أحزابنا وورطة الديمقراطية – بقلم : د. احمد محمد كنعان

دراسات …..
د.أحمد محمد كنعان – كاتب سوري من الولايات المتحدة ..
الديمقراطية .. ورطة .. هكذا يرى جيل من الزعماء العرب الحزبيين المزمنين الذين احتكروا “الزعامة” لعقود طويلة، وقد ازدادت هذه القناعة لدى هؤلاء مع إطلالة “الربيع العربي” الذي فاجأهم برياحه الديمقراطية، وبدأ يزيحهم عن عرش السلطة، ويهوي بهم إلى عتمة النسيان، غير مأسوف على تاريخهم الحافل بالانكسارات والخيبات !
الديمقراطية .. ورطة .. لهؤلاء الزعماء الذين أدمنوا “الكرسي” طوال حياتهم ، يأمرون وينهون، دون أن يجرؤ أحد على مراجعتهم أو انتقادهم، فكيف تأتي الديمقراطية اليوم لتسحب منهم هذه الامتيازات لتعيدهم أعضاء عاديين كغيرهم من أعضاء الحزب، ومواطنين كغيرهم من أبناء الوطن ؟!
أجل .. هي “ورطة الديمقراطية” على حد تعبير أحد الحزبيين المزمنين الذي التقيت به مؤخراً في أحد المؤتمرات بعد أن خسر موقعه القيادي في حزبه الذي ظل فيه على رأس السلطة ثلاثة عقود بالتمام الكمال، وبعد نقاش طويل حول الديمقراطية، مالها ؟ وما عليها ؟ اختتم “صاحبنا” حديثه بتنهيدة مغمسة بالحسرة والألم ثم قال : “الحمد لله على كل حال ، هذا هو حال الدنيا” وكم كنت أتمنى أن تكون هذه الكلمات نابعة من أعماق قناعته، لا من أعماق خيبته وتبرمه بالديمقراطية ! لكن هيهات، فقد مرد هذا وأمثاله على عداوة الديمقراطية، وعشق “الكرسي” !
وأمثال “صاحبنا” هذا كثيرون في هذه الأيام، وهم زمرة غير قليلة من مخلفات التاريخ الحزبي البائد، الذين لم يدركوا بعد، ولا يريدون أن يدركوا مقدار التحول الذي طرأ على الساحة السياسية في عالمنا العربي من جراء هذا “الربيع العربي” الذي بدأ يبشرنا بثمار طيبة تنسينا طعم الحنظل الذي ظللنا لعقود طويلة نذوق مرارته بفضل الدكتاتوريات الحزبية المهترئة التي جعلت الأمة العربية تتخلف عن العصر، حتى باتت على وشك الخروج من التاريخ !
إن هذا الواقع المؤسف الذي آلت إليه الممارسة الحزبية في بلداننا العربية يضعنا وجهاً لوجه أمام جملة من الإشكاليات التي آن الأوان لنواجهها بصراحة وجرأة وشفافية، فقد كان لغياب الممارسة الديمقراطية داخل أحزابنا آثار كارثية على الوضع العام للأمة، والعجيب في هذا السياق أن مختلف الأنظمة الداخلية التي تتبناها أحزابنا العربية تنص صراحة وبالتفصيل الممل على ضرورة الالتزام بالديمقراطية داخل مؤسسات الحزب، وتؤكد هذا النهج الديمقراطي في مختلف بياناتها ونشراتها الحزبية ووسائل إعلامها، فإذا ما جئنا إلى التطبيق العملي وجدنا الممارسة عكس ذلك تماماً، إذ نجد أن كلمة “الزعيم” فوق الكل، وفوق دستور الحزب شاء من شاء وأبى من أبى، ووجدنا “لوبي المصالح” يمارس لعبته المفضلة من “تحت الطاولة” ومن فوقها للالتفاف على الديمقراطية وتحقيق مآربه الشخصية، ضارباً بالديمقراطية عرض الحائط، وهو يلعنها سراً وعلانية، لأنها في زعمه تعوق العمل، وتؤخر الإنجاز، وتتجاهل المبدعين .. وهو بطبيعة الحال يعني نفسه ومن لف لفه من “المبدعين” في لعبة المصالح !
لكن .. هذه الحالة الحزبية المزرية بدأت تتغير مع إطلالة “الربيع العربي” فقد بدأنا نلمس شيئاً من التحول الحقيقي نحو الديمقراطية عند بعض الأحزاب، فبدأ بعضها يحدد فترة معينة لزعيم الحزب، على غير ما كان في الماضي إذ كانوا يكرسون الزعيم “قائداً إلى الأبد” ، كما بدأت بعض الأحزاب تحترم التخصصات فتعطي كل عضو في الحزب المكان الذي يناسب اختصاصه، مع الحد من تعدد المناصب للعضو الواحد لكي يتفرغ فعلاً للعطاء والإنجاز والإبداع .
أضف إلى هذا أن بعض أحزابنا العربية بدأت تعقد “مؤتمرها العام” الدوري الذي يجمع مختلف كوادر الحزب، من أجل المشاركة الجماعية في وضع السياسة العامة للحزب، آخذة بهذا التقليد من الدول العريقة بالديمقراطية، وهو تقليد يعد من أبجديات العمل الحزبي الناجح لأنه يتيح الفرصة للجميع المشاركة الفعلية في مسيرة الحزب، ويقوي ولاء أبناء الحزب لحزبهم !
وهناك نقلة ديمقراطية أخرى بدأنا نلمحها في سلوك بعض أحزابنا، فبعد أن كانت معظم دساتير الدول العربية التي تحكمها أحزاب تنص على أن الحزب الزعيم هو “القائد للدولة والمجتمع” أصبحت هذه العبارات الفجة من مخلفات الماضي، فلم يعد حزب من الأحزاب مهما بلغت به الحماقة يجرؤ على المطالبة بإدراج هذه المادة في دستور البلاد !
ومن التحولات الديمقراطية الملفتة للنظر كذلك أن معظم الأحزاب العربية خرجت من نفق “العمل السري” إلى العمل العلني بعد أن كسر “الربيع العربي” جدار الخوف الذي كان يحمي الأنظمة الدكتاتورية البائدة ويخرس الأصوات الوطنية المخلصة، ونعتقد أن هذه النقلة من السرية إلى العلنية سوف يكون لها تأثير واسع وعميق على ترسيخ الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب العربية وخارجها، في نقلة نوعية لم يسبق لوطننا العربي أن شهدها من قبل .
ومازال “الربيع العربي” يبشرنا بالعديد من التحولات الديمقراطية التي نتوقع أن نراها عما قريب وهي تمارس في أروقة أحزابنا العتيقة والجديدة، في مقدمتها إعطاء دور أكبر للمرأة في العمل السياسي والحزبي، إذ مازالت مشاركة المرأة دون الحد المأمول، وهي حتى اليوم مشاركة خجولة لا تعبر عن الطاقات العلمية الكبيرة التي أحرزتها المرأة العربية خلال العقود القلية الماضية .
وكذلك جيل الشباب من الجنسين ، مازالت مشاركتهم في العمل الحزبي والسياسي أقل من أن تعبر عن نسبتهم الفعلية في مجتمعاتنا العربية، فالمجتمع العربي مجتمع شاب، نصف سكانه دون الأربعين عاماً ، ومع هذا فإن عدد الشباب في الأحزاب العربية لا تشكل سوى نسبة ضئيلة جداً بسبب هيمنة “شيوخ الكار” على الأحزاب !
أما قضية النخبوية والفئوية والجهوية والشعبوية فهي قضية أخرى لا تقل خطورة وتأثيراً على الممارسة الديمقراطية داخل أحزابنا، إذ نجد بعض أحزابنا العربية تستقطب شريحة معينة من المجتمع وتقصي الآخرين تحت ذرائع مختلفة، ونادراً ما وجدنا حزباً عربياً منفتحاً حقيقة على مختلف شرائح المجتمع، ونادراً ما وجدنا حزباً عربياً قادراً على أن يكون بحق “حزب الأغلبية” اللهم إلا أن يكون الحزب الأوحد الذي يدعي قيادة الدولة والمجتمع، ويجبر الجماهير على الانضمام إلى صفوفه شاؤون ذلك أم أبوا !
وقضية أخرى لا تقل تأثيراً وفداحة عما ذكرناه، هي ظاهرة “الانشقاقات” التي لم يسلم منها حزب من أحزابنا العربية، مما ترك ظلاله البائسة على المشهد السياسي في مختلف بلداننا العربية، وطبع حياتنا السياسية بالتشرذم، وضعف الأداء، وانشغال الأحزاب بترميم “البيت الداخلي” بدل الانشغال بقضايا الأمة!
وعلى الجانب الآخر بدأنا نرصد بعض الظواهر الإيجابية التي ربما تبشر بمستقبل ديمقراطي واعد داخل أحزابنا، منها الانفتاح على “الآخر” والقناعة بضرورة “التعددية” و “التنوع” داخل الحزب، لكن أخشى ما نخشاه أن تكون هذه الظاهرة مجرد “ديكور” ليس هدفه التطوير الداخلي، بل تحسين الصورة الخارجية للحزب، علماً بأننا لا نطالب فقط بالتعددية في شرائح الحزب، وإنما نريد كذلك تعددية في الأفكار كذلك، لكي نخلق بيئة للتنافس الفكري الحر الذي يساهم في تطوير الأداء ويدفع البرامج الحزبية دفعات حقيقية إلى الأمام، وبهذا يمكن أن نجنب أحزابنا مغبة التحنيط في قوالب فكرية جاهزة كما كان الحال في الماضي، ما جعل من أحزابنا العتيقة “موميات” تصلح للعرض في متاحف التاريخ !
إن الممارسات غير الديمقراطية التي سادت في أحزابنا العربية طوال الحقبة الماضية، وما نتج عنها من ظواهر سياسية سلبية، وما جرته على الأمة من انكسارات وانتكاسات وخيبات، جعل العمل الحزبي “سيئ السمعة” عند جماهيرنا العربية جعلها تعزف عن الانخراط في الأحزاب !
إن هذه الإشكاليات التي عرضنا طرفاً منها؛ تجعل الحاجة ماسة اليوم لإعادة النظر في ممارساتنا الحزبية إذا كنا حقاً جادين في تجاوزها، ونرى أن الخطوة الأولى تبدأ من تأهيل الكوادر الحزبية الجديدة على الممارسة الديمقراطية من خلال دورات مكثفة وورشات تمد أحزابنا بكوادر مؤهلة ديمقراطياً، لتقود العمل الحزبي بروح جديدة بريئة من ترهات الماضي الحزبي المخيب للآمال .
ولابد قبل أن نغادر هذه المقالة أن نشير إلى بعض الاعتقادات الخاطئة التي كثيراً ما تثار في معرض الحديث عن غياب الممارسة الديمقراطية داخل أحزابنا، ولعل أكثر هذه الاعتقادات رسوخاً الزعم بأن “الثقافة العربية” ثقافة إقصائية، أحادية النظرة، تؤسس للتسلط والدكتاتورية، وتقف حجر عثرة في وجه التحول الديمقراطي المنشود، وهو اعتقاد له شواهد من تاريخنا القريب والبعيد، لكنا بالمقابل نملك شواهد أخرى عديدة تنقض هذا الاعتقاد، ولسنا هنا في معرض تفنيد هذا الرأي أو ذاك، لأننا حتى إن سلمنا بهذا “الاتهام” لثقافتنا العربية فليس لنا عذر في عدم تجاوز هذا الجانب السلبي من الثقافة، لاسيما وأن “الثقافة” ليست منتجاً نهائياً لا راد لقضائه، وإنما هي منتج قابل للتعديل والتطوير والحذف والإضافة، وما علينا إلا أن نبدأ تهذيب ما هو غير مناسب منها لنصوغ ثقافة عربية معاصرة تجيد الحوار مع الآخرين، وتستجيب لتحديات العصر، مع المحافظة على أصالة هويتنا العربية الإسلامية .
والخلاصة ، إن المطلوب في اللحظة التاريخية الراهنة التي أتاحها “الربيع العربي” هو تقديم أمثلة حزبية فاعلة ، تغري جماهيرنا العربية من جديد بالعمل الحزبي ، أمثلة حزبية من أبرز معالمها :
-الممارسة الديمقراطية الشفافة التي تقوم على قواعد العمل المؤسساتي .
-ممارسة تحتكم إلى القانون لا إلى الأشخاص .
-ممارسة تنشغل بمصالح الناس أكثر من انشغالها بالتنظير للسلطة .
-ممارسة تهتم بالإنجاز بدل اهتمامها بكسب الانتخابات والمناصب .
وعندئذ يمكن أن نكون قد خطونا الخطوة الصحيحة نحو مستقبل سياسي واعد لهذه الأمة التي ساهمت أحزابها المحنطة في تغييبها عن خارطة العصر لأكثر من نصف قرن !
د.أحمد محمد كنعان
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة