مكتبة التفاؤل – بقلم د. منير لطفي

فن وثقافة …..
بقلم : د . منير لطفي
أسوأ ما يمكن أن يفعله كاتب هو أن يبغِّض الحياةَ إلى القرّاء، فتنضح كلماتُه بالدموع المالحة وتتسربل عباراته بالحزن الخبيث، ثمّ يسدّ منافذ الأمل ويصبغ العيْش بالسواد وينادي بأعلى صوته: هلمّ إلى الاكتئاب! ولا يُعذر في هذا مَن يتعلّل بأنه ينفث مكنونَ نفسه ويجيش بما يعتمل صدرُه؛ إذْ إنّ الكاتب –أيّ كاتب- لا يكتب لنفسه، وإلّا لهان الخطْب وعُدّت كلماتُه زفراتِ مصدور وآهاتِ موجوع. ولكنّه بامتشاقه القلم، واحتلاله مساحةً من الفضاء الورقي أو الالكتروني، بات يخاطب شريحة –صغرت أم كبرت- من المتلقِّين، وعُلِّقت في رقبته أمانة الكلمة التي تسري في دماء قرّائه كالدواء حين تحلّق بهم معانِقةً صفحةَ السماء، أو كالداء حين تهوي بهم إلى أدنى قرار، وهو في الأُولى –ولا شكّ- مُبشِّر مأجور وفي الأخرى –ربّما- منفِّر مأزور.. فبعض الكلمات –كما قال عبد الرحمن الشرقاوي- نور وبعض الكلمات قبور. وصدَق الحبيب صلّى الله عليه وسلم إذْ يقول: “يَسّروا ولا تُعسّروا، وبَشّروا ولا تُنفّروا”.
وفي هذا الإطار التشاؤمي، حدِّث ولا حرج عن طائفةٍ من الكُتّاب اشتُهروا بما يُعرف بالكتابة السوداوية؛ لِما غلب عليها من طابع القتامة الباعث على الإزعاج، ولِما حفلت به من غبَرة تعلوها قتَرة. ومنهم الأديب التشيكي فرانز كافكا الملقَّب برائد الكتابة الكابوسيّة، بعدما أغمض عينيْه عمّا في العالم مِن زهورٍ تتفتّح وبساتينَ تزهر ونجومٍ تتلألأ وفتياتٍ تمرح وتضحك؛ فتَقوْقع على ذاته المشحونة بالمعاناة، وتَكوّر في رحِم نفسه التي لم يأتلف معها وأحسّ تجاهها بالغربة والوحشة، ثمّ ترك العنان لتعاسته التي أكلت روحَه البائسة، قبل أن ينهش داءُ السلّ رئتيْه ويُودِعه الرّمس وهو في الأربعين من عمره! ولا أدلّ على ذلك من روايته (المسخ) التي يستيقظ بطلُها فيجد نفسه قد مُسخ حشرة! ليس هذا فقط بل كانت حشرةً لُحمتها الشقاء، وسُداها العذاب، وعينها السخْط التي قال عنها الشّعر: وعينُ السّخْط تُبدي المَساوِيا.
ويبدو أن مالم يكتبه كافكا كان أكثر سوداوية ممّا كتبه، بدليل ما قاله: لا أستطيع أبدًا أن أكشف للناس عما يجول بخاطري من أفكار بشكل كاف، حتى لا يبتعدوا عنّي هلعًا ورعبا. ويبدو أيضا أنه كان حكيما حين أوصى صديقه وهو على فراش الموت بأن تُحرق أعمالُه حتى لا تصل إلى القرّاء حال وفاته، وهو مالم يفعله الصديق (ماكس برود) حين اعتبر تلك الكتابات كنزًا ثمينا لا يليق بها أن تكون للنار طعاما وشرابا. وقد رسم أحدُ النقّاد الإنجليز ملامح الحالة الكافكويّة بقوله: لقد واجهتُ صعوبةً بالغة في قراءة كافكا وأنا أتمدّد على الفراش. قصصٌ مليئة بالعذاب، بوصف الجروح، بالارتباك، بالساديّة والمازوخيّة، والقسوة، وتظهر في مَشاهده القوارض والخنافس، وكائنات بشعة أخرى. وتقف وراء كلّ هذا خلفيّةٌ من اليأس المطلق.
وما قِيل عن كافكا في الأدب يُقال عن آرثر شوبنهاور في الفلسفة؛ حيث أقام بناءه الفلسفي على روح التشاؤم، وصبغ حياته بالوحدة والعزلة، ومجّد العدم وحرّض على الانتحار، ولم ير الخلاص سوى في نهاية العالَم! ولهذا لم يكن غريبا أن يشعل النارَ في الوجود فيصف الولادةَ بأنها جريمة الإنسان الكبرى، ويرى الحياة شرًّا مطلقا فيضعها في خانة العقوبات القاسية، ويُمثّل الإنسانَ بغرفةٍ  صمّاء جدرانها الأربعة ليست سوى الألم والمرض والشيخوخة والموت، ويختصر روح العالَم في كلبه الذي سمّاه (أطما) أي روح العالَم، ثمّ يعيش حياةً مضطربة نعَتَها بأنها كبندولٍ يتأرجح بين الألم والملل!
وقد فتحت (نانسي هيوستن)  النيرانَ على شوبنهاور وأتباعه في كتابها (أساتذة اليأس) فقالت: مِن بين أتباع شوبنهاور نجد مجمل أساتذة اليأس تقريبا، والذين يحدّدون القِيم الأدبيّة الأوروبيّة ويجسّدونها في الزمن المعاصر. برنامجهم المشترك هو تعلُّم الموت وتعليمنا إيّاه، التقليل من قيمة الجسد ونشواته، انتزاع النفس من كلّ أشكال الصّلات، وخصوصا صلة الحبّ، إنكار المؤنَّث المفكِّر، الأموميّ الذكي، الزمنيّ المتحرّك، المفاجئ، الحيّ، الحاسّ، الهشّ، العابر، وتشويهه …بكلمة واحدة، القضاء على الحياة الإنسانية: هذا ما يعلّمنا هؤلاء الأساتذة، من أعلى قواعد التماثيل التي نصبناها لهم.
وفي هذا أيضا يمكننا العروج على بعض كتابات صاحب النظَرات والعبَرات (مصطفى لطفي المنفلوطي)؛ الذي عزف على الأوراق لحنَ البكاء ونغمَ النحيب، فلُقِّب بأديب الدموع. ومال إلى صفحة القمر المظلمة ووجه الحياة المأساوي، فسلّط عليهما منظار قلمه، وسوّد بهما العديد من قراطيسه التي خلّفها وراءه بعد رحيله في يوم عيد الأضحى من عام 1924م. ولا ننسى رهين المحبسيْن أبي العلاء المعرّي وشاعر الهجاء ابن الرومي.
أمّا على شاطئ التفاؤل الذي يرتدى نظّارةً بيضاء زجاجها الأمل والثقة وإطارها الحماس والعمل؛ فقد سطّر الموقع الأمريكي الشهير (هافينج بوست) سبعة كُتب عدّها –من وجهة نظره- الأكثر تفاؤلية، لِما زخرت به من النظرة الإيجابية للحياة؛ وهي (قوّة التفكير الإيجابي) لمؤلّفه نورمان بيل، و (كيف تكسب الأصدقاء وتؤثّر في الناس) لديل كارنيجي، و (فكّر تصبح غنيّا) لنابليون هيل، و (كيف تقيس حياتك) لكلايتون كريستين، و (كيف تستطيع السيطرة على الحياة) لجيمس جوردن، و (كما يفكّر الإنسان) لجيمس آلان، و (عِلم الوصول إلى الثراء) لوالس.
والواقع أنّ الأمر أوسع كثيرا من هذه الكتب السبعة، فقد أدْلت عشرات بل مئات الكتب بدلْوها في هذا المضمار؛ نظرًا لحاجة الناس الماسة إلى جرعات مكثَّفة من التفاؤل والأمل، وبحْثها الدؤوب عن عرّابي السعادة وبائعي الغبطة، خاصّة وسط هذه التحدّيات التي تغلّف الحياة المعاصرة، والتي خلّفت وراءها نحو 300 مليون حالة اكتئاب على مستوى العالم، ذلك الاكتئاب الذي وصل حدًّا من الذيوع والانتشار جعل رائد الطبّ النفسي (عادل صادق) يوجّه نصيحته إلى الأطبّاء الشبّان قائلا: “عزيزي الطبيب حديث التخرّج: إذا لم تقرأ جيّدا عن الاكتئاب: أعراضه وعلاجه. وإذا لم تبحث عن علامات الاكتئاب في كلّ مريض يدخل عيادتك.. فإنّني أتنبّأ لك بأنك ستكون طبيبا فاشلا”.
وبإطلالةٍ صغيرةٍ على مكتبتي المتواضعة؛ سنضع أيدينا على العديد من الكتب الضاحكة المستبشِرة، بدءًا بعبد الله المغلوث في كتابه (تغريد في السعادة والتفاؤل والأمل)، ومعه سمير شيخاني في (سبيلك إلى السعادة والنجاح)، وعبد الكريم بكّار في (أفق أخضر للنجاح والإنجاز) و (عِش هانئا)، وخالد أبو شادي في (معا نصنع الفجر القادم)، وخالد محمد خالد في (الوصايا العشر لمن يريد أن يحيا)، وديل كارنيجي في (دع القلق وابدأ الحياة)، وأوريزون ماردن في (سبيلك إلى الشهرة والنجاح)، ومهدي الموسوي في (الرقص مع الحياة). إضافة إلى محمّد الغزالي في (جدِّد حياتك)، وعائض القرني في (لا تحزن)، وسلوى العضيدان في (هكذا هزموا اليأس)، وعبد الكريم القصيّر في (متفائلون)، وسلامة موسى في  (فنّ الحياة).. وهو ذات العنوان الذي أغرى  العديد من الكُتّاب أمثال (أندريه موروا) و (ويلفيرد بيترسون)، فدندنوا حوله، وسطّروا من خلاله ما عنّ لهم من رؤى وأفكار. ولا بأس هنا من دسّ كتابي (طريقك إلى التميّز) وسط هذه الثُلّة من الكُتّاب الذين فضَّلوا قدح اللبن على قدحَي الماء والخمر، فأكلوا بذلك البيضةَ وقشرتَها، إذْ أحسنوا إلى أنفسهم وإلى القرّاء وإلى الحياة.
ومن بين ثنايا هذا التلّ من الكتب المتفائلة، يمكن تعريف التفاؤل بأنه نظرةُ فرحٍ واستبشارٍ بالغد، تجعل المرء يتوقّع الأفضل وينتظر الخير ويرنو إلى النجاح مستبعِدًا ما سوى ذلك. على أن يكون هذا التفاؤل موقفًا عقليًّا رديفه الوعْي بالواقع، لا عاطفةً مشبوبة رديفها الغفلة بالإمكانات والقدرات، ومَشوبة بالعمى عن المحيط الخارجي وما يكتنفه من ملابسات. وفيها نقرأ كيف أنّ المتفائل باسم الوجه لامع العين عذب اللسان، وكيف أنه يَنعَم بسلامٍ داخلي يَقِيه غائلة الأمراض النفسية ويعجّل بشفائه من الأمراض البدنية، وكيف أنه محبوبٌ من الناس قريبٌ من الله، وكيف أنه يمتلك طاقةً إضافية وقدرةً معنوية تيسّر له العسير وتفتح المغاليق وتأخذ بيده إلى بوابة النجاح وسلّم التميّز.. وكأنّ التفاؤل جبل الطور الذي يتنزّل عليه وحْي الإنجاز، وغار حراء الذي نظفر منه بكتاب الأمن والأمان، وسفينة نوح التي نعبر بها إلى عالَم التوحيد والإيمان، وعصا موسى التي نهوِي بها على رأس القنوط والإحباط. بما يعني أن الاسباب الداعية للتفاؤل يصعب حصرها في الخمسة وعشرين سببا التي اجتهد في تعدادها صاحب كتاب ( لهذا كُن متفائلا).
ولعلّ أوضح رسالة تفاؤلية هي تلك التي قصّها القرآنُ في سورة الفرح والأمل، وهي سورة (يوسف)؛ فرغم الوهم الذي صدّره إخوة يوسف لأبيهم بأنه قضى نحبه بين براثن الذئب، ورغم مرور عشرات السنوات التي مرّت على فقده دون أثرٍ يدلّ عليه، إلّا أنّ الأب يعقوب عليه السلام  يصرّ على حسن الظنّ بالله ويتمسّك بأهداب الأمل، فيبثّ فيهم روح التفاؤل قائلًا: “يا بَنيّ اذهبوا فتحسَّسوا مِن يوسف وأخيه ولا تايئسوا من روْح الله”. وهو المعنى الذي نسج منه فاروق جويدة أبياتا تتنفّس أوكسجين التفاؤل بقوله:
هيّا لنغرس في الدروبِ زهورَنا
هيّا لنوقد في الظلامِ شموعَنا
إذا كانت الشمس الحزينة قد تَوارى دفْؤها
فغدًا يعود الدفءُ يملأ بيتَنا
والزهر سوف يعود يرقص حولنا
***
طبيب وكاتب
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة