومن ثم، كانت تؤكد الوجودية أن لكل فرد الحق في أن يسلك الطريق الذي يراه مناسباً له، وكذلك هو الحال بالنسبة لتحديد مصيره، وخياراته، وبالأخص فيما يتعلق بالخيارات الصعبة، والخطيرة عندما يكون الفرد على رأس الأحداث. وبالتالي، ينبغي ألا يتخذ الفرد من العادات والممارسات الخارجية شريكاً في خياراته.
ولقد انبلجت خطورة، وكذلك منطقة جذب، التيار الوجودي كفلسفة للتعبير عن “المسكوت عنه” في أنه إنكار وجود أساس بإمكان الفرد أن يتقبله عند قيامه باتخاذ قرارات أخلاقية، مما تعارض تماماً مع المفاهيم السائدة في ذلك الوقت؛ حيث كان مرجع جميع القرارات الأخلاقية هو الدين والممارسات العقائدية. ومما لاشك فيه، أنكر التيار الوجودي جميع النواميس الأخلاقية التنظيمية السائدة في المجتمعات حينئذ، بالرغم من أنها قد تشكل أساساً موضوعياً مقبولاً للخيارات الفردية. وبناء على ذلك، عندما أنكرت الوجودية وجود معايير أخلاقية، فأنها تكون قد صرحت أن جميع أسس الاختيار لا يجب أن تصير إلا ذاتية، لأن مرجعها هو الفرد نفسه. فمثلاً، عند اشتراك مجموعة من الأفراد في انجاز عمل أو نشاط ما، تتولد لهم القدرة على فهم طبيعة هذا العمل وبيئته، وتحديد القرارات التي يمكن اتخاذها في أوقات الأزمات. فبالتأكيد، لا يمكن معالجة الأزمات وفقاً لمنهاجا واحداً دون اختلاف طبيعة كل حالة عن الأخرى، على سبيل المثال: اختلاف بيئة العمل، وطبيعة الأفراد.
ولقد صدمت هذه المفاهيم العالم المتزمت أخلاقياً حينئذ، لكن أيضاً يجب مراعاة أن المفاهيم التي عبر عنها التيار الوجودي كانت نتيجة لسريان موجة من اليأس سببها تقلص سبل العيش؛ من نقص فرص العمل، وشح الموارد، وانتشار العديد من الأمراض والأوبئة. ولقد كان أحد من عبر عن هذا التيار الوجودي في كتاباته، الشاعر والروائي البوهيمي-النمساوي راينر ماريا ريلكا Rainer Maria Rilke  (1875-1926) الذي عبر في اهتم في كتباته عن بسط كل ما يعبر عن الإنسان وخيباته بكل صدق. ولقد نالت كتابات راينر ماريا ريلكا Rainer Maria Rilke  استحساناً واسعاً على الساحة الأدبية، لكتابته شعراً جديد المعاني، وروايات شعرية اللغة، لدرجة أنه اشتهر بكونه “الشاعر الأكثر زخماً عند الكتابة باللغة الألمانية”. وغالباً ما توصف كتاباته بأنها “روحانية”، فهي تمس الروح قبل المشاعر؛ لتعرضها لأمور غالباً ما توصف “بالمسكوت عنه”؛ لأن الإجابة عليها تقع في “المنطقة الرمادية”، لدرجة جعلت الفيلسوف الألماني مارتن هيديجر ينعنته “بأفضل ما عبر عن الفلسفة الوجودية في الكتابات الأدبية”.
ولعل الحياة الشخصية المبكرة للشاعر والقاص راينر ماريا ريلكا Rainer Maria Rilke   كانت هي السبب الرئيسي في تشكيل طبيعته المرهفة، التي أفضت إلى تعمقه في المحاولة للإجابة عن الأسئلة الوجودية المتشابكة المعاني. فبالنظر لنشأته، فهو ثمرة لزواج تعيس، وعاش طفولة بائسة، وزاد من خيباته في سن مبكرة تجاهل والداه لطبيعته المرهفة وتميزه؛ فلقد ألحقاه بالمدرسة العسكرية ليصير ضابطاً، على الرغم من كرهه للحياة العسكرية. لكن كان عمه طوق النجاة الوحيد الذي مكنه من الهروب من حياة مميتة بالنسبة له. فلقد عمل عم راينر ماريا ريلكا Rainer Maria Rilke  على إخراجه من المدرسة العسكرية، وألحقة بدلا عن ذلك بمدرسة ابتدائية ألمانية؛ لما رآه به من موهبة لم يلحظها والداه.
وبالرغم من توالي نجاحات راينر ماريا ريلكا Rainer Maria Rilke  ، على كل من الصعيد العلمي والأدبي، إلا أن نبرة الحزن والنزعة الوجودية في كتاباته كانت هي الروح المهيمنة، والتي في نفس الوقت منحته شهرة واسعة لم يكن يسعى إليها. وهناك العديد من قصائده التي أثرت الوجدان والشعور، لكن توجد دائماً واحدة من قصائدة نالت شهرة عالمية واسعة، ولقد حاول، ولا يزال يحاول، العديد والعديد من المترجمين والأدباء والشعراء ترجمتها وخاصة إلى اللغة الانجليزية. وتلك القصيدة هي “النمر الأسود” The Panther التي كتبها عام 1902، ويتم عرض مخطوطها بحديقة الحيوان التابعة لحديقة النباتات في باريس بفرنسا. ومن الجدير بالذكر، تم إلقاء قصيدة “النمر الأسود” The Panther  في سياق أحداث فيلم “نوبات الاستيقاظ” Awakenings- الذي تم عرضه عام 1990 – حيث تم استخدامها كاستعارة درامية رئيسية للتعبير عن الإعاقة الجسدية التي يعاني منها أحد أبطال الفيلم.
والسطور التالية تسرد ترجمتي للقصيدة، كما رأيتها.
النمر الأسود
خلف القضبان الدائمة الحركة  صارت
قدرة إبصاره جد مشوشة، فلم تعد بإمكانها
رؤية أي شئ القضبان. فتبدى له وكأن
ما يطوقه هو ألف قضيب، خلفهم قد تلاشى العالم.
وبينما يحوم في دوائر ضيقة، مراراً وتكراراً
باتت خطواته الناعمة الجسورة
وكأنها رقصة طقس العبادة
التي يقف أمامها ولو الجبار مشلولاُ
باستثناء بضع الأحيان التي قد يفتح بها
جفونه بهدوء، لتسري صورة خاطفة
تخترق عضلاته المتوترة المنقبضة
لتغوص بعدها في أعماق قلبه، ثم تتلاشى.
وتعبر القصيدة عن حال نمر أسود قوي، قد أصابه اليأس، ووهن قلبه من كثرة خيباته، وعدم قدرته على الفكاك من سجنه السرمدي وراء قضبان قفص، يضن عليه ولوحتى بالتمتع بلحظات أمل.
كلما قرأت هذه القصيدة وتمعنت بها لا يسري في أوصالي إلا موجة من التساؤلات العاصفة التي تجعلني أذهب للحديث عن “المسكوت عنه”، لكني أجد أن جميع الإجابات لا تقع إلا في “المنطقة الرمادية”، وخاصة في عالمنا الحديث الذي تشوشت فيه حقائق الأمور وصارت القدرة على تمييز الأشياء مبهمة. وفيما يبدو، أن هذا الشعور لا يقتصر علي؛ فهي موجة عالمية تسري في أوصال الإنسان الحديث، وتصطحب معها التيار الوجودي ليطفو على الساحة الفلسفية والأدبية مرة أخرى بعد أن انذوى منذ عقود بعيدة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة