النبش في هنّات مسيرة الثورة المغدورة . بقلم : محمد علي القايدي

 

دراسات ….
بقلم : محمد علي القايدي – تونس …
رحيل أو فرار رئيس البلاد المباغت أحدث فراغا دستوريا وجب ملؤه , فتمّ اعتماد دستور 59 وخاصة الفصل 57 المتعلّق بكيفية انتقال السلطة عند حدوث شغور في رأس الهرم  وبمقتضاه آلت رئاسة البلاد إلى رئيس البرلمان آنذاك كما هو منصوص عليه في الدستور واحتفظ السيّد محمّد الغنوشي برئاسة الوزراء والذي اتخذ عديد الاجراءات تعبيرا عن حسن نواياه في اتجاه امتصاص شيئا من الغضب الشعبي  بتلبية بعض من المطالب الجماهيريّة الملحّة كالعفو التشريعي العام وحلّ التجمع ومنح الرخص القانونية لبعض الاحزاب المحظورة .لكن سقف المطالب ازداد ارتفاعا من بينها حلّ مجلس النواب و رحيل حكومته . وبرز في الاثناء  مطلب ملحّ من ثلة قليلة من اليساريين ألا وهو انتخاب مجلس وطني  تأسيسي لصياغة ووضع دستور جديد للبلاد يقطع مع الماضي ويبشّر بميلاد الجمهورية الثانية حددت مدته بسنة واحدة وهو خيار غير صائب لأسباب عديدة بطول شرحها .  هذه  القلّة كان صوتها عاليا وطاغيا في حين أن كثيرا من العقلاء كانوا  يرون عكس ذلك حفاظا على زخم الثورة وخشية ضياع مكتسباتها وتجنيب البلاد الدخول في فوضى عارمة يصعب الخروج منها كما هو حالنا اليوم . هؤلاء ارتأوا ابقاء العمل  بالدستور القديم والاكتفاء بتنقيح بعض من فصوله  الغير ملائمة ودقّة  وطبيعة  المرحلة الجديدة  والإسراع بتكوين واختيار هيئة عليا مستقلّة تشرف على الانتخابات الرئاسيّة والبرلمانية  وكذلك البلدية  وتحديد موعد قريب لا يتجاوز شهرين أو ثلاثة  لملأ هذا الفراغ الدستوري والمسك بزمام الأمور وتسيير شؤون البلاد والعباد ووضع تونس في الطريق الصحيح حفاظا على هيبة الدولة وعلوية القانون ووضع مخطّط  طموح لإيجاد الحلول العاجلة والآجلة لمشاكل البلاد المتراكمة . وبعد الانتخابات تُوكل مهمّة صياغة ووضع دستور جديد لهيئة مكونة من شخصيات وطنية وخبراء مختصون في القوانين الدستورية محايدون ومنحازون للوطن ، وتقييدها بآجال معقولة  وبعد انجاز المهمة  تعرض مسودة الدستور الجديد على مجلس النواب المنتخب وتناقش كل بنوده بندا بندا ثم يمرّر للتصويت للمصادقة عليه نهائيّا. لكن ما حصل  كان مخيبا للآمال اذ ان الاتجاه والضغط كان في اتجاه انتخاب مجلس وطني  تأسيسي للأعداد لكتابة دستور جديد تهدئة لخواطر المحتجين في القصبة 1 والقصبة 2 الذين رفعوا شعارات عدّيدة من اهمها “التجمع ارحل” وكان حلّ البرلمان ورحيل محمد الغنوشي وتعيين الباجي قائد السبسي  رئيسا للوزراء منتظرا بعد أن حظي بموافقة  عديد الاطراف الداخلية والخارجيّة النافذة وبالأخص فرنسا وأمريكا  . وبعيد تشكيله لحكومة تصريف أعمال ، ودون استشارة أيّ احد من ممثلي لجان حماية الثورة ، تعّمد اتخاذ عديد الخطوات الخاطئة انحرفت بالثورة عن مسارها  منها خلق 78 ألف موطن شغل لعمّال الحظائر الوقتيين بأجر شهري زهيد  لا يتجاوز 249 دينار والسماح للأمنيين بتكوين نقابات امنيّة وهو خطأ فادح لا يغتفر  إلخ…وأشرف على انجاح انتخابات 23 أكتوبر2011 التي تميّزت بالنزاهة والشفافيّة و أسفرت نتاجها عن فوز حركة النهضة ب 91 مقعدا من جملة 217 أي بالأغلبية مما أثار الرعب والحيطة في صفوف العلمانيين والحداثيين والشيوعيين والمعادين للإسلام  وخاصة أيتام فرنسا  والجمعيات الحقوقية والمدنية مثل جمعية النساء الديمقراطيات الذين هبوا على عجل الى فرنسا مستنجدين  بها وطالبوها بالتدخّل عسكريا للتخلّص من النهضة وأتباعها والزجّ بقياداتها في السجون والمنافي انقاذا للبلاد . لكن فرنسا وحتى لا تظهر في صورة المؤيّد للانقلاب على المسار الديمقراطي سطّرت عن بعد خطة لإضعاف النهضة والتخلص منها بطرق سلمية معتمدة على اعوانها وعناصرها  المندسّين في كل المنظمات الوطنية وخاصة  المؤسسات الحكومية والإعلامية لها رأي مخالف في الاثناء شكّلت أهم الأحزاب الفائزة ما يعرف بالترويكا أو الحكم الثلاثي واختارت الدكتور محمد المنصف المرزوق رئيسا للبلاد ورئيس الحكومة من النهضة  ورئيس البرلمان من التكتّل ومنذ اليوم الأوّل من افتتاح اشغال المجلس الوطني التأسيسي بدأ التشويه والتشكيك ووضع العراقيل والنقاشات البيزنطيّة الناريّة  والقصف الاعلامي المتكرّر والتطاول المتعمّد على كل من يحمل فكرا دينيّا  وبالأخص ابناء النهضة وقياداتها وشيخها والصق بها تهم تشجيع الارهاب  وتفريخه ولم يسلم الدكتور كذلك  من التنكيل والتجريح والتشويه والتقزيم . أي أن اعلام المجاري قام بمهمة تحريضيّة جدّ قذرة مدعوما بالمال الفاسد من داخل البلاد ومن وراء الحدود وهي خطّة دنيئة وحقيرة  ضد الترويكا مطالبا اياها بالرحيل وفي الأثناء دخل اتحاد الشغل حلبة الصراع  وقام بدور المعطّل الرئيس لعجلة الاقتصاد وتدميره كلّيا فشجّع وساند الإضرابات ( التي تجاوزت 30 ألف ) في كل القطاعات  والإعتصامات  العشوائية وأوقف انتاج وتصدير الفسفاط الذي يعدّ المصدر الرئيس للعملة الصعبة أمّا الاستثمار الخارجي  و السياحة  فقد ضربا في المقتل نتيجة سلسلة الاغتيالات المدبرة سواء للسياسيين او الامنيين او الحرس أو الجنود وعمت الفوضى والبلطجة وقوي عود التهريب والتجارة الموازية وبدأت حمى ارتفاع الاسعار في تصاعد  وتعطّل النموّ وتدحرج الدينار وفتح باب الاقتراض الخارجي المشروط وتجاوزت نسبة التداين الخارجي  حدّا غير معقول ينذر بكوارث لا يعلمها إلّا الله  من بينها خطر التدخل العسكري المباشر . وفي نهاية الأمر أطيح بالترويكا وجيء بحكومة تيكنوقراط وهي الضربة القاسمة للثورة  بقيادة” المهدي جمعة “الذي لقي تعيينه ترحاب الحكومة البريطانية خاصة لأسباب معلومة وقام  بتجديد عقود عديد الشركات المستغلة لثرواتنا بغير وجه حقّ و دون المرور عبر المجلس التأسيسي وقد أوكلت إليه مهمة  الاشراف على انتخابات 2014 البرلمانية والرئاسيّة والتي توّجت بفوز نداء التحيّل واستفراده بالرئاسات الثلاثة وها نحن في العام الاخير من العهدة الأولى للباجي والذي يخطط لعهدة ثانية وهو في أرذل العمر ، والذي قدّم وعودا انتخابيّة لم يتحقق منها اي شيء بل بالعكس ازداد وضع البلاد تردّيا وتداينا وتدهورت قيمة الدينار وهو في انهيار متواصل ، وساء وضع عامة الناس وخاصة الطبقتين الوسطى والفقيرة بعد أن ضعفت قدرتهم الشرائية كثيرا نتيجة التضخم وحكومة الشاهد لا  مهمّة لها سوى تطبيق املاءات صندوق النقد الدولي والقرارات المهينة التي ستدمّر الأسرة وتعصف بالنسيج الاجتماعي والتي  يريد فرضها علينا الاتحاد الاوروبي وفرنسا من بينها المساواة في الارث بين الذكر والأنثى والترخيص للمثليين بالتواجد قانونيّا .وقد برز ذلك بالملموس إذ  لم تفعل حكومته أي حكومة “يوسف الشاهد ” شيئا يذكر في مجال كبح جنون الاسعار ومراقبتها ولم تلتفت بالمرّة إلى الجهات الداخلية المهمّشة منذ تعيينه ،ولو ببعث اليسيرمن المشاريع التنموية للحدّ من البطالة المستفحلة بل كالعادة اقتصر تركيزه على إقامة مشاريع عملاقة في المدن الساحلية وخاصة سوسة والمنستير و صفاقس وحرمنا من مشروع طموح طالما علّق عليه اهالي الجهة آمالهم ألا وهو مشروع “جنان مجردة “الذي كان سيحل معضلة البطالة بالنسبة  لولاية  باجة .  اي في نهاية الامر  الحصيلة كانت دون المرجوّ , فالهنات كثيرة والعثرات عديدة والأخطاء لا تحصى ولا تعد بما فيها سوء اختيارنا  لمن امنّاهم على الثورة وخانوا الأمانة بالانقلاب عليها حيث أعادونا الى نقطة الصفر. في النهاية الخاسر الأكبر من الالتفاف على الثورة وإجهاضها هي تونس والخاسر الأكثر من ضرب المسار الديمقراطي  والتضييق على الحرّيات هو المواطن، امّا الاستئساد بالأجنبي والتفريط في خيراتنا وعدم مراجعة عقود استغلال ثرواتنا الباطنية من المستعمر الفرنسي حتما  سيلحق ضررا بالغا بمصلحة البلاد والعباد حاضرا ومستقبلا ، لك الله يا بلدي .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة