القمل : قصة : وليد رباح ( نشرت في الاداب اللبنانية سنة 1972)

القصة : الجالية العربية …
قصة : وليد رباح

موزونة كاتب خطاه .. كتلة الشحم عند الكاحل كالخف طراوة .. ( لا شىء كالحفاء ) .. الصوت والصمت يذوبان عبر شقوق الجدران المهترئة .. ودبيب القمل النابع من اجساد الكتل المرصوفة كحفيف جناحي طائر في قفص ضيق ..

هوذا جاء .. ضيف من اعماق التاريخ .. ما اخبار الناس والارض والهواء .. والشمس .. هل ما زالت تبزغ عند الفجر من المشرق .

لكل سؤال كما يقولون جواب .. انتم تلقون بحزم الاسئلة في وجهي .. اصمتوا .. تموتون هناك ونخبكم تشرب الامة .. الارض ما زالت هي الارض ..

خفوا للقائه ( هنا تجري الامور بصورة معكوسة ) ارتاب قليلا .. ثم اتخذ مجلسه واتكأ على الجدار الرطب .. وخزته بروزات الاسمنت الناتئة .. طافت عيناه تجوسان الزنزانة .. هرشوا اجسادهم كمن يرقصون وهم جلوس .. حدقوا اليه ببلاهة ( هنا يستوي الليل والنهار , والصيف والشتاء )

حزمة الضوء في اعلى السقف تتكسر عبر الحدقات الحمراء تهمي منزلقة على الجدران فتكشف الهوام المتسلقة الى الشقوق العليا .. وقرب النبع الضوئي تحوم في الافق فراشه .. لا يدري احد كيف جاءت .

( ولما كانت خامسة المرات هذه .. فاني لا اجد كبير فرق بين زنازين السجون العربية .. الوجوه المتعبة .. شعر الذقون الاشعث .. العظام الناتئة تزين ما فوق الخدين .. المنظر والصوت والتأثيرات الموسيقية واحدة )
المنظر : يغمر الضوء الوجوه التعسة
الصوت : لا نأمة منهم او حتى فحيح
التأثيرات الموسيقية : عصا تقرع أخمص القدمين
الموسيقى التصويرية : استغاثات وابتهال .

لطمته دقات حذاء على بلاط المسرب ( اولئك الذين يهرشون لا يلقون بالا ) وصل الى سمعه لهاث حاد عبر الجدار الفاصل بين الكتل الاخرى ( قد تتلوى الان امرأة ما على سرير ما .. يضاجعونها بالتناوب فيخترق اللهاث المفتعل رعشان اللذة )

علا اللهاث فغدا فحيحا .. توقف احدهم عن هرش جسمه ونظر الى الجدار الفاصل .. فقط قال .. مسكين .. ثم عاد يهرش مرة اخرى .. تحول الفحيح الى  خوار .. ذابت اعمدة الاسمنت المتراصة تحت وقع نظراته .. تخيله يطلب جرعة ماء .. بعضا من فتات الخبز .. قليلا من حساء ساخن .. نهض مسرعا نحوه .. لطم الجدار وجهه فقاموا اليه يمسحون الخطوط المنسابة من اعلى الجبين الى اسفل النحر ..

عادوا يهرشون .. لمع عقب سيجارة عبر كوة الباب الصغيرة .. لونت ابتسامة وليدة وجه القادم .. ثم اتسعت فوقع العقب الى الداخل .. انطلقوا وتكوموا فوق بعضهم كل يريد الحصول عليه .. وعندما نهضوا اكتشفوا انهم داسوا عليه .. غدت ابتسامة القادم ضحكا ممزوجا برعشةت سخرية .. ثم تحولت الى قهقهة عالية . وذاب صداها بين جدران المسرب بعد ان ابتعد .

جاء آخر .. نظر عبر الكوة وامسك سيجارة مدها الى الداخل .. قاموا فاسترجعها .. ضحك ببلاهة .. ابتعد قليلا .. جلسوا يهرشون .. عاد فمد السيجارة ثانية .. لم يقم منهم احد .. فركها براحته فتطاير التبع الاحمر نحو الارض العارية ..

بامكانكم استعمالها سعوطا ..
نظروا اليه .. بصق احدهم على الارض بقوة .. داسها بكاحله فتلون البلاط بخطوط دائرية دموية .
بدا قطار الليل زحفه .. آية ذلك ان يهاجم القمل دون هواده .. التفوا حوله .. خلعوا ملابسهم قطعة اثر اخرى .. كوموا الثياب امامهم وبدأوا حفلة بدت منذ البدء غريبة .. رفع اليهم رأسه .. حاول ان يسأل , قاطعه احدهم بتؤدة .. انها الطريقة الوحيدة للتخفيف من عدد القمل المختفي بين طيات الملابس .

راقبهم بهدوء .. لم ينبس
– اولى لياليك هنا خالية من كل ما يٍأكل جلدك .. اما الثانية فالله الساتر ..
– – لا بأس في الثانية اذا ما كان قمل المخيم اكثر عددا من قمل الزنزانة .
– – أما ما يليهما فانك اذا ما غاب القمل نفتقده
انهمكوا في العمل .. راقب احدهم وهو يشفط الهواء تشفيا عند مقتل كل قملة .. ابتسم قليلا .. ثم وقف واجال الطرف فيهم .. نظروا اليه ببلاهة .. بدأ ينزع ملابسه .. كومها امامه .. صفقوا له طويلا .
– داهمه منذ الليلة الاولى
– لا اعتقد .. اذا كان العمل جماعيا فلماذا لا اشارك
– اذن لنقتل هذا الوقت .. ماذا عندك
– لا افهم شيئا
– حكايات ( الشاطر حسن) ( جبينه) ما كانت جدتك تسليك به قرب السرير عندما كنت طفلا ..
تسللت الكلمات من فمه بروية .. ران السكون واختفت هيمنة الكتل الاخرى .. خرق الصمت المتوتر صوت جرس مكتب المحقق .. رموا ابصارهم نحو الباب الحديدي .. شدت آذانهم نحو المسرب الضيق .. دقت خطوات رتيبة ارض المسرب .. اقتربت حتى غادت قرب الباب .. دار المفتاح داخل القفل النحاسي الكبير .. صر الباب صريرا مزعجا .. وقف جندي مفتول الشارب يلوح بعصاه .. ضحك قليلا ثم زوى ما بين حاجبيه
– حفلة الليلة دسمه .. سنرى كيف يلتصق اللحم بالعصا ..
– حدق في الوجه الجديد .. تفرس ملامحه .. اقترب منه واخذ يتحسس جسمه كخاروف يساق الى المذبح .
– – لا بأس .. ما تأكل يا هذا
– آكل يا سيدي كما تأكل
وخزته العصا بقوة .. ثم هوت ما بين الكتفين فثار غبار الشرر الاحمر من بين عينيه .. تلاحقت العصي تلهب جسده .. صرخ بملء فيه .

احتمى عند زاوية الزنزانه .. دلف جندي آخر مسرعا وشارك فيما يجري .. رافقت العصا كلمات لم يفقه منها غير .. الادب .. والحديث .. والتأدب .. خر الى الارض العارية .. حاول احد رفاقه ان يقترب منه .. لوح له بالعصا فابتعد
هرع جنديان آخرا ووقفا بباب الزنزانة يرقبان .. ضحك احدهما بصوت عال :
– لماذا لا نقضي ليلة حلوة ؟

نظر الجنود الى بعضهم ثم انفجوا ضاحكين .. امر احدهم الجمع بان يخرجوا واحدا اثر آخر .. عبر المسرب سمعوا جنديا يقول لاخر مر به .. انهم يمارسون لعبة العري حتى داخل الزنزانة .

اصطفوا متلاصقين .. صدمت اعينهم بقع دماء ندية .. احزمة من عصي ركنت الى زاوية الغرفة .. قطعة حبل غليظة كثعبان كريه يحاول ابتلاع عصفور صغير .. قضيب من حديد جفت عليه الدماء
اقترب جندي قمىء .. ربت على كتف ( الضيف الجديد) ثم ابتسم .. اشار له ان ينظر الى الحائط .. ارتفعت عيناه الى مجموعة صور ملصقة على الجدار بعناية .. اصابه الغثيان فحول نظره .. قهقه الجندي طويلا ..
( لا تخف يا هذا .. تخيل انك في معرض  يفتتح لاول مرة ) سأشرح لك رسومه .. انظر .. حدق جيدا .. هذه صورة احدهم ونحن نخلع له اضراسه بالكماشه .. طبعا كان هذا منذ زمن .. الان تطورت اساليبنا .. اننا لا نخلعها الا بشاكوش صنع خصيصا لهذا الغرض ..
الاخرى .. حدق جيدا يا هذا .. لا تحول نظرك والا .. لا نكران في ان الاخرى جميلة لانها تمثلني وانا ادعك عقب سيجارة في صرة احدهم .. اتعلم ان رائحة اللحم المحروق لذيذه ؟

الثالثة وزميل ينترع رجولة زميل آخر .. اتدري ما السبب ؟ لقد سمح لنفسه بالبكاء ونحن نضرب احدهم على اخمص قدميه .. اختر وضعا مناسبا .. اقترح هذه .. او تلك .

نظر فجأة الى قدميه .. ركع الجندي على ركبتيه وابتسم .. تحسس كاحله .
انه يحمل خف جمل صغير .. تعالوا انظروا
صفروا جميعا .. اشار احدهم اليه بان يستلقي على ظهره ويرفع رجليه الى اعلى .. اصابه الذهول فلم يدر ما يصنع .. هجموا عليه والقوه ارضا .. ربط احدهم رجليه الى بندقية امسكها آخران من طرفيها .. راودت احدهم فكرة
– دعوه .. لنرى ما يمكن ان يصنعوا به ..
ابتعدوا .. طلبوا الى رفاقه ان يبدأوا .. تسمرت ارجلهم دون حراك .. نهروهم ثانية .. حدقوا الى وجود الجند باحتقار
…..
عندما عادوا .. كانت حزمة الاعواد قد تقصفت على ارض الغرفة قطعا متناثرة .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة